{بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ} / {اقْرَأْ كِتَابَكَ}.. سنّة المسؤولية

15/03/2018 نشر في: المحاضرات الأسبوعية، المکتبة الصوتية، محاضرات عام 2018

 

كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدّرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الخميس، 26/ جمادى الاخر / 1439 هـ ، الموافق  15/ اذار / 2018 م ، في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين.

بسم الله الرحمن الرحيم

{وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا * مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً * وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا}

صدق الله العلي العظيم

( سورة الأسراء المباركة (13ـ 16))

 

أنّى ألقيت نظرتك في هذا الكون الرحيب وفي هذا الخَلق العجيب لم ترَ ألاّ آيات رحمة الله وتجليات أسمائه الحسنى سبحانه.

 ألا يدعوك هذا الى التساؤل: اذا لماذا نرى الظالمين يتحكمون في رقاب البشر؟ لماذا نجد الطغاة يسيطرون على مصائر الناس؟ لما هذا الظلم؟ لماذا هذه الحروب؟ لماذا هذا التدمير ؟.  أوليس الله ارحم الراحمين؟ أولم يخلق الخلق ليرحمهم؟ أولم يأتي في الحديث القدسي  ياابن ادم خلقتك لتربح علي ولم اخلقك لاربح عليك، اولم يقل تعالى: { إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ }؟ لماذا كل هذه الفساد العريض في الارض ؟ .

الجواب ندركه بعد ان نعرف ان هذه الدنيا دار امتحان، وان من أبعاد الامتحان الإلهي لأهل الأرض اعطائهم حرية الاختيار والسماح لهم بأن يفعلوا ما يشاءوا  بعد ما يأمرهم بما ينبغي عليهم ان يعملوا به، ولكن يقول أيضا سبحانه :{ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ }.

 حين نشير الى هذا الفساد العريض من الطغاة علينا ان نسأل ايضا: ولكن لماذا الطغاة يتحكمون في الناس؟ . البشر عادة مايتحدثون عن نصف القضية ويتركون النصف الثاني، يتحدث طويلا عن المستكبرين والظالمين والطغاة، عن ادعياء الدين، عن مثيري الفتن ، لكن السؤال هنا :  لماذا هؤلاء كانوا اقوى؟ هل ربنا أعطاهم القوة ؟.

 كلا ؛ ربنا سبحانه يقول { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ } ويقول تعالى في اية اخرى{ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ }.

 نحن الذين نتسبب بطريقة او بأخرى في سيطرة الطغاة واستحواذهم على اهل الارض . وربنا تعالى يقول في أحدى آيات سورة الانعام { وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } وورد في الحديث القدسي الشريف ” الظالم سيفي انتقم به وانتقم منه”  ويقول إمامنا أمير المؤمنين علي ابن ابي طالب سلام الله عليه في كلمته الرائعة “لا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيُولّى عليكم شراركم ثمّ تدعون فلا يُستجاب لكم” ويقول ايضا: ” لتأمُرنَّ بالمعروف ولتنْهُنَّ عن المنكر أو ليفتحنّ الله عليكم فتنة تترك العاقل منكم حيراناً ثمّ ليسلّطنّ الله عليكم شراركم فيدعو خياركم فلا يُستجاب لهم “.

 هذا هو الواقع ، و نحن لو تأملنا طويلا في الاسباب التي تؤدي الى سيطرة الطغاة وقضينا عليها جميعا او على بعضها نستطيع ان نطمئن الى حياة فاضلة، او لم تسمع الحكمة التي تقول كيف ما تكونون يولّى عليكم.

 

القرآن وكلمات اهل البيت(ع) برامج لمنع الطغيان

 هناك مئات بل آلاف الاوامر والوصايا و المواعظ والحكم والعبر التي يسوقها ربنا في كتابه ويبينها سيدنا وحبيبنا المصطفى محمد صل الله عليه واله وسلم في كلماته الرائعة كما يذكرنا بها أئمتنا عليهم السلام، اما في سورة، او خطب، او مواعظ، او حتى في اطار الادعية المأثورة والزيارات المروية، هذه كلها تعطينا برامج واضحة لكي لا يطغى علينا الطغاة ولا يسيطر علينا المستكبرون، الأمر بالمعروف والنهي عن المكر والتواصي بالحق والتواصي بالصبر والتواصي بالمرحمة والتشاور والتعاون وغيرها العشرات من الواجبات والخصال والاوامر والنواهي، ولكن حينما نحن نلخص الدين في ركعتي صلاة نصليها، وفي بعض الاذكار التي تلهج بها ألسنتنا،  ونترك القسم الاكبر من الدين بكل صلافة ، فمن الطبيعي أن يكون امرنا هكذا،  ربنا ينتقم منا ويسلط علينا من لا يرحمنا..

 

سنّة المسؤولية

 في ايات سورة الاسراء  التي افتتحنا بها الحديث يبين ربنا سبحانه وتعالى سنّة المسؤولية ويقول: {وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا} وفي اية اخرى مشابهة هي الآية 49 من سورة الكهف، يقول تعالى:{ وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا}.

  {اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا}، اقرء ايها الانسان كتابك وكن انت قاضيا وحاكما على نفسك، انظر ماذا فعلت؟. في تلك اللحظات يودّ الكافر ان يصير ترابا ولا ينظر صحيفة اعماله، فقد جاء في اية 40 من سورة النبأ :{إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا}. أما  الظالم في ذلك اليوم فيعض على يديه .  تقول الاية 27 من سورة الفرقان:{ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً }.

{مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ}. وهل تتصور انك تمنّ على الله تعالى انك هُديت الى الصراط المستقيم؟! أم الله سبحانه هو الذي يمن عليك اذ هداك للايمان؟.


أثر المسؤولية الشخصية في واقع الأمة

 { وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}. لا تتصور انك حينما تصيبك الازمات وتواجهك المشاكل انما بسبب ما فعلته الامة من دونك، كلا، انت ايضا واحد من الناس في هذه الامة، ولربما سكوت الانسان عن الظالم ،عن المجرم  ، عن العاصي، هو الذي يجعل كل انسان منّا يصيبه رذاذ ما اقترفه الاخرون، وربنا تعالى يقول في سورة الانفال:{ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}.

 

فهم الواقع ودراسة الوقائع بمنظار قرآني

وبالعودة الى ايات سورة الاسراء المباركة ، يقول سبحانه:{ وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا }.

 كلمات القرآن صاعقة، فحينما يُقدّر ويريد الرب ان يهلك قرية ــ وقرية هنا تعني حضارة و مدنية و عمران ــ يأمر مترفيها، والمترفون هم الذين يقودون ، ولماذا الامر يكون عليهم؟ لأنهم الذين يصبحون سادة ،في غفلة من الزمان، في غفلة من الناس، لأن الناس تركوهم ،لم يأخذو بأيديهم وعلى ايديهم، فصاروا سادة وقادة.
الله تعالى امرهم ولكنهم ما أتمروا، زجرهم فما ازدجروا، ففسقوا فيها، فحق عليها القول. لا يقول سبحانه: فحق عليهم، بل: فحق عليها، يعني على القرية وكل مافيها ومن فيها .

من الضروري ان نتخذ من القران بصيرة ننظر من خلال اياته الكريمة الى الواقع المعاش ونفسر ما يجري في بلادنا و العالم كله على أساسه.

العالم اليوم متصل بعضه ببعض، فقبل قرون ربما كانت تقع حرب في الصين بين اسر متخاصمة تطول مئة سنة ولكننا لانعرف عنها شيء  أصلا،  وهكذا احداث كثيرة تدور في العالم ولانعلمها، أما اليوم فابسط شيء في أي مكان بالعالم نعلم به ويؤثر بنا تأثيرا مباشرا .  فعلينا أن ندرس كل مايجري عبر بصائر ايات الكتاب المجيد، نفهم الوقائع وكل مايجري وندرس ونحلل الامور والاحداث من خلال منظار  بصائر القرآن الكريم.

الأن نحن نسمع ونرى طبول الحرب تقرع من اكثر من مكان في العالم… وبتالي يجب أن نعرف ماذا يجري، وقسم من هذه الحروب تأتي الينا، لأن نصف الانتاج الحربي الامريكي يباع لبلداننا، وهل لكي تقاتل اسرائيل ؟، لا ، أنما يعطون هذا السلاح حتى يقتل بعضنا بعضا، بينما نتصالح مع عدونا .

  المنطقة أصبحت برميل بارود، ثقاب واحد يشعلها، و لولا رحمة الله الواسعة لكانت حادثة معينة ــ وهي اسقاط الطائرة العسكرية في اطراف الجولان من قبل المضادات الارضية السورية ــ كفيلة بجعلنا ـ وقد كنا ـ على حافة الحرب، وبالطبع لايقولوا لنا  سوف تندلع الحرب، بل نعلم بذلك بعد اندلاعها، لإنهم  يقررون في غرف مغلقة، والحرب خدعة.

 ونحن لا نعلم كيف ومتى يمكن ان تقع حادثة ما مماثلة، ومن ثم هذه المخازن الضخمة من الاسلحة الفتاكة التي تعشعش في بلدان المنطقة متى تنطلق وتوزع الدمار؟. إن القضية ليست مرتبطة بهذا البلد او بذاك فقط، بل ببلادنا كلها، بوضعنا، بمجتمعنا ، بمستقبل بلادنا، فكيف ننظر ونفسر ونقيّم الامور؟.

 هناك امران ؛

الاول: قلت وأكرر، أننا كمسلمين ــ في العراق كمثال ــ  اذا قمنا بواجبنا و تجاوزنا احقادنا وتألفنا وتحاببنا فإن وقعت حرب في ذاك المكان او ذاك، لن تصل الينا لا لإننا اقوى من الحرب، بل لأن الله سبحانه وتعالى يرحمنا،{ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ }.

 

ما سبب  الحروب والصراعات؟

الامر الثاني الذي يجب أن نبينه هو : ما اساس وسبب وقوع هذه الحروب، وما وراء هذه الحروب؟ .

 السبب الحقيقي وراء كل هذه الحروب هو الشرك الخفي . الانسان يخرج الايمان بالله من مخه وقلبه ويضع مكانه الايمان بالذات، الايمان بنفسه، بواقعه، بمنهجه، وبحزبه، بما يستبدل به الرب تعالى، وهذا نوع من الشرك.

مما وكيف  نعرف ان هذا الانسان عنده ايمان بالله أو لا  ؟. تعرف ذلك ان هذا الانسان لو وضع نفسه فوق القانون، فوق احكام الله، فوق القانون الطبيعي الذي يؤمن به كل انسان، اذا وضعنا انفسنا فوق هذه الامور، فهذا يعني أن الانسان لديه شعبة من شعب الشرك بالله سبحانه وتعالى.

ربنا سبحانه يدعو ـ في سورة آل عمران ـ كل اهل الايمان الى الوحدة:{ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ }. كلمة سواء ، كل منا بمكانه وبدينه يعمل، لا انا اريد أن اعتدي عليك ولا أنت تريد ان تعتدي عليّ ،لا انت تريدني أن اكون عبدك ولا انا أريد  ان تكون عبدي،  نحن نريد ان نعيش عبادا لله، هو سبحانه ربنا وربكم.

 وفي ايات اخرى يقول تعالى :{ قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ} و {اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ}.

 

شِرك التعالي .. ثقافة {أَن تَكُونَ أُمَّةٌ  هي أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ}

هذا اساس التوحيد ، أن لا تعتبر نفسك احسن من غيرك، وفي سورة يبين ربنا تعالى ذات البصيرة بطريقة اخرى، فيقول أنتم ايها البشر إن تعاهدتم فيما بينكم فانتبهوا الى ان لاتخترم هذه المعاهدة بأن قسم منكم يريدون ان يصيروا افضل من القسم الاخر، { وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ}. يعني أن كل جماعة يفكرون يورون بأنهم افضل من جماعة، هذا هو حس التعالي على الاخر، هذا يريد أن ياخذ من هذا ويتعالى عليه وذاك يريد أن ياخذ من هذا ويتعالى عليه، وترى مليارات الدولارات تصرف في هذا وتستخدم  مختلف الحيل والاساليب، اولم يصل العالم ـ ولايزال ـ الى حافة حرب على قضية كجزيرة القرم بين أوكرانيا وروسيا ، ومرة اخرى مشابهة على بعض الجزر في بحر الصين ، واخرى بين تركيا واليونان على بعض المناطق في بحر ايجه .. وهكذا لعل الكثير من الحروب تندلع على قضايا غير مهمة اساسا، انما لإجل { أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ }.

 في لبنان  لديهم مقولة معروفة لها معنى ، يقولون بلهجتهم ” القصة ليست قصة الرمانة القصة قصة قلوب مليانة”. ففي بعض الاحيان قد تندلع حرب كبيرة على رمانة، ولكن الحقيقة ليست الرمانة هي السبب، انما هي قلوب مليئة بالاحقاد فتشتعل، فالرمانة انما هي مثل عود الثقاب الذي قد يشعل البرميل، ومن ثم البرميل يشعل العالم.

 نحن يجب ان نواجه الشرك  الجلي والخفي منه،  أن لايتصور احد ويتصرف على انه افضل واربى من غيره .

الانسان يجب ان يكون في منتهى العبودية والخضوع للرب تعالى، لكنك تجد هذا يقول بطريقة واخرى مامضمونه قول فرعون :”انا ربكم الاعلى”، وذاك يقول انا وانا… 

في أمريكا لديهم احصاءات كثيرة تتناول كل  شيىء تقريبا، ومن من جملة ذلك انهم وضعوا رقابة احصائية على التليفونات لمعرفة أي كلمة اكثر  تداولا على الألسن فاكتشفوا انها ضمير المتكلم المعبر عن نفسه فقط، كلمة “أنا” و ضمير المتكلم بمعية  الغير  وصيغة الجمع”نحن” .

ربنا جميعا الله تعالى، فمن أنا ؟ هذه الأنا حجاب بينك وبين الله سبحانه، ما دمت تعيش في اطار الأنا فهذا يعني انك لن تصل  لربك، فانت محجوب عنه. نقرأ في المقطع الأخير من دعاء الصباح لأمير المؤمنين عليه السلام ” إلهي قلبي محجوب ، ونفسي معيوب ، وعقلي مغلوب ، وهوائي غالب وطاعتي قليل ومعصيتي كثير… ” .

قلبي محجوب، لماذا؟ لأن نفسي معيوب، لماذا؟ لأن عقلي مغلوب، لماذا؟ لأن هوائي غالب، لماذا لأن طاعتي قليل ومعصيتي كثير. هذه واحدة تتبع الاخرى ، فأنتبه. كيف يأخذني الكبر واعتد وارى نفسي شيئا امام الرب خالق السموات والارض؟!، لا توجد خلية من الخلق الا وتسبح بحمد  ربنا ، فمن انا وحدي لاقول :”انا” من أنا ومن أنت؟ ألا نقرء { هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا }؟.

سُئل  الامام الباقر عليه السلام  عن هذه الأية  فقال” كان شيئا و لم يكن مذكورا ” ،وقال عليه السلام  ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال للامام علي عليه السلام: “قل : ما أول نعمة أبلاك الله عز وجل و أنعم عليك بها ؟” قال : “ان خلقني جل ثناؤه و لم أكُ شيئا مذكورا ، قال : صدقت ” .

{إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ} اصل الأنسان واحد بالمليون من هذه النطفة ، هذا انا وهذا انت وهولاء نحن كلنا.

 اذا؛ على البشر أن يسعوا ـ بحول الله وقوته ـ ان يتجاوزوا الانانيات والحزبيات، ان تكون امة هي اربا من امة.

وهنا اُذكّر، وقد قلت في احاديثي سابقا واقول الأن واكرر خطابي الى المسؤولين في العراق والمسؤلين في اقليم كردستان،اجلسوا وتحاوروا و اندمجوا مع بعضكم، ما هذا الخلاف الدائم والمتكرر على قضايا الميزانية ،على مطار، و على المنافذ الحدودية، وغير ذلك؟ ماهذا والى متى؟ اجتمعوا واتفقوا واحسموا الامور، فأمامكم مشاكل اخرى اهم، فهذا الارهاب لم ينتهي بعد، ولايزال يتربص بنا ويضرب هنا وهناك، فلا تتستهينوا به .

 الإرهاب ليست حربا نظامية، لذلك فمن الغلط الاستهانة به، ونحن حذرنا من هذا سابقا مرارا وتكرارا.. فلذلك ندعوا أخواننا المسؤولين في العراق، في العاصمة وفي الاقليم، بأن يلتقوا ويجتمعوا ويتحاوروا اكثر ويطبقوا الدستور بل ويتجاوزوا الدستور إن كان ولابد، وللصالح العام، أن يدمجوا  البلد ، البلد يحتاج الى دمج ،لماذا ومامعنى  كردي وعربي وسني وشيعي؟، هذه بدع ما انزل الله بها من سلطان، تعالوا واتفقوا، الاف السنين تعايشتم وتعاملتم مع بعضكم، فلماذا تسمحون لمن يأتي و يفرق بينكم بسياسة فرق تسد، و الى متى؟.
ونفس الامر بالنسبة الى تركيا وسوريا، والى قضية الكرد فيهماايضا، إجتمعوا و ناقشوا المسألة بشكل واضح ، ودعوا الأنا { أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ }.

  كل حرب وصراع منبعه شِرك خفي ( الأنا)

ايها الاخوة؛ ادرسوا  كل صراع تجدوه في النهاية ينتهي الى هذا الشرك الخفي، هذه الأنا التي قد تتجسد في (انا) او (حزبي) او (تجمعي) او (منظمتي) او أي شيىء مشابه ينتهي بالتالي إليّ .. وبعكس ذلك لو قلنا (الله) بدلا من الأنا، وكان هو هدفنا ومعيارنا، لحلت المشاكل و صرنا سواسية تجمعنا المصالح المشتركة واستثمار وتوزيع هذه الإمكانيات الكبيرة  التي يحظى بها العراق. فليس في العالم من سوى بلدان قليلة تتمتع بمثل هذه الامكانيات والثروات التي تتوفر في بلدنا، فلماذا اذا على العراقيين أن يعيشوا الفقر والمشاكل مع كل هذه الثروات في بلدهم؟!.انها هذه الخلافات والمناكفات وهذه المشاكل.

 وحتى هذا الموظف الذي يأخذ رشوة اقول له: انت لو اشتغلت واديت واجبك بطريقة صحيحة عادلة فإن ما ستحصل عليه بالحلال وتهنأ به مع رضا واطمئنان من ضميرك ، ورضا الله تعالى ورضا الناس،  اكثر مما ستحصل عليه من الحرام ولا تهنأ.

 

حسّ المسؤولية تجاه بلادنا

 ايها الاخوة؛ علينا أن ننمي ونعزز الاحساس بالمسؤولية، المسؤولية تجاه بلادنا، والمسؤولية من معناها ان نعمل الخير ونعمل بكل الاسلام وبكل الدين، الجانب الفردي والجانب الاجتماعي والجانب السياسي والثقافي كله، ومن ثم ـ بعون الله ـ ننئى بأنفسنا عن هذه المشاكل، ونسأل الله ان يبعد عنا الحروب الصغيرة او الكبيرة منها.  هذه حرب سوريا، سبع سنوات عجاف اتت على نصف مليون انسان راضحو ضحيتها، وملايين المهجرين واللاجئين، وهذا التدمير الهائل ومئات مليارات الدولارات صرفت وذهبت هباءا ، ثم هاهم بعد سبع سنوات لما استداروا رجعوا الى نفس النقطة التي بدأوا بها وخرجوا منها، مثل بني اسرائيل في التيه اربعين سنة، كانوا من اول الصباح كان يسيرون متخبطين في الصحراء، ثم ينامون الليل، فينهضون صباحا واذا بهم هكذا يجدون انفسهم يدورون في ذات المكان الذي انطلقوا منه في الليلة السابقة.

 هم كانوا اربعين سنة في التيه ،  فكم سنة يجب أن ندور نحن في تيهنا؟ هذه سبع سنوات من الحرب في سوريا، الا ينتهون منها ـ الا تجتمعوا ـ بصدق نوايا وجدية ـ وتناقشوا.. والعدل يسع الجميع، وشيئا فشيئا يصلح الله تعالى اموركم.