تدبرات في سورة (الأنبياء) شهر جمادي الثاني / 1439 هـ – (الدرس السابع)

09/04/2018 نشر في: المحاضرات والدروس، تقريرات التدبر في القرآن، سورة الأنبياء

بسم الله الرحمن الرحيم

{وَ كَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وَ أَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً آخَرينَ (11) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ (12) لا تَرْكُضُوا وَ ارْجِعُوا إِلىما أُتْرِفْتُمْ فيهِ وَ مَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ (13) قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمينَ (14) فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصيداً خامِدينَ (15)}

 

ليست من حقوقنا أن نختار الهداية أو عدمها، فالهداية مفروضةٌ علينا ونحاسب عليها نعاقب بتركها، والعقاب شديد.

والسبب في ذلك أن من لا يهتدي إلى الحق لا يعمل به، ومن لا يعمل بالحق سيعمل بالباطل، فسيشمله جزاء عمله الباطل، كما الجائع الذي يحتاج إلى طعام، فإن لم يملأ جوفه بالطيبات سيملأه بالخبائث وحينئذ سيلقى تبعاته حيث تضر به الخبائث.

الله سبحانه أرحم الراحمين ولا ريب في ذلك، ومن رحمته أنه يمهلنا، ومن رحمته أنه يذكّرنا بالهدى، ومن رحمته أنه يضرب لنا الأمثال مثلاً بعد آخر للإعتبار، ولكن حين يتجاوز الإنسان كل الحدود فإنه سوف لا ينتفع بمهلة الرب وتذكرته، بل ينال جزاء إنحرافه حيث يقول ربنا:

{وَ كَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ }

فليست القصة قصة قرية أو أثنتين، بل هي قصة كل قومٍ حادوا عن الصراط وعتوا عن أمر ربهم، ولا يزال البشر يجد يوماً بعد آخر آثار حضاراتٍ دمّرت شر تدمير، والقرآن الكريم يبين لنا الأمثلة فقط، فحين يذكر لنا قصة قوم لوط فهناك أمم أخرى دمروا كما دمّر الله قوم لوط.

ومن جملة ألوان العذاب قطع النسل، ونرى اليوم بعض البلدان تواجه مشكلة عدم التناس حيث النمو البشري عندهم في الإتجاه السالب الذي سيؤدي إلى هلاكهم وإنتهائهم.

وليس المقصود من ” القرية” هنا المكان الصغير، بل كل مدنية لم تؤمن بالله يعبّر القرآن عنها بالقرية وإن كانت كبيرة كمدن قوم لوط، وقد قال البعض أن المقصود من القرية هو الأبنية والمساكن والمرافق الحضارية كمجاري المياه والمزارع، ولكن الذي يبدو لي أن القرية أعم من المساكن ومن الساكنين، وكما في قوله سبحانه: {  قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَ جَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَ كَذلِكَ يَفْعَلُون‏}[1].

و”القصم” يعني التكسر المصحوب بصوت، ويستعمل في قصم الظهر، فلماذا يقصم الله سبحانه القرية كلها فلا يبقي منها أحدا؟

 

{كانَتْ ظالِمَةً }

لأنها كانت ظالمة، والظلم يعني تجاوز الحق، فتجاوز حق الله ظلم، وتجاوز حق النفس ظلم، وتجاوز حق الناس ظلم، وعادةً يكون الظالم ظالماً للحقوق كلها، فكما السيارة التي تخرج من الطريق فإنها ستتخبط يمنة ويسرة، كذلك حين يخالف الإنسان صراط الحق يتيه في أنواع الباطل، فلا يؤدي حق الله ولا حق نفسه ولا حق أسرته.

والقرآن الكريم لا يقول أن أهلها أو بعض أهلها كان ظالماً بل الخطاب يعم القرية كلها، بمعنى أن الظالمين أستولوا على القرية، وكما قال تعالى: { وَ إِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفيها فَفَسَقُوا فيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْميرا}[2] لأن الله سبحانه لا يعذب الناس مع وجود مصلحين يحاولون إعادة الناس إلى رشدهم، قال الله سبحانه: { وَ ما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرىبِظُلْمٍ وَ أَهْلُها مُصْلِحُون‏}[3].

وإذا خرج المؤمنون أو أخرجوا من مكانٍ ما فإن أهلها يستحق العذاب بفعل ذنوبهم ومعاصيهم وظلمهم، وقد يكون ذلك بمطر السوء أو الزلازل أو الإحتلال أو الحروب الأهلية أو غيرها.

فالقرية دمرت ولم يبق منها أحدٌ ولكن هل ينتهي كل شيء بإنتهائهم؟

قال الله:

{وَ أَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً آخَرينَ (11)}

يخلق الله أقواماً آخرين يحلون محلهم، يختلفون عن السابقين كلياً في عاداتهم وسلوكياتهم وحضارتهم، وفي كلمة “الإنشاء” دلالة على الإبتداء من الصفر لا الإستمرار.

 

{ فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا }

لا يأتي البأس الإلهي دفعةً واحدة، بل لكل عذابٍ إلهي إرهاصاته، فإذا إنتبه إليه الإنسان وتاب من ذنبه ربما يتوب الله عليه كما في قوم يونس الذين رفع الله عنهم العذاب بإنابتهم.

وهؤلاء أحسوا بأس الله سبحانه وإنتقامه، فأرادوا المفر:

{إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ (12)}

حاولوا الخروج من القرية، ولكن هل ينفعهم ذلك؟ وهل يخرجون من سلطان الرب بخروجهم عن القرية؟

{ لا تَرْكُضُوا وَ ارْجِعُوا إِلىما أُتْرِفْتُمْ فيهِ }

لا ينفعهم الهرب، ولذا فلفظة ” لا تركضوا” ليست نهياً فحسب، بل نفيٌ أيضاً ، بمعنى أن هربهم لا ينفعهم، فكم من شخصٍ حاول الهرب من العذاب فلحقه العذاب؟ كما اولئك الذين هربوا من الوباء إلى الصحراء وكان الوباء معهم فاهلهكم حيث هم في الصحراء.

فليرجعوا إلى أموالهم وأثاثهم وتجاراتهم التي طالما أهتموا بها علها تنفعهم.

{وَ مَساكِنِكُمْ }أعمر الإنسان داراً يسكنها وتؤمنه من غوائل الدهر وصروف الزمان، بنى المسكن ليؤويه من الحر والبرد، ولكن هل لهذه المساكن أن توفر لأهلها الحماية من أمر الله سبحانه؟

كلا، فأمر الله إن جاء لا شيء يمكنه أن يحمي الإنسان منه، فالزلازل من تحتهم تهدم بيوتهم من فوقهم والأعاصير ترفعها إلى السماء.

{لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ (13)}

ما يلوح في البال من هذه العبارة بأن الإنسان حين يصطدم بالواقع الشديد كالبأس الإلهي، حينئذٍ يرجع إلى رشده ويعترف بخطأه؟

والنفع في ذلك أن يعترف بإستحقاقه للعذاب فلا يعذب الله سبحانه أحداً إلا بعد إعترافه.

{ قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمينَ (14)}

إعترفوا بذنبهم وظلمهم، ولم يكتفوا بذلك مرةً واحدة بل:

{ فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصيداً خامِدينَ (15)}

إستمروا في إعترافهم وندمهم، حتى أهلكهم الله سبحانه.

والحصيد هو المحصود من الزرع والخامد ما سكن وسكت، فالله سبحانه يحصدهم دون أن تبقى لهم باقية بل يكونوا منزلة الرماد الخامد.

وهذه هي نهاية الظلم، فمن أرادها فليسترسل في غيّه، أما من أراد تجنبها فليسأل ربه طريق الهدى ليتبعه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة النمل : الآية 34

[2] سورة الإسراء: الآية 16

[3] سورة الهود: الآية 117