تدبرات في سورة (الأنبياء) شهر جمادي الثاني / 1439 هـ – (الدرس الثامن)

09/04/2018 نشر في: المحاضرات والدروس، تقريرات التدبر في القرآن، سورة الأنبياء

بسم الله الرحمن الرحيم

{وَ ما خَلَقْنَا السَّماءَ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما لاعِبينَ (16) لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاَتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلينَ (17) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَ لَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (18)}

 

لإنحراف البشر  جذور ولعل من أخبثها اللهو واللعب، فماذا تعني هذه الكلمة ولماذا يقول القرآن الكريم: {إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَ لَهْو}[1]، وما هي علاقة اللعب بإنحرافات الإنسان وضلالاته؟

ربما تختلف أسماء الأشياء من عصرٍ إلى آخر وإيحائاتها تتفاوت، ويصاب الإنسان في هذه الحالة بعدم فهم الحقائق بوضوح.

في حياته يبتلي البشر بحالة اللامبالاة، فكل ما أخبر بأمرٍ أو قضية أخلى مسؤوليته عنها، واللامبالاة واللاجدية هو اللهو واللعب، والبشر مصابٌ بهذه الحالة شاء أم أبى، وبمقارنة بسيطة يقارن فيها الإنسان نفسه مع أولئك الذين يعتقدون بحسابٍ وكتاب ويظنون أنهم ملاقوا ربهم، سيجد نفسه وكأنه يعيش في سباتٍ عميق، والأيام تمر عليه مرور السحاب، بل قد يصل المرء إلى حالة عدم الإلتفات إلى تحرك الزمان، نتيجة الإنغماس بالتوافه وإذا به يواجه المشيب.

والسؤال: كيف نواجه هذا اللاجدية في حياتنا؟

هناك وسائل:

الأولى: الوسيلة الأولى والتي يبينها الرب في هذه الآيات وعي أن الحياة ليس لهواً ولعباً، أرأيت حوادث السير التي تقتل الكثير من الناس أو تصيبهم بإعاقات دائمة، أو حوادث تحطم الطائرات، أوليس كلها نتيجة غفلة لحظة أو خطأ ضئيل في المحاسبات؟

وهذه الغفلة البسيطة التي تؤدي إلى دمارٍ كبير مثل لكل ما في الحياة، فكل غفلةٍ فيه تنتج نتائج عظيمة ولكن لا يشعر الإنسان به، فمن يقوم بجريمة في لحظة الغفلة وإنحسار العقل فهو يلقى عقوبته عمراً طويلا.

تركيبة الدنيا وخلقها ونظامها قائمٌ على الجد وليس اللعب : {وَ ما خَلَقْنَا السَّماءَ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما لاعِبينَ} ، والتعبير بـ “ما بينهما” يشمل كل شيء ، مما يدل على عدم وجود لعبٍ في شيءٍ بسيط حتى بمقدار ذرةٍ أو خلية من خلايا جسم الإنسان، التي لو أصيبت بخلل في التواصل مع الخلايا ستشكل كتلة من الخلايا المريضة والتي تصبح ورماً سرطانياً فتاكاً.

فمن أجل كبح جماح النفس البشرية يجب الإلتفات دوماً إلى حقانية كل شيء في الخليقة، الذي أدى إلى إتقانه من جهة ودقة أحكامه ونظمه من جهة أخرى.

ومن هنا، فعلى الإنسان أن يتخذ الحياة وما يجري فيها مدرسةً له، ولولا ذلك تكون ملهيةً ومنسأةً له عن الحقائق، فكل شيء في الخلق يمكن أن يعبر به الإنسان إلى ذكر الله سبحانه ألذي لا يعني مجرد الكلمات فقط، بل يعني أيضاً فهم الحياة من خلال نافذة الإيمان.

الثانية: والوسيلة الثانية تكون عبر دراسة تجارب السابقين والإتعاظ بمصيرهم.

الثالثة: التفات الإنسان إلى مصير أعماله هو، حيث مرض حين لم يتجنب البرد، ومرض حين أكل كثيراً، فرب ساعةٍ في حياة الإنسان كانت سبباً في شقائه، فيعمم تلك التجارب على الحياة كلها.

وبهذا يمكن للإنسان أن يوافق نفسه مع الخليقة، فيكون مع الحق الذي بنيت وسارت عليه، وإن لم يعلم بالحق فعليه تعلمه وهو فريضةُ عليه.

  • {وَ ما خَلَقْنَا السَّماءَ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما لاعِبينَ (16)}

كما ذكّرنا القرآن بسبب هلاك الأقوام الماضية المتلخص في ظلمهم الذي فسرناه بتجاوزهم للحقوق، وههنا يبين القرآن أنه لا لعبٌ ولا لهوٌ في الحياة، وقد بينا الفرق بينهما، حيث في اللعب بعض النظام، كاللعبة السياسية لوجود هدفٍ فيه ولكنه غير حقيقي وأساسي، واللهو أقل من اللعب حيث الحركة بلا هدف.

والله سبحانه ينفي اللعب في هذه الآية وينفي اللهو في الآية التالية حيث يقول:

  • {لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاَتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا}

أي نعرف كيفية إتخاذ اللهو ولكن لا نريد ذلك، ولو تصوّرنا أن الحوادث التي تصيب الإنسان من زلازل وفيضانات والتي تحدث بحكمة، أقول لو تصورنا أن الله أراد أن يتخذ لهواً بها، فيزلزل الأرض تحت أقدامنا كل ساعة، أو تثور البراكين يومياً، فما كان مصير الإنسان؟

  • { إِنْ كُنَّا فاعِلينَ (17)}

إن كانت الإرادة الإلهية متجهة نحو اللعب واللهو – سبحانه- فإن ذلك لا يصعب عليه.

إذاً فما هو أساس الخلقة؟

أساس الخلقة هو الحق، حيث يقول الله:

  • {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ}

فحين يأتي الحق يأتي بقوة كالقاذفة على الباطل، فيدمغه، والدمغ هو الضرب على أم الرأس بقوة، وإذا بالباطل ينتهي .

  • { وَ لَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (18)}

هناك باطل، ولكنه في هامش الحق، كيف؟

الإنسان حق، ووجوده والسماء والأرض وكله حق، ولكن الباطل قد يكون في فعل الإنسان، بسبب إبتلاء له وإعطاءه الحرية، فيصف الإنسان الباطل ويعمل به، ولكن سرعان ما يزول الباطل بمجيء الحق.

وفي نهاية المطاف، يبقى الإنسان مسؤولاً عن وصفه للباطل الذي دمغه الحق وإنتهى.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة محمد : الآية36