تدبرات في سورة (الأنبياء) شهر جمادي الثاني / 1439 هـ – (الدرس التاسع)

09/04/2018 نشر في: المحاضرات والدروس، تقريرات التدبر في القرآن، سورة الأنبياء

بسم الله الرحمن الرحيم

 

{ بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَ لَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (18) وَ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ مَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَ لا يَسْتَحْسِرُونَ (19) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لا يَفْتُرُونَ (20) }

 

كما البناء الشامخ يعتمد على أساسٍ لو تزعزع فإن البناء كله ينهار، كذلك البنيان الفكري، فنظرية متكاملةٌ كنظرية هيجل أو ماركس أو غيرهما تراها نظرية قائمةً على أسس متينة لخلط أصحابها الحق بالباطل، ولكنها قائمة على أساس فكرة معينة، لو إنهارت لأنهارت النظرية كلها.

وتلك الفكرة تشكل مخ النظرية، والله سبحانه يضرب هذا الأساس فترى النظرية كلها تتلاشى، فإذا تلاشت فلا يبقى سوى وزرها على من إفتراها وعلى من قالها.

{بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ }

يأتي الحق كقذيفةٍ يصيب أساس الباطل ومخه.

{فَيَدْمَغُهُ }

والدمغ تعبيرٌ عن الضرب على الرأس.

{فَإِذا هُوَ زاهِقٌ }

وبذلك يزهق الباطل كله، ولكن لا ينتهي كل شيء، بل :

{وَ لَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (18)}

فحينئذٍ يكون حساب المتمسكين بها عسيراً، فكل من تمسك بالباطل ووصفه وقال به يسأل عن فعلته، فبالرغم من حرية الإنسان في الإختيار فإنه ليس حراً مطلقاً بأن يعتنق كل فكرةٍ شاء، أو ينظّر كيف شاء ، فيرى الحق ما قاله هو أو ما جادت به بنات فكره، لأن مجرد إنتساب الفكرة إليك لا يجعلها صحيحة، لأن الحق هو الصحيح الباقي.

وعانت البشرية من أولئك الذين يرون أفكارهم محوراً للحقيقة، وقد سمي بعضهم بالـ ( مصوبة) الذين عرّاهم الإسلام مما هم فيه.

وقد ذهب البعض بعيداً في ضلالاته حتى عدّ السجود لله والصنم سيّان، وقال الآخر أن الإختلاف بين موسى عليه السلام وفرعون لم يكن على إعلان فرعون ربوبيته بل على حصرها فيه وغيرها من النظريات الشيطانية السخيفة المعتمدة محور الهوى في مقابل محور الهدى.

ومن هنا يجب على الإنسان أن يعرف خطأ الإعتقاد بأن كل يدخل فكره يصبح جزءاً منه، أرأيت لو أكلت طعاماً فاسداً هل كنت تعتز به أم تحاول إخراجه بأسرع ما يمكن؟

فالفكر الخطأ كالسم الفتاك يهدم روح الإنسان كما يهدم السم جسمه.

وهذه الآية بمثابة تمهيد للحديث عن الشرك وجذوره، وهنا نحتاج إلى تقديم بعض المقدمات:

العلاقة بين الخالق والخلق

أولاً: الله سبحانه هو الذي خلق الخلق، والعلاقة بينه وبينهم علاقة واحدة هي الخالقية والمخلوقية من جهتهم، إلا أن مشكلة البشر الأساسية مشكلة الأنا والذات، حيث يريد تفضيل نفسه وعنصره على الآخرين كما فعل إبليس في إعتبار جنسه ( النار) خير من جنس البشر( الطين).

ومن هنا فإن جذر الشرك هو العنصرية كما رآى الآلمان الأفضلية للنازية أو اليهود لمن كان يهودياً، وبضرب محورية الذات في فهم الحقائق ومواجهة روح العنصرية ينتهي داء الشرك.

الله الخالق الحي

ثانياً: نعتقد نحن بأن الله سبحانه خلق الخلق لا أولدهم، فهو لم يلد ولم يولد، حيث لم يتجزأ – سبحانه- إلى جزئين أحدهما أعلى والثاني أسفل فيكون بينهما قوس صعودٍ ونزول، بل هو الخالق للخلق، والدليل على ذلك أنه أعطى الإنسان أيضاً صفة الخاقية، فبقوة الله ومشيئته كان الإنسان مريداً والإرادة مخلوقة الإنسان، أفلا يستطيع الرب المعطي للإنسان الخالقية أن يكون خالقاً؟ أوليس الكون كله دليلاً كافياً على قدرة الله سبحانه على الخلق؟

بلى؛ ولكن الكفار يدورون في نظرية سخيفة لا يخرجون منها أبداً رغم إختلاف تعابيرهم عنها، وهي نظرية الفيض التي تعني أن الخلق كله خرج من الله – سبحانه- كما يخرج الشعاع من الشمس والموج من البحر، وهكذا تنتهي نظريات الفيض إلى فكرة هلامية عن الله، تخالفها كل حقائق الكون، لأن الله سبحانه خالقٌ قادرٌ يفعل بقدرته ما يشاء.

وهكذا ردّ القرآن الكريم على اليهود الذين قالوا بأن يد الله مغلولة تعبيراً عن عجز الخالق تعالى، بقوله: { وَ قالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْديهِمْ وَ لُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ}[1]، كما أنه رد على اليهود والنصارى الذين أدعوا أنهم أبناء الله وأحباءه بقوله: { وَ قالَتِ الْيَهُودُ وَ النَّصارى‏ نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَ أَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُم‏}[2].

وهذه النظريات الباطلة هي التي أودت بالبشرية إلى الإنحطاط المستمر.

تفضيل الخالق لمن يشاء

نعم، لأن الله هو الخالق الحكيم، فله أن يميز بعض خلقه على بعضهم كما قال سبحانه:{ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى‏ بَعْض‏}[3] وذلك لحكمةٍ ذكرها أم لم يذكرها، وكذا تفضيله للرجال على النساء حيث ذكر الحكمة حيث قال:{ الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى‏ بَعْضٍ وَ بِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ}[4] فليس التفضيل مطلقاً بل ضمن حكمة معينة، وبالإمكان أن تصبح المرأة خيرٌ من زوجها بكثير.

فتفضيل الرب ليس بلا حكمة أو سبب، فحتى تفضيل البشر على سائر المخلوقات لتحمله الامانة، ولكن إستعمل هذا التفضيل من قبل الشياطين ووساوسهم في جعل مثل عيسى إبن الله سبحانه.

{وَ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ مَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَ لا يَسْتَحْسِرُونَ (19)}

فالعظماء مما خلق الله مثل الملائكة كجبرئيل عليه السلام القوي الأمين، هؤلاء يعبدون ربهم ليلاً نهاراً ، بل إنهم يتكاملون بها وينمون بها، ولذلك لا يستكبرون عن العبادة لخضوعهم لله وعبوديتهم له، ولا يتعبون منها.

ونحن نعرف الأنبياء وقربهم إلى الله بسبب عبادتهم لله، وكذا نعرف مقام العالم بحسب عبوديته وخضوعه لله تعالى وإبتعاده عن الذاتيات والأنانيات.

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة المائدة: الآية 64

[2] سورة المائدة : الآية 18

[3] سورة البقرة: الآية 253

[4] سورة النساء : الآية 34