تدبرات في سورة (الأنبياء) شهر جمادي الثاني / 1439 هـ – (الدرس العاشر)

09/04/2018 نشر في: المحاضرات والدروس، تقريرات التدبر في القرآن، سورة الأنبياء

بسم الله الرحمن الرحيم

{ بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَ لَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (18) وَ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ مَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَ لا يَسْتَحْسِرُونَ (19) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لا يَفْتُرُونَ (20) أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (21) }

ينقسم اللفظ من حيث الدلالة إلى حقيقة ومجاز، والمجاز يعني قصد دلالة بعيداً عن معنى اللفظ الموضوع له، فحين يقول المتحدث ( أنا عطشان) فقد لا يقصد بذلك الإخبار بل يقصد الأمر بالإتيان به، فليس الهدف نفس اللفظ بل الإنتقال من معنى هذه الكلمات إلى معنى آخر ولذا سمي بالمجاز.

كل كلماتنا وإشاراتنا إلى الله هي من النوع الثاني أي هي مجازية، لأن اللغات –جميعاً- وضعت من أجل تفاهم الناس فيما بينهم لا الحديث عن الخالق العظيم، بل نتوجه بها إلى ذلك النور الحي القيوم الذي به قام كل شيء، ومن هنا لابد أن نتجاوز الكلمات ونتركها ونأخذ بالغايات.

ومشكلة البشر في أنه أراد الحديث عن الله وأسمائه، كما يتحدث عن بعضهم البعض، ولذا صار يعيش الوهم في معرفة ربه، وهكذا كان أفضل ذكرٍ وأقربه إلى الله سبحانه قول العبد :” سبحان الله”، فحين تسبح ربك ففي الواقع أنك تطهر نفسك من الوهم ومن الأمثال التي تتصورها لله سبحانه، وتطهر قلبك من القصور في معرفة ربك.

وقد قلنا بأن الله يدمغ الأفكار الباطلة فتتلاشى كما يدمغ الإنسان فيموت، حيث قال { بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ} واستفدنا من لفظ الدمغ أن الضربة تتوجه إلى لب الباطل ومخه.

وقد ذكرنا أعراض الشرك وجذوره النابعة من عدم معرفة الله سبحانه، فمن لم يعرف ربه يذهب يمنةً ويساراً، ومعرفة الله تكون بتنزيهه عن خلقه، وحين ينزه الإنسان ربه ويسبحه فحينئذ تكون نظرية الشرك واهية جداً.

ومن آثار عدم معرفة الله سبحانه هو قولهم أن الله محتاجٌ إلى خلقه، أوَهل يحتاج الغني إلى خلقه الفقير؟

يجيب الرب سبحانه قائلاً:

{وَ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ }

حرف “من” يعني أن كل شيء في عالم التكوين مخلوقٌ وله شيء من الشعور الذي وهبه الله له، فكل شيء في الخليقة يسبح لله ويعبده وإن لم نعيَ ذلك، حتى الطيور في السماء والحيتان في البحار، بل حتى الجبال التي ذكر القرآن الكريم أنها أوّبت مع نبي الله داود عليه السلام.

فكل شيء لله سبحانه، مفتقرٌ إليه، والله هو الغني عنهم، ومن ثم قد يقال أن خيرة الخلق كالملائكة والأنبياء هم أبناء الله سبحانه، ولكن ويجيب القرآن عن ذلك بالقول:

{وَ مَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَ لا يَسْتَحْسِرُونَ (19)}

فلو كانت لهم ذاتيات تختلف عن سائر المخلوقات لاستكبروا عن العبادة، بل هم الأكثر عبودية وخضوعاً لله سبحانه لأنهم أقرب إليه تعالى، وأكثر خوفاً من أن يسلبهم الله تعالى ما هم فيه.

وكذلك لا يستحسرون أي لا يملون أو يتعبون من عبادتهم لله سبحانه، بل قيل أن الملائكة يتغذون بالعبادة ويتكاملون بها.

{ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لا يَفْتُرُونَ (20)}

قد يصلي الإنسان الفرائض والنوافل فيتعب، ولكن هؤلاء لا يتعبون فحسب، بل لا يخففون وتيرة عبادتهم أيضاً، فصلاتهم الثانية أفضل من الأولى، لأنهم يسبحون الليل والنهار.

فالتسبيح – كما قلنا- تكاملٌ للإنسان، فبتسبيحه لربه يطهر الإنسان نفسه من الشرك والوهن والجهل، وكلماطهر كلما رغب في المزيد من الطهر والنقاء، وهكذا هم عباد الله الصالحين، فلولا أن فرض الله عليهم الإنشغال ببعض أمور الدنيا لأهلكوا أنفسهم بالعبادة، بتركهم الطعام والشراب والراحة، ولكن حيث فرضها الله عليهم تراهم يأكلون من أجل العبادة، ويستريحون من أجل التعبد والطاعة.

{ أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (21) }

وفي المقابل أولئك الذين إتخذوا آلهةً من دون الله، وهم عبدوا آلهةً من الأرض لأنهم لم يعرفوا الملائكة في السماء، بل عبدوا ما رأتها أعينهم كالبقر والفأرة والشمس وغير ذلك.

هل يقدر آلهة هؤلاء على إحياء فأرةٍ أو أقل منها ونشرها بعد موتها ؟

ربما يمكن أن يدعي المشرك بأنها كانت السبب في شفائه أو قضاء حاجته، ولكن هل يمكنها أن تحيي الأموات؟

بهذا السؤال الصادم يهدم القرآن الكريم بنيان الشرك، حيث لا يقدر الآلهة المزعومة على نشر شيءٍ واحد، ولكن الله سبحانه يبعث كل الأموات يوم القيامة، كما نشر بعض الأموات في الدنيا كشاهد على قدرته كطيور إبراهيم وعزيرٍ وحماره.

ومن حيث المجموع: كل فساد يتورط فيه الإنسان سواءاً العقيدي أو السلوكي أو الخلقي، فهو بسبب عدم معرفة الله، فإذا أردت أن تطهر حياتك في كل جوانبها فعليك بتوثيق علاقتك بالله سبحانه.