تدبرات في سورة (الأنبياء) شهر جمادي الثاني / 1439 هـ – (الدرس الحادي عشر)

12/04/2018 نشر في: المحاضرات والدروس، تقريرات التدبر في القرآن، سورة الأنبياء

بسم الله الرحمن الرحيم

{ لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاَتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلينَ (17) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَ لَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (18) وَ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ مَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَ لا يَسْتَحْسِرُونَ (19) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لا يَفْتُرُونَ (20) أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (21)}

 

الحقيقة الكبرى التي باتت محوراً للصراعات والتبريرات والمعاذير هي حقيقة المسؤولية، فمن أجل التملص منها تجد كل ثقافات التبرير التي لا تكاد تنتهي تصطف الواحدة تلو الأخرى، فينفي الإنسان وجود الرب يوماً فلما يكتشف أمرهُ ينكر الرسالة، ولما لايجد بداً من قبولها يدعي تفويض الله أمر العباد إليهم، وحيث نظريته هذه تؤول إلى الفوضى، يقول الدين حقٌ ولكن الدين الذي أصوغه أنا وأختاره، وهكذا تراه يعيش في دوامةٍ فكرية متناقضة حتى نهاية عمره.

والقرآن الكريم كتاب المسؤولية حيث يوجه صدمات متتالية للإنسان تمنعه من التهرب من المسؤولية مهما حاول.

اللا نظام من أجل التحلل من الإلتزام

ومن جملة الأفكار المصاغة من أجل الهروب من المسؤولية، تصوير البعض الكون بأنه لانظام له وأنه لعبٌ ولهو في مقابل القوانين والأنظمة، وهذه الفكرة يرد عليها القرآن الكريم في أكثر من مناسبة، حيث يوجه السؤال لهؤلاء: أوَهل سيبقى حجرٌ على حجر إن كان العالم بلا نظام، فالشمس والقمر والكواكب كلها تتحرك وفق أنظمة دقيقة، والجاذبية تحكم الجبال والبحار ، فكل شيءٍ في الوجود يسير وفق نظامٍ دقيق لا دخل للأهواء فيه، قال الله سبحانه:{ وَ لَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ وَ مَنْ فيهِن‏}[1].

وإذا أقرّ بوجود نظامٍ قال أنه مستثنى عنه، فلماذا يكون الإنسان مسثتنى من الخضوع للنظام بين جميع الكائنات؟ كلا؛ بل هو الآخر مشمولٌ بالمسؤولية، ومن هنا حين يبصر المؤمن ما حوله من مخلوقات مذهلة كالكواكب والنجوم يتلقى هذه الحقيقة العظمى حيث يقولون: { وَ يَتَفَكَّرُونَ في‏ خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّار}[2]، وكل العلوم الحديثة دالةٌ على حقيقة النظام الواحد والمتكامل في كل شيء وفي كل زمانٍ ومكان، فلو سافر الإنسان إلى كواكب أخرى سيجد الأنظمة ذاتها هي الحاكمة، مما يدل على وحدة الخالق من جهة وقوة النظام وهيمنته من جهة أخرى.

وهذه الآيات التي أعدنا تلاوتها هامةٌ في حياتنا، ومع الأسف جرّد بعض المفسرين هذه الآيات عن واقعنا فراح يبحث عن أمور مجردة فيها، بل الأساس هو أن نطبق الآية على واقعنا كي نستفيد منها فائدةً لسلوكنا وحياتنا، فتتحول الآية إلى جزءٍ من شخصية الإنسان وجزءٍ من منجهه في الحياة، وخطاب هذه المجموعة من الآيات للآنسان: ” أيها الإنسان إنظر إلى الحياة ما حولك وأدرس كل العلوم الطبيعية والإجتماعية، فإذا عثرت على خطأٍ واحد فلك أن تنفي حكمة الرب ولكنك لن تجد ذلك أبداً وسترجع حسير البصر، متفطر الفؤاد دون أن تصل إلى ذلك، وهذا دليلٌ على أن الكون لم يخلق باطلاً.

وما دام الأمر كذلك فعليك أن توفّق نفسك وفق الحق”.

الدنيا مزيجٌ بين الحق والباطل

وقد يقول البعض، إن كان كل شيءٍ حقاً فلماذا نرى الظلامات والإعتداءات في الدنيا، فيقتل البشر بعضه بعضاً ظلماً وعدوانا؟

ههنا نكتشف حقيقة هامة، أن الدنيا بمجملها مشوبةٌ بالباطل، إذ جزءٌ من حياتنا مؤجلٌ إلى العالم الآخر وهو عالم الحساب، وبذا تتبلور فكرة المعاد عند المؤمن، حيث إستعاذ من ربه النار لأنه وصل إلى نتيجة أن من يعمل وفق الباطل هنا قد لا يحاسب ولكن سيحاسب يومٌ ما.

{ وَ ما خَلَقْنَا السَّماءَ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما لاعِبينَ (16) لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاَتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلينَ (17) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَ لَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (18)}

 

الآلهة المزعومة والهروب من المسؤولية

وبعد ذلك يحذر القرآن الكريم الإنسان بأن عدم خضوعه للحق سيعقبه حسابٌ عسير، ولن ينفعه حينئذٍ تمسكه بشفاعة الآلهة المزعومة أو الملائكة والأولياء، فالملائكة والمصطفين من خلق الله خاضعون لربهم، بل إن قربهم إلى الله بسبب عبادتهم وخضوعهم له تعالى: { وَ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ مَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَ لا يَسْتَحْسِرُونَ (19) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لا يَفْتُرُونَ (20) }.

فالشفاعة الموجودة إنما هي عمل خيرٍ يشفع لعمل خيرٍ آخر للإنسان وكلاهما منه، فليس شيءٌ اجنبيٌ عن عمله.

أما الآلهة المزعومة فيقول عنها الرب:

{أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (21)}

ترى؛ لماذا إتخذ البعض آلهةً من دون الله سبحانه وإعتبروها شركاء للرب ؟

لأنهم أرادوا التهرب من المسؤولية أيضاً، فزعموا أن الشركاء – المزعومين- يخلصونهم من حساب الرب وعذابه، ولكن الرب يؤكد أن الجميع عبيد الله سبحانه.

وبالتأمل في التعبير القرآني نفهم أن لا تناقض أو تعارض في المقام العلوي، فليس لجبرئيل أن يعصي أمر الرب أو يمنع النبي إرادته الخالق، قال الله:

{ لَوْ كانَ فيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (22)}

ما قالته المجوس من وجود إلهين إثنين أحدهما للخير والآخر للشر واضح البطلان، وكذا ما ذهب إليه اليهود من العداوة لجبرئيل –بإعتباره المكلف بعذابهم- ، لأن جبرئيل عليه السلام خاضعٌ لإرادة الله سبحانه فلا يخرج عنها أبداً.

ومن هنا يتضح أن كل الأنبياء والأوصياء وحتى العلماء الخلص لا يتناقضون فيما بينهم، لأنهم يمثلون خطاً واحداً هو خط الله سبحانه، نعم قد يكون بين العلماء فرقاً في بعض التفاصيل ولكن لا يرقى إلى الإختلاف في أصل الدين.

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة المؤمنون: الآية 71

[2] سورة ال عمران: الآية 191