تدبرات في سورة (الأنبياء) شهر جمادي الثاني / 1439 هـ – (الدرس الخامس عشر)

12/04/2018 نشر في: المحاضرات والدروس، تقريرات التدبر في القرآن، سورة الأنبياء

بسم الله الرحمن الرحيم

{ وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحيإِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ (25) وَ قالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ (26) لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْديهِمْ وَ ما خَلْفَهُمْ وَ لا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضىوَ هُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (28)}

كلما إرتفع الإنسان إلى مستوى القيم هوى إلى التراب الذي خلق منه، نحو قاع الذاتيات، إذ يعيش الإنسان في موقفٍ حرج، فمن جهة يتبع أصله حيث حفنة من التراب، فيقدس التراب وما يخرج منه ويقدس الذاتيات والماديات، ومن جهة أخرى تدفعه روحه المتعالية لتقديس القيم، فلا يسأل حينئذٍ بالماديات والعصبيات بل عن الصلاح والصدق والإحسان، أي القيم.

قناعة الناس بالقيم ليس أمراً هيناً، فيجب أن تتكامل نفوسهم، حتى الكملّين من البشر لا يبقون دوماً في مستوى واحد من تقديس القيم لأنهم قد يزلون إلى حيث تقديس الذاتيات والعنصريات والإثنيات وكل ما يرتبط بالتراب.

ونحن –كبشر- ذاتنا ظلامية، فذاتنا العجز والجهل والمحدودية، وما ورد على هذه الذات من الوجود والإرادة والعقل فمن نور الله سبحانه وبأمره، وكلما قدسنا الذات إبتعدنا عن الله سبحانه، وبالعكس أيضاً كلما إهتمننا بالقيم إزددنا قرباً إلى الله سبحانه، وهنا الحراجة بين الذات والقيم.

حين تحدث البشر عن الأنبياء والملائكة صوروا كمالاتهم بأنها أمور ذاتية لهم، والحال أنهم عبادٌ مكرمون فبالرغم من كمالاتهم يبقون عبيداً لله ولا يخرجون عن أمره وإرادته، وحين نسب الإنسان الكمالات لشخص النبي أو الملك – حين قال أن الملائكة بنات الله- تورط في الذاتيات وتسافل نحوها، قال الله سبحانه: { { وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحيإِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ (25) }

وهنا كلمتان ينبغي التأمل فيها:

الأولى: ” نوحي إليه” فالوحي على النبي يدل على أنه ليس عبداً لله فحسب، بل يحمل راية العبودية إلى الآخرين، ليرفع الناس إلى مستوى العبودية لله سبحانه.

الثانية: ” الإله” فماذا يعني الإله؟

قالوا معناه الذي يتحير فيه الناس، ولكن الأقرب أن معنى “الإله” الذي يؤله إليه حين الحيرة والإنقطاع من كل الأسباب الأخرى، فلا يتأله الإ إلى الله سبحانه، إلا أن الإنسان قد يخطئ الطريق فيرجع إلى غير الله محاولاً أن يستمد الخلاص فلا يجده، وحتى المؤمن حين يتوسل بأولياء الله فإنه يعلم أنهم سبيلٌ إلى الله حيث يدعون الله ليقضي الحاجة، فالشفاعة تعني الدعاء والإستغفار لا الحكم بعيداً عن أمر الله سبحانه، كما أن الرسول والولي لا يشفع بدون إذن الله سبحانه، بل ولا نفع بالشفاعة بدون إذن الله سبحانه؛ قال تعالى: { ْإِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُم‏}[1].

{وَ قالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ (26) }

هل هذه الكلمة مرتبط بالملائكة ام الأنبياء؟

يبدو أنها ترتبط بالأنبياء لأن الكفار كانوا يعتبرون الملائكة بنات الله، ولذا إعتبروا الأنبياء أبناء الله، ولكن الحق أن العلاقة بين النبي وربه هي علاقة العبودية أيضاً، وقربهم كان بسبب المزيد من طاعتهم لله سبحانه، فكلما كانت عظمة الله تتجلى في قلوبهم أكثر كانوا يزدادون إلى الله قرباً، فإعطتهم العبودية كرامةً ومنزلة.

{لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27) }

تتجلى عبودية الله في قلوبهم فلا يسبقونه بالقول، إذ لا يحق للنبي أن يشرّع حكماً، بل هو مفوّضٌ في حدود تشريع الله سبحانه، وقد نهى الله سبحانه نبيه الكريم صلى الله عليه وآله بأن يعجل بالقرآن بعد أن كان قد أوحي إليه القرآن دفعةً واحدة، فقال سبحانه: { وَ لا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى‏ إِلَيْكَ وَحْيُه‏}[2].

وقد عاتب الله سبحانه نبيه داوود عليه السلام حين تسّرع في إصدار الحكم، بالرغم من صحته.

ومن هذا نستفيد معرفةً بالفقيه حقاً، حيث لا يتسرع في إصدار الفتوى، بخلاف من يفتي دون تأملٍ ومراجعةٍ للنصوص الشرعية وكأنه هو المشرّع في الدين.

{يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْديهِمْ وَ ما خَلْفَهُمْ وَ لا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضىوَ هُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (28)}

قول الأنبياء قول الله وفعلهم بأمره، لأنهم لا يملكون قوةً ذاتيةً من أنفسهم بل يخافون الله لأنه محيطٌ بهم، كما أنهم لا يملكون الشفاعة من دون إذنه سبحانه؛ فلا يتصورنّ أحدٌ أنه يستطيع الهرب من الله إلى أولياءه.

لمن الشفاعة؟

وقال بعض المفسرين في ذيل هذه الآية أن الأنبياء لا يشفعون لأن الكبائر، ولكن الحال أن كل ذنبٍ كبيرة إلا ما كان لمماً، وقد يغفر الله ويعفو عن أهل الكبائر إن تابوا توبةً نصوحة، كما يمكن أن يتعذب أهل الصغائر بها مع عدم توبتهم وإصرارهم عليها.

فالتوبة الحقيقية ترضي الرب سبحانه، وحين تتوب إلى الله يشفع لك النبي والأولياء – بإذن الله سبحانه-.

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة التوبة: الآية 80

[2] سورة طه: الآية 114