تدبرات في سورة (الأنبياء) شهر رجب الخير / 1439 هـ – (الدرس السابع عشر)

12/04/2018 نشر في: المحاضرات والدروس، تقريرات التدبر في القرآن، سورة الأنبياء

بسم الله الرحمن الرحيم

{أَ وَ لَمْ يَرَ الَّذينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَ فَلا يُؤْمِنُونَ (30) وَ جَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَميدَ بِهِمْ وَ جَعَلْنا فيها فِجاجاً سُبُلاً لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (31) وَ جَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَ هُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ (32)}

 

إذا دخلت داراً فوجدت التنسيق الكامل يحكم أثاثه، فكل شيء وضع في محله فأولى الملاحظات التي تسبق إلى ذهنك هي أن عليك أن تستخدم كل شيء وفق ما عيّن له فلا تستعمل غرفة المعيشة للطبخ ولا موضع النوم لإستقبال الضيوف لأنه لا يتناسب والتنسيق الموجود.

والأمر كذلك مع العالم من حولنا، حيث نرى كل شيء قد نظّم بدقة وله هدفٌ وصنع لغاية في حدود مقدّرة بدقة تامة، فنعرف ضرورة أن لا نخالف القواعد والأنظمة الكونية، على أن مخالفة الأعراف في منزلٍ واحد قد يستحق بها المرء مجرد اللوم، بينما المخالفة في الطبيعة ربما تكون مهلكة.

ولعل السبب في بيان القرآن الكريم لدقيق أنظمة الكون، لكي يلتزم الواحد منا بحدوده ويقوم بما عليه من فرائض وواجبات.

 

لكيلا نتسافل معرفياً

تؤكد الدراسات الحديثة اليوم على تراجع المستوى العام للعقل البشري، حيث كان الناس يستوعبون الحقائق بشكل أفضل سابقاً، حتى أن البدوي في الصحراء كان يستنتج حقائق دقيقة من ملاحظته لآثار حركة الناقة مثلاً.

وهكذا على المؤمن أن يلتفت بأن لا يكون ضحل التفكير وبليد المشاعر، بل لابد أن يمعن النظر في ما حوله من آيات لكيلا تخدعه أدوات الضلال وأبواق الشيطان التي تسحب زرافات تلو زرافات من البشر نحو الهاوية بعد أن تستخف بعقولهم، وكما قال الله سبحانه عن فرعون وقومه: { فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقين‏}[1].

ونستفيد هذه البصيرة الهامة من الربط بين تعبيرين وردا في سياق هذه الآيات، الآول قوله سبحانه { أولم ير الذين كفروا} الذي يدل على الرؤية المباشرة، والتعبير الثاني هو قوله سبحانه في الآية الثانية والثلاثين: { وَ هُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ }، والذي يعني القرار المسبق بعدم الرؤية والإستفادة، فتارةً لا يبصر الإنسان الأمور بسبب بعدها أو خللٍ في بصره، وتارة لا يريد أن يبصرها، وهو المعرض، وبالجمع بين التعبيرين نستفيد أن الآيات واضحة ومبصرة ولكن الإنسان لا يريد أن يلتفت إليها لإهتمامه بأمور آخرى ثانوية، ككيفية كسب لقمة العيش والتنزه في الدنيا، وهذا يسبب تسافل الإنسان معرفياً.

رتقاً ففتقناهما

{أَ وَ لَمْ يَرَ الَّذينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَ فَلا يُؤْمِنُونَ (30) }

التفسير المعقول لهذه الآية، والذي وردت فيه نصوص عن الأئمة عليهم السلام هو أن السماء كانت رتقاً لا تنزل المطر، والأرض رتقاً لا تخرج نباتاً، ففتقل الله السماء بهطول المطر والأرض بخروج النبات، وبالرغم من صحة هذا التفسير إلا أنه من الخطأ الجمود عليه، وذلك لأن السياق ليس عن الأمطار فقط بل الحديث عن قضية أكبر وهو ما يستفاد من الآية التالية.

إلا أن مشكلة البشر أنه يريد الجمود على صغائر الأمور، دون أن يرتقي بمستوى تفكيره إلى عظيم الحقائق، كما ذلك الرجل الذي راح يسأل أمير المؤمنين عن عدد شعيراته لحيته بدل أن يسأله عن طرق السماوات والأرض، ويكون مثل الإنسان كمثل من يعطى مفتاحاً لكنز فبدل أن يستفيد من الكنز يتشبث بالمفتاح، فالقرآن يدعو الإنسان الى الإنطلاق في رحاب الحياة ليستفيد الحقائق منه ولكنه يترك ذلك.

ومن هنا ربما تشير الآية إلى نظرية الإنفجار الكبير –لا كما زعمها البشر- بل كما بينها الأئمة الطاهرون عليهم السلام حيث في الروايات دلالة تفصيلية على كيفية خلق الله للكون من الماء.

فهناك تقارب بين ما ينّظر له البشر وبين ما دلت النصوص الشريفة عليه، ولكن بعيداً عن هذا التقارب على الإنسان أن يقوم بنفسه بالتأمل في خلق الله سبحانه، فينظر إلى الجبال وعظمتها وكيف جعلها الله سبحانه رواسي ودروع للأرض تمتد في أعماق الأرض إلى مسافات بعيدة، وتجري تحتها مياه من مناطق إلى أخرى كالأنهار فوق الأرض.

فالجبال تحمي الأرض من الزلازل المتكررة بسبب الأبخرة في جوفها، كما أنها تحمي ظاهر الأرض من الرياح العاتية وتحوي في باطنها المعادن المختلفة، وكل ذلك آياتٌ على قدرة الله سبحانه:

{وَ جَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَميدَ بِهِمْ وَ جَعَلْنا فيها فِجاجاً سُبُلاً لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (31)}

كما للفلك مرساةٌ لتثبتها وتمنعها من الحركة، كذا الجبال رواسي للأرض، ولم يجعلها الله سبحانه كجدارٍ عالٍ بل جعل بينها فجاجاً لتكون سبلاً للناس ليهتدون، إلى منافعهم في الدنيا عبر التحرك من خلالها، وإلى ربهم الذي جعل لهم هذه الأرض لمصلحتهم.

 

{ وَ جَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَ هُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ (32)}

اما السماء فسقفٌ مرفوعٌ محفوظ، يحفظ البشرية من ألوان النيازك والأخطار، واليوم صار حديث العالم عن الإحتباس الحراري وما ينتجه من أخطار للبشرية، حيث خرق جزءٌ بسيطٌ منه بسبب ما كسبت أيدي الناس بما سبب من أضرار كبيرة على الطبيعة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة الزخرف: الآية 54