تدبرات في سورة (الأنبياء) شهر رجب الخير / 1439 هـ – (الدرس الثامن عشر)

12/04/2018 نشر في: المحاضرات والدروس، تقريرات التدبر في القرآن، سورة الأنبياء

بسم الله الرحمن الرحيم

{ وَ ما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَ فَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ (34)كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَ نَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَ الْخَيْرِ فِتْنَةً وَ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ (35)وَ إِذا رَآكَ الَّذينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَ هذَا الَّذي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَ هُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ (36)}

 

من أعقد المشاكل التي يبتلى بها البشر حالة الخلط بين القيم المتصلة بعقله وروحه والتي تستمد قوتها من ربه ورسالاته، وبين الحقائق المادية، فيتصور بأن النبي –أي نبيٍ- أو أي وصيٍ أو عالمٍ يجب أن يتمتع بالإمكانات المادية كالمال الوفير والجاه العريض والقوة الجسدية الهائلة كي يكون على الحق.

النبي والوصي والداعية إلى الله، يهدف تذكير الإنسان بربه، وهو متكاملٌ من هذه الجهة، أما الجهات الأخرى فلا شأن لها بهدفه، بل هو بشرٌ كسائر البشر يبتلى بالمرض والضعف الجسدي والهزيمة في الحرب، ويبتلى بالقتل بأبشع الطرق، وهذا كله لا يعني بطلان رسالته ودعوته، لأن الرسالة من مقولةٍ أخرى، إلا أن البشر يخلط بين الأمرين دوماً، فيتصور أن العالم إن لم يكن غنياً أو صاحب حزبٍ وسلطة، فهو ليس بعالم، وتحجبه هذه الرؤية عن الإنتفاع بعلمه.

بلى؛ لقد قطعت البشرية شوطاً في هذا المجال، حيث صارت تقدّر العالم لعلمه لا لشيءٍ آخر مثلاً، ولكنه تبقى في منتصف الطريق، وطالما أكدت النصوص الشريفة على أن قيمة الأنبياء ليست في المال والكنز والجسد، بل قيمتهم الأساسية في ربط الإنسان بربه، وإلا فهم بشرٌ كسائر البشر.

{ وَ ما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ}

لم يكتب الله سبحانه الخلود في الدنيا لبشرٍ قط.

{ أَ فَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ (34)}

فهل يبقى –يا رسول الله – أحدٌ غيرك إن مت أنت؟

كلا؛ فلا خلود للبشر في دار الدنيا، والنبي بشرٌ أيضاً.

{كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ }

بالرغم من أن السياق القرآني عن الأنبياء، ولكن مفاهيم الكتاب لا يحددها السياق، فالمورد لا يخصص، ومن هنا فكل نفسٍ ذائقة الموت، ولكن لماذا التعبير بـ” النفس”، دون غيره من تعبيرات كالجسد أو الإنسان؟

لكل كلمة معنى مشترك مع مترادفاتها وضلال خاص بها، ويبدو أن النفس في لغة القرآن مغايرة للروح، وهي الجانب المادي للبشر، أو الجانب الأعم من المادة والمعنى؛ قال الله سبحانه: { وَ نَفْسٍ وَ ما سَوَّاها *  فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَ تَقْواها}[1]، ومادامت النفس متصلة بالمادة ( الجسم) فهي تذوق الموت، والتذوق يعني تلمسها والتألم منه.

وقد إستفاد البعض من هذه الكلمة أن الشهداء الذين هم أحياءٌ عند ربهم، هم أيضاً يموتون لأنهم نفوسٌ أيضاً.

{وَ نَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَ الْخَيْرِ فِتْنَةً وَ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ (35)}

الشر شرٌ والخير خير، ولا يصح المزج بينهما، نعم الشر الذي يؤدي إلى الخير حسنٌ، ولكنه يبقى شراً أيضاً في حينه، والإبتلاء بهما يكون من أجل إظهار حقيقة الإنسان، فالإبتلاء يعني لغةً إظهار الشيء بعد خفائه، والفتنة هي الأخرى تفيد قريباً من معنى الإبتلاء، حيث تعني إظهار جوهر الشيء، فإفتان الذهب يعني تعريضه للنار لأخراج الذهب المصفى من شوائبه.

ومعنى ذلك وجوب تكامل الإنسان في الدنيا، حيث جيء به إليها لهذا السبب، أي لكي يبتلى بالشر والخير فتظهر خفايا وخبايا نفسه، ومن ثم تعالج وتفتتن كي يتهيأ لدخول الجنة.

فالله خلق البشر ولكن جعل أمامه فرص للتقدم درجةً فدرجة عبر معراجٍ إلهي، للوصول إلى الله سبحانه.

ومن هنا، فلا هرب من الفتنة أولاً، وثانياً: للفتنة جوانب إيجابية حيث يظهر عبرها مشاكل الإنسان، كما المريض يفحص جسده بمختلف التحاليل لتشخيص امراض بدنه، وبالفتنة تظهر بعض خصائص الذات، وبعضها قد تكون بسبب الظروف كالتربية والشهوات، ولكن بعض الخصائص هي بسبب طبيعة الإنسان وضعفه وجهالته، وهذه السلبيات أعظم مما ساقتها الظروف إلى الإنسان والتخلص منها أهم.

فالحسد والكبر ذاتيان للإنسان بسبب جهله، والإنسان بحاجة إلى المزيد من الجهد للتخلص منهما.

{وَ إِذا رَآكَ الَّذينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً}

وفي نفس السياق حديثٌ عن إستهانة الكافرين بالنبي الأكرم صلى الله عليه وآله، وربما كان إستهزائهم بسبب الصورة الخاطئة عن انبياء الله من حيث المال والجسم، ولما رأوا النبي صلى الله عليه وآله على غير تلك الصورة الذهنية، صاروا يستهزئون به.

{ أَ هذَا الَّذي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَ هُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ (36)}

لم يبين القرآن الكريم متعلق ذكر الآلهة هنا، هل هو ذكرٌ بسوء أو غيره، وكأن هؤلاء أنكروا على النبي أصل ذكره للآلهة فضلاً عن الإسائة إليها، والحال أنهم يذكرون الرحمن ويكفرون به.

التواضع لله

والصورة الخاطئة التي كانت في أذهان الكافرين محاها النبي الأكرم صلى الله عليه وآله بأفعاله وسلوكياته، فلم يكن النبي يحتاج إلى التكبر والتجبر ليكون عظيماً، بل كان عظيماً وهو متواضعٌ لله سبحانه، ففي يوم الفتح دخل مكة وهو متواضعٌ لله سبحانه.

ومن هنا، على الدعاة إلى الله سبحانه أن يربوا أنفسهم على التواضع، إذ يجب أن تظهر جوهر العبودية في أفعال الداعية إلى الله سبحانه، ولا يهمه في ذلك من يحبذ الختل والتفاخر، بل يهمه إجتذاب القلوب الطيبة التي تبحث عن العالم الذي يذكرهم بالله رؤيته.

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة الشمس: الآية 7-8