حين تُهدم القيم تنهار الأمم.. مشكلة الأمة مع القرآن

19/04/2018 نشر في: المحاضرات الأسبوعية، المکتبة الصوتية، محاضرات عام 2018

كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الخميس 02/شهر شعبان /1439هـ الموافق 2018/04/19م في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين.

حين تُهدم القيم تنهار الأمم.. مشكلة الأمة مع القرآن

 

بسم الله الرحمن الرحيم 

” وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ (84) ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ  (86) “.

صدق الله العلي العظيم

(سورة البقرة ( 84 ــ 86 )

أسس وقواعد بناء الأمة

حينما تريد ان تأسس بيتاً ، تسوي الارض، تضع الأسس والاعمدة، ثم الجدران  فالسقف، ثم تضع النوافذ والابواب ، ثم تمد كل الوسائل الضرورية من ماء وكهرباء ومجاري ، ثم تصبغ البيت وتؤثثه، ومن بعد تسكن فيه بعد اتمام كل تلك المراحل من الانشاء والبناء .

وكذلك حينما تريد أن تبني امة،  فهي في البدء بحاجة الى اسس وقواعد راسخه،الى اعمدة قوية، (( رجال صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّـهَ عَلَيْهِ  فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ))، بحاجة الى رجال يدافعون عن الحق  ((إنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ )). ثم انت بحاجة ان تبين الواجبات والمحرمات، الاداب، المندوبات والمكروهات ، وشيئا فشيئا ـ وكما يبنى ويتأسس البيت ـ تتأسس وتبنى وتقوم الأمة .

 

اصلاح بناء الأمة لمنع انهيارها

وبمرور عقود من الزمن، وربما اقل او اكثر، فأن البيت الذي تسكنه، يكون بحاجة الى مراقبة واصلاح وترميم لما قد يصيبه من ضعف وتلف وشروخ  واضرار، في اسسه او جدرانه او سقفه، فمجرد كسر او تلف في بعض جوانبه او في شبكة الخدمات التي اسست فيه ، كأنابيب المياه على سبيل المثال ، اذا لم تقوم بتداركها واصلاحها، فأنها ستؤثر بالتالي على بناء واسس المنزل وقد تؤدي في النهاية الى انهياره اذا لم يتم اصلاحها بالوقت المطلوب. وهكذا ايضا بنيان الأمة، يحتاج الى ترميم واصلاح، فكلما ضعفت من جهة ، لابد ان يقوم الامناء الاشداء بالتصدي ويصلحوا ويحملوا راية التغيير والاصلاح، ومواجهة التحديات.

فكما أن البيت الذي يُهمل لفترة طويلة ولايُرمم وتُصلح عيوبه ولاتجري له عمليات صيانة وادامة وتجديد يكون مصيره الهدم او الانهيار، هكذا يكون مصير الأمة ايضا   اذا فُقد المصلحون فيها ، وطغى فيها الحكام وظلموا ولم يُنكر عليهم احد، وتفشى فيها الفساد والاستئثار والطبقية، ومجاميع المهمشين والمحرومين والطبقات الهشة، ولم يفكر احد في مواجهة ذلك وعلاجه، وازدادت مع الزمن الذنوب واحاطت الخطيئات بهذه الامة، فإنها تنهار شيئا فشيأ ، واذا بتلك الامة  التي لا تغيب عنها الشمس تصبح امة ضعيفة ومستضعفة، يُتهافت عليها من الغرب والشرق،  وكما ورد في الاحاديث عن  رسولنا الاكرم (ص) ومنها قوله: “يوشك ان تتداعى عليكم الامم كتداعي الاكلة على قصعتها, فقيل يارسول الله اومن قلة فينا؟! قال” لا، بل انتم يومئذ كثير ولكن من حبكم الدنيا وكراهيتكم الآخرة”. وفي حديث :” قالوا: أومن قلة نحن يومئذ يا رسول الله!؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء، كغثاء السيل”.

هكذا اصبحت أمة متفرقة ممزقة ومرمى ولقمة للطامعين ، وفي كل يوم يثيرون الخلافات بين ابنائها وبلدانها ويريدون تقسيما مزيدا وجديدا لها  ، فاصبحت مركزا للخلافات والصراعات والتحديات، ثم بعد كل ذلك يضربون الامة بعضها ببعض، ليقتل بعضها بعضا ، وببرود اعصاب تصدر فتاوى شيطانية من اشباه العلماء وكهنة السلاطين  بالذبح والقتل، وقد رأينا في العراق وغيره من هذه الامور ما يشيب منها الاطفال .

حين تهدم القيم تنهار الأمم

ترى ماهي العلة الحقيقة لهذا ؟ لماذا الامر بالمعروف ، النهي عن المنكر، التواصي بالحق والصبر ، الاحسان و التعاون والتشاور، وغيرها ، كل هذه القيم اللهية و الاعمدة الي كانت تقيم هذا البناء ، وهذا السقف العالي  للامة، انهارت، فأدى ذلك لضياع وتيه الأمة ؟!.

قبل الاجابة عن السؤال، اشير هنا الى ما يطرحه احد المسؤلين الامريكان الكبار السابقين( رئيس جهاز الـ FBI)، في كتاب له كتبه وصدر مؤخرا حول عهد وادارة الرئيس الحالي دونالد ترامب، وملخص الكتاب يدور حول فكرة معينة وخطيرة، وهي أن هذا الرئيس يقوم الأن  يهز قيم الامة الامريكية، فهو لايقول مثلا أنه يسرف او يقتل وماشابه ، بل يقول أن قيم الامة الامريكية والتي قامت عليها ، تنهار، كقيمة الديمقراطية و الحرية و الصدق ، والحلف واليمين ، فهذا الرئيس يقوم بهدم هذه القيم ، وبكلمة اخرى أنه يهدم الأمة .

إن البنيان والجدران المادية لوحدها لاتجمع الناس،  انما  تجمعهم القيم  الفاضلة في الامة ..ونحن كأمة اسلامية، كم نرى في اوضاعنا ماهو محزن ومخجل وما  هو مدعاة لأن يبكي منه الانسان دما.. وأخر مثل لما وصلنا اليه هي ماتسمى بالقمة العربية التي عقدت مؤخرا في مدينة الظهران بالسعودية، ولبس في العاصمة الرياض وهذا اشارة لأمر معين عند المراقبين.

وكالعادة، اجتمعوا وتكلموا كثيرا، ثم تفرقوا، فعلى ما اتفقوا؟ وأي حلول ومعالجات قدموا لمشاكل الامة ؟. هم قالوا أن الدول الاقليمية تطمع فينا نحن العرب، ويعنون بذلك ايران وتركيا. إذن ماذا عن الكيان الصهيوني؟ الا يطمع بكم؟ واين ذهبتم بالقدس وماذا فعلتم بعروس عروبتكم ؟ ألم يقتطع جزء منكم وسمي بجنوب السودان؟، اين اصبحت كشمير؟ واين وكيف وماذا عن اماكن وقضايا اخرى عديدة؟. ماهذا التفكير الضيق، الضحل؟،ماهذه العدوات الوهمية والازمات التي تفتعلونها بينكم؟.

عقدوا قمتهم، جلسوا وتكلموا وفي النهاية المعهودة منم قاموا وخرجوا وعادوا كما كانوا ، لقد تابعت كلماتهم واذا بأحدهم يقول ــ وكأنه يكتشف سرا ويعترف به ــ  أن وضع الامة سيىء.

الأمّة مريضة.. فاين العلة وماهو العلاج ؟

لماذا ؟  اليس فينا رجل رشيد يقول ماهو السبب وأين هي العلة ؟!.. أوليس احدنا اذا اصابه مرض او علة ما، حتى لو كان صداعا في رأسه او ألما في معدته او اي عضو من جسده،  يذهب الى الطبيب المختص ؟ ، الا يقول له الطبيب علته او مرضه من خلال الاعراض التي يشخصها ؟ كأن يكون  السبب فيروسا ما ويجب أن  يعالج ويقضى عليه بإعطاء المصاب مضادات او اي دواء آخر يلتزم بأخذه خلال فترة محددة، فتزول تلك الاعراض ويتم الشفاء لإن العلة اكتشفت ، اما اذا لم يعرف المريض العلة، او لم يراجع طبيبا، او لم يشخص هذا الطبيب ايضا العلة بصورة صحيحة ، فلن تتم معالجة المريض ولن يشفى، بل يزداد المرض ويستفحل وقد لايمكن علاجه بعد ذلك. وهكذا إذن ــ على مستوى الأمة ــ يجب أن نسأل: اين تكمن العلة ؟.

 

أمّة هجرت كتابها

إن علّة الأمة هي هذا الحجاب المستور الذي  صار بيننا وبين كتاب الله سبحانه،  فقد حُجبنا عن كتاب ربنا تعالى ، ومن احد مشاهد يوم القيامة أن هذه الأمة تؤخذ وتُحاسب بهذا القرآن الذي يرفعه النبي (ص) وينادي: ” يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا ” فيكون هو (ص) والقرأن شاهدا على أن الامة تركت كتابها، ليس لأنهم لم يكونوا يقرؤون ويكتبون، او انهم عربا والقرآن ليس بلغة عربية ، وليس لأن كلماته غامضة  وكلها الغازا، فهو  بلسان عربي مبين.

إن مشكلتهم وعلتهم هي  أنهم تركوا وهجروا القرأن ، هي الحالة النفسية المتناقضة لديهم حيث اصبحوا يقرئونه ولكنهم لايلتزمون بأوامره ونواهيه، بل ياخذون منه مايعجبهم ويتركون مالايوافق اهوائهم ويريدون من هذا القرآن  أن يغطي ويبرر تناقضهم  و مشاكلهم وذنوبهم، فهذا او ذاك لايريد ــ على سبيل المثال ــ قرآنا يحرم عليه الربا!.

قيل في حكاية تروى أن احدهم مات وكان قد اوصى ان تعالوا واقرءؤا  على قبري القرأن، وقد كان ذلك، فإذا به يأتي بالمنام الى احد اولاده ويطلب منه أن يتركوا العمل بتلك الوصية ويوقفوا الشخص الذي استاجروه لقراءة القرآن على قبره، لإنه كلما قرء آية من القرآن تتم معاقبته وحين يسال لماذا؟ يقال له لأن القران يقول :” ولا تأكلوا الربا” فلماذا كنت تأكل الربا ؟.

لقد جاء في الحديث :” رب تالٍ للقرأن والقرأن يلعنه”، فلنحذر دائما وكثيرا ونعوذ ونستجير بالله تعالى أن يكون شفعائنا هم خصومنا يوم القيامة ! فهذه مشكلة خطيرة ، فلا فائدة ولاشفاعة لنا من القرآن اذا كان هو خصمنا يوم القيامة ، وهكذا بالنسبة للنبي (ص) واهل بيته (ع) .

مشكلة الأمة مع القرآن

إن مشكلة الأمة مع القرآن هي  أن  ما وافق اهوائهم اخذوا به ، وما لم يوافق اهوائهم لم يأخذوا به، وكمثل المريض والطبيب الذي يعطيه ادوية ــ تكون اغلبها مرّة ــ لعلاجه، فإنه لن يشفى ويصح إذا كان أخذه للدواء بحسب اهوائه ، ياخذ منها مايعجبه  ويترك مالا يعجبه ولايستسيغه!

 

الأمّة بقيمها وحفظ ميثاقها

إذن، وبالعودة الى الايات الكريمة التي افتتحنا بها الحديث، فإن بنوا اسرائيل أمة قامت ضمن عنصر معين، فهم اولاد يعقوب (ع) ، و الامة هذه كانت بنيت البدء على يد ابراهيم واسحاق ثم يعقوب ويوسف  (ع)، لكنها انحرفت، ثم جاء  موسى بن عمران واخوه هارون (ع) و بنوا الامة ايضا، وقد جاء الحديث كثيرا عن بني اسرائيل في القرآن، وفي الاحاديث الشريفة، لأن تلك الأمة عبرة لنا، كيف انها انحرفت رغم أن الله تعالى فضلهم على العالمين، فلما انحرفوا تبدلت كل  الموازين والمعادلات لديهم، واذا بهم صاروا اذلاء مهزومين ، وتلك الامة التي  نصرها الله تعالى على اعدائهم، فرعون وجنده ، وفلق لهم البحر و أنزل عليهم المن والسلوى ، اصبحوا تائهين مشتتين في الارض ، لا تقوم لهم قائمة الا بحبل من الله وحبل من الناس، كما جاء في القران الكريم ، وهذه الايات نزلت فيهم ، ولكنها ايضا نزلت فينا وتنطبق علينا حين دب فينا الضعف والتمزق، فتأتي الايات لتذكرنا بميثاق الأمة، حيث يقول ربنا تعالى: ((وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ)) .

الأمّة  تصبح أمّة ، حينما يحترم احدها الاخر ،حينما تكون دمائهم محرمة عليهم ، حينما تحفظ الكرامة فيهم وتكون للجميع ، فالله سبحانه اخذ هذا الميثاق على بني اسرائيل وعلينا وسائر الأمم، ومحور هذا الميثاق امران مهمان هما : الارض او الوطن ، وحرمة الدم .

((ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ)). وكيف  يقتلون انفسهم؟! ذلك أنهم دخلوا في صراعات داخلية فيما بينهم ، وماذا عنا نحن؟، هل قليلة هي  صراعاتنا الداخلية؟!، تصوروا وفكروا مثلا اننا  وخلال 10 سنوات فقط، كم من مسلم قتل بيد كافر وكم من مسلم قتل بيد مسلم اخر؟!. ولايزالون  ان تستمر هذه  الصراعات و الحروب .

((وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ))، الطرد والتهجير من الديار بدوافع واسباب وتبريرات واهواء شيطانية، كأن يقال أنتم لستم منّا، لستم من منطقتنا او عشيرتنا او عنصرنا او عائلتنا او طائفتنا او ديننا.

(( تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ))، بعظكم يدعم بعظا قي مواجهة الاخرين وفي مواجهة بعضكم بعضا،  بالباطل ومن دون وجه حق ، القرأن يقول ويأمر: (( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان ))، فيما هم  بالعكس من ذلك يتعاونون على الأثم والعدوان. ((وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ)).  هولاء ــ على سبيل المثال ــ تعتبرونهم أمام العدو عربا ، ولكن كيف حينما يكون الامر والصراع فيما بينكم ؟ احدكم يقتل الأخر !؟.

القيم كلها والكتاب كله وإلاّ.. فالخزي والعذاب

بعد هذا يأتي الحديث عن اصل ولب المشكلة ، والمحور الاساسي في الايات الكريمة، وهو هذه الكلمات العظيمة : ((أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ)) ؟!.

الامة الاسلامية لاتقوم بقيمة واحدة من القيم، لاتقوم بعمود واحد، بل بجميع وسائر اعمدة القيم الراسخة التي قامت وبنيت عليها اول مرة، بالقرآن كله وقيمه كلها، وليس اخذ بعضها وترك الأخر، فإن جزاء ماهو (إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) وهذا ماهو حادث، اليس من الخزي مانراه ونسمعه من الغرب وامريكا خاصة، وهم يرددون يوميا أنهم لايريدون ــ بل وسيمنعون ــ أن يأتي اليهم لاجئين او مهاجرين  من ايران او العراق او الصومال او غيرها من الدول الاسلامية، قسم منهم يمشي ليلا ونهارا، وقسم يركبون البحر، و منهم من يغرقون ويموتون ، يرحلون الى هناك لكي يجدوا عملا او امنا.

ماذا اصاب هذه الأمة وبلدانها  وشعوبها؟  لماذا لاتبنى هذه البلدان وتأمن وتتقدم شعوبها؟ ، اليس هذا خزي ؟، كيف ولماذا نكون تابعين، ويضعنا الاخرون يوميا  في حصار، وحتى  وانت تدفع المال والثمن يقولون لن نبيعكم الشيء الفلاني، بل وفي احيانا كثيرة يمنعون عنك كل شيء.  لماذا صرنا اذلاء؟، اليس هذا من الخزي في الحياة الدنيا؟ ، وماذا عن الآخرة ايضا؟ هل نحن مؤمنين فعلا ولذلك سيكون وضعنا جيدا في الآخرة؟.

ربنا في القرآن الكريم يقول : كلا ، ((وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ))، انكون محرومين في الدنيا، وفي الاخرة ايضا؟، بلى ، وذلك لأنكم خالفتم كتاب الله سبحانه وسننه ، والله سبحانه متكبر متعال، ومن يخالف اوامره يقصمه ((وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ)) .

لماذا هذا الخزي و العذاب والحرمان؟ . القرآن يقول لنا لإنكم توجهتم الى الدنيا واخلدتم اليها  ((أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ)) باعوا الاخرة واشتروا الدنيا، فخسروا الاخرة ، و لا هم حصلوا على الدنيا ((فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ)) ـ أليس  هذا واقعنا؟!.

إبعاد القرآن واستبداله بعصبيات وثقافة دخيلة

ترى لماذا وقعنا في هذه المشكلة الخطيرة، وهي ترك وهجر القرآن الكريم؟.

في بداية الاسلام وعصره الاول كان القرآن لايقرء ويتلى فقط بل كان محورا اساسيا للامة، صحيح أن انحرافات وقعت في الأمة، ولكنها بقيت تتحدى هذه الانحرافات بطريقة و اخرى ، لكن وبمرور الوقت بدء القرآن وتاثيره والاهتمام به وقيمه وإتباعه، يحسر، ومن جملة الاعمال الفاسدة التي قام بها بني امية ، هذه الشجرة الملعونه، ابعاد الأمة عن القرآن، عبر طرق ووسائل عدة منها ايجاد صراعات تفاخر وهجاء وتباري بالشعر بين القبائل، بين مظر وربيعة ، بين نمير وكلاب ، بين هذه القبيلة وتلك، ، وأتوا بالشعراء واغدقوا عليهم، واثاروا الخلافات والصراعات السخيفة، ومظهر ومثال ذلك ما كان بين جرير والفرزدق، حيث يقول :اؤلئك ابائي فجئني بمثلهم/ اذا جمعتنا يا جرير المجامعُ.  وذاك يقول: فغض الطرف انك من نميرٍ/ فلا كعبا بلغت ولا كلابا.  وهكذا اشعار كانت  تدوي وتنتشر، والناس كانوا قريبي العهد من الجاهلية واشعارها وثقافتها لاتزال في حافظة الكثيرين منهم.

واذا يهم يجعلون الناس بدلا من قراءة القرآن والتدبر فيه  وسماع احاديث النبي(ص) والتدبر فيها، يتحدثون ويسمعون الاشعار وينشغلون بها ، واججوا الخلافات بين القبائل ، وبين المسلمين من العرب وغير العرب الذين اسموهم بالموالي .

لقد اهتم الائمة عليهم الصلاة والسلام بالقرأن والاحاديث الشريفة الصحيحة اهتماما كبيرا، وكونوا طائفة من الناس مؤمنة وصالحه كانت دائما هي الشاهدة على سائر الناس، ولكن  بمرور الزمن، ومع ماتعرض له الائمة واتباعهم وتلاميذهم من اضطهاد وتغييب ومحاصرة وسجن وتشريد وتقتيل،بدء قسم من المسلمين يتجهون شيئا فشيئا نحو دعوات وافكار وفلسفات دخيلة، وتمت ترجمة كتب ونشر ثقافة وافكار وكلمات مليئة بالكذب و الفساد والضلال ، وشحنوا الامة بها . فأين صار القرآن؟ وأين اصبحت الأمة من كتابها الذي يهتف الرب فيه بهم: (( افلا يتدبرون القرآن))؟!.

 

العلاج بمحورية القرأن في ثقافتنا

وهكذا بدأت تشاع وتُسمع ثقافة وكلمات تبريرية من قبيل أن القرآن فوق عقولنا ونحن لانفهمه !؟ ، واننا يجب أن نسمعه فقط ونقرءه عن بعد، او نضعه للبركة، وصولا الى اننا صرنا نحصره ونقرءه  على القبور وفي عزاء الاموات حتى يرحمهم الله تعالى!؟.

هذا هو عمق المشكلة ، أن القران لم يعد محور الثقافة في الأمة، لم يعد محور العلم في الحوزات و الجامعات وفي كل مكان وكرفق ومجال من حياتنا، فاصبحنا اذلاء خاسئين ، تلعب بنا اهواء ومطامع الدول، وما تجدونه امامكم شواهد.

الأمل بمن يحمل الراية لحياة وولادة جديدة

ومع ذلك كله، نجد ايضا في مقابل ذلك من يحلمون الراية، حتى تدب الروح القرانية ، الروح المحمدية والعلوية والحسينية والقائمية ، في نفوس بعض المؤمنين(( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه))، هؤلاء فخرنا ، هولاء الذين نراهم  من الشباب  وهم يواجهون  داعش وامثالها، وفي مقاومة الكيان الصهيوني، وفي كل مكان، انه هؤلاء الذين يحملون الراية ، الامل فيهم هم من بعد الله تعالى، ومن يتبع مثل هؤلاء ، ومن يترك هذه الافكار الفاسدة الكاسدة ويتوجه الى القران، الى اهل البيت (ع) ، ليس من باب التغطية على اهوائه ، انما لكي يصلح نفسه ، حتى يولد من جديد ، فنحن يجب أن نقرء القرأن وكأنه يعطينا ولادة جديدة وحياة جديدة لكل واحد منا ، نسمع وننصت للايات بسماع متعظ معتبر يستفيد منها، وليس قراءة وسماع من يريد أن يكمل بسرعة قراءة وسماع الأيات فيكون همه   مجرد الوصول الى اخر السورة ، فلتقرء بعمق و نتدبر، فهذا علاجنا، ان نأخذ القران بكل حذافيره، ولا نترك حرف واحدا منه ، فحين نجعل القرآن “عضين” ونؤمن ببعض منه ونترك بعضا، لن نصلح اوضاعنا ولن نصل الى مانرجوا.