المجتمع دعامتان: سياسي واجتماعي

26/04/2018 نشر في: المحاضرات الأسبوعية، المکتبة الصوتية، محاضرات عام 2018

 

كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الخميس 09/شهر شعبان /1439هـ الموافق 2018/04/26م في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين

بسم الله الرحمن الرحيم
{فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَمَا عِندَ اللَّـهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴿٣٦ وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ ﴿٣٧ وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ﴿٣٨ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ}
صدق الله العلي العظيم

هل كانت مهمة الانبياء عليهم السلام بناء دولة؟!
أم كانت تأسيس حضارة، أو فتح بلاد، أم ماذا؟!!
ربما كل ذلك كان جانب من مهماتهم ورسالاتهم عليهم السلام، ولكن رسالة الانبياء عليهم السلام كانت تهدف بناء الانسان الكامل(٢) كإنسان؛ سواء فرداً أو مجتمعاً، أي بناء كل الناس، وصبهم في وعاء واحد حتى يصبحوا أمة واحدة، قال تعالى: {إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}(٣).
إذاً، هذا هو الهدف، بناء الانسان هو الهدف، لكن الانسان قد يبنى كشخص (فرد)، وقد يبنى كمجتمع، فالانسان الفرد الذي يبنى على أساس الايمان الكامل هو أمة كما قال ربنا سبحانه وتعالى عن ابراهيم عليه السلام: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً}(٤)، لماذا؟ لانه عليه السلام برغم أنه كان فرداً إلا أن رؤيته، بصيرته، حركته، اتجاهاته، أعماله في الحياة أعمال أمة، ولذلك آمن به لوط عليه السلام، ورزقه الله باسحاق عليه السلام، ثم من وراء اسحاق يعقوب عليهم السلام، ومن ثم الاسباط واسماعيل عليهم السلام وهكذا، فأمة ابراهيم عليه السلام اليوم – إن صح التعبير – مليار وخمسمائة مليون مسلم؛ يكرمون ابراهيم عليه السلام باسم الله من النصارى واليهود والمسلمين جميعاً، لذلك في الحقيقة ابراهيم عليه السلام أمة وليس فرداً.
نعم، هناك وظائف خاصة للفرد ومسؤليات كفرد، ولكنها مسؤليات يجب أن تكون ضمن بناء الامة وتصب في هذا الهدف، فأنت تصلي لنفسك، والصلاة صلة الانسان بربه، ودعاء وتوسل ولكن يكون ثواب صلاتك جماعةً أكثر ثوابا من أن تصليها فرداً، وإذا بلغ عدد المصلين ١٠ فما فوق فلا يحصي ثوابها إلا الله سبحانه وتعالى!!(٥).

وكذلك لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد، أترى واجبات الاسلام؟ حتى الجوانب الفردية يأمرنا الله بإتيانها جماعة مع الناس!!
حتى الدعاء، تستطيع أن تدعوا في بيتك ولوحدك وتثاب وتحصل إجابة، ولكن عندما تدعوا الله بين الناس ومعهم تكون الإجابة أضمن وأسرع، لذلك المعصومون عليهم السلام يحثون ويحرضون المؤمنين على الدعاء في الأماكن المقدسة العامة؛ حرم الامام الحسين عليه السلام، وكذلك باقي الأئمة عليهم السلام، وادي عرفات عندما يجتمع الناس مع بعضهم، وما شابه، لماذا؟!!
لانه متى ما استجاب الله لفرد واحد يستجيب للاخرين جميعاً بكرمه وجوده وفضله، فالدعاء مع الناس بلا شك أفضل وأسرع وأضمن في الإجابة، لانه من بناء الامة، وهو ما يسمى اليوم بالمجتمع، فالمجتمع يجب ان يبنى، يعني يبنى مجتمع رباني، مجتمع إلهي، مجتمع رصين وعلى أسس واضحة.

من الايات الكريم نستفيد في الحديث عن واقعنا من خلال هذه الايات في سورة الشورى، ربنا أولاً يقول: {فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيء}: في التوازن بين الدنيا والآخرة، انتخب الآخرة، الدنيا وسيلة، الدنيا مزرعة، الدنيا ممر، الدنيا متجر، الدنيا سوق، هذه سوق وأنت في المتجر أتنام؟!! في السوق تربح، أول صفة في المجتمع الإلهي، إنه لا يهمل الدنيا ولكن لا يفضلها على الاخرة.

{فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}: متاع وردت مرات متعددة في القران، فما معنى متاع؟!! فمتاع يعني ما تستفيد منه وينتهي، فهو وسيلة، فالثوب متاع، والبيت متاع، أي وسيلة في الحياة الدنيا.

{وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}؛ لمن هذه الصفة؟!!
للذين امنوا، هذه الصفة للذين امنوا، والذين: على ربهم يتوكلون، المجتمع الحي مجتمع حيوي، مجتمع بطل شجاع، مجتمع لا يقبل الباطل، إنسان مميز(٦)، لديه قدرات اضافية، لديه قوة ارادة يكتسبها من التوكل على الله والثقة بالنفس.

أنت كإنسان لديك قدرات هائلة، وكمجتمع لديك قدرات أعظم وأعظم، وأنت كفرد وكمجتمع تستطيع تطوير هذه القدرات الهائلة عند نفسك، فعندما يتوكل الانسان على الله ويثق في نفسه، يستطيع تفجير هذه الطاقة التي هي قوة هائلة وعظيمة، إذاً صفة اخرى للمجتمع الايماني هي: صفة التوكل، وصفة التوكل تنعكس على سلوك الانسان، بسلوك حيوي، بحماس بحكمة وتقدم، هذا هو التوكل.

وهناك صفة ثالثة: {وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ}؛ يعني هؤلاء نضيفين طاهرين، مجتمع ليس لديه فواحش، ولا مشاكل: لا كذب، لا دجل، لا غيبة، لا تهمة، لا رشوة، لا فساد اداري، و..الخ، هو مجتمع لديه نظافة، لان النظافة

ليست نظافة الجسم فقط، جسمك يكون نظيف، ملابسك تكون نظيفة، بيتك لازم يكون نظيف، سيارتك لازم تكون نظيفة، قلبك نظيف، سلوكك نظيف، وكل ما يرتبط بك يجب أن يكون نظيفاً نقياً.

وكذلك الطهارة؛ {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ}(٧)، ويقول الله تعالى: {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ}(٨)، فالرجس يعني النجاسة الظاهرية والباطنية، والنجاسة ما ظهر منها وما بطن، فقلبك أيضاً لابد أن يكون نضيفاً.

وجاء في المناجات الشعبانية: “… وَلِتَطْهيرِ قَلْبي مِنْ اَوْساخِ الْغَفْلَةِ عَنْكَ”(٩) فالغفلة هنا وسخ، حجاب، يعني إذا أنت استيقظت من النوم ولم تغسل وجهك، ولم تغسل عينك، ماذا يحدث؟
تذهب لتنظف عينك، لان عين الانسان إذا لم تكن نظيفة لا يستطيع رؤية الأشياء بشكل صحيح، وهنا نتوقف، لان هذه مشكلتنا، فالانسان عندما يغفل عن ذكر الله يغفل عن نفسه، قال تعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}(١٠)؛

يعرف نفسه ويعرف من هو، اذا سُئِلت هـ عن اسمه يجيبك، إذا سألته عن وطنه يجيبك، ولكن عندما تسأله من أنت؟!! ما هي قدراتك، طاقاتك؟؟
فالجواب: لا يدري!!
ما هو هدفك في الحياة؟ لا يدري!!
ما هي رسالتك؟ لا يدري!!
وهكذا، فالانسان انما يصل الى درجة الوضوح في الرؤية حينما يتصل بالله سبحانه وتعالى، إذا اتصل بالله جميع الاوساخ تذهب وتتساقط، وعندما تذهب الاوساخ وتنجلي من قلب الإنسان يرى الحياة واضحة، جميلة، طيبة، حلوة.
عندما تشرق الشمس كيف يكون الكون جميل ومضيء وواضح؟!!
عندما يشرق القمر منير كيف يلف الجمال الأرجاء؟!!
عندما تطلع النجوم كم تكون حلوة وجميلة؟!!
وهكذا، تحب الأشياء، تحب الناس، تحب نفسك، وهكذا، لكن هناك مشكلة لدى بعض الناس اصطدموا بأمور خربت فطرتهم، وصدمات الحياة كثيرة، وبعد ما صدموا صارت أنفسهم مقلوبة، يرون كل شيء من الجانب السلبي، أول شيء نفسه، يعني الانسان السلبي اول شيء ينظر الى نفسه نظرة سلبية، فيأتي الشيطان ليقول: من أنت؟ ما هي قيمتك؟ فيدمر الانسان من داخله!!
عندما يحترم الانسان نفسه لا يقتحم الموبقات، ويحترم الاخرين، حتى اننا عندما نريد تنبيه شخص نقول له: احترم نفسك، لماذا؟!!
لان الذي يهين الاخرين كان قد أهان نفسه أولاً ثم أهان الاخرين!!
فإذا كنت إنساناً طيباً تحترم نفسك فسوف تحترم الآخرين، وعندما تحترم الآخرين ستحبهم، وإذا أحببتهم ستتقرب منهم وتعيش معهم عيشة طيبة، عندما يذهب الإنسان إلى حديقة الحيوانات هل يحب أن يعيش معهم؟!!
كلا، قد يحب التفرج والتسلية لكن لا لا يرتاح هناك، لماذا؟!!
لان المجتمع هناك غير متجانس، هنا ذئب، وهنا أسد، وهنا قرد، وهنا حيوان آخر، هذا حياته شكل، وطبيعته شكل، وطريقته شكل، وهكذا، فهل يحب الإنسان أن يعيش مع الذئاب والاسود والقرود وربما الفئران؟!!
هل هذه الحياة حلوة أو سعيدة، أو حتى مرغوبة؟!!

أيها الإخوة، قسم من الناس يعيش مع أبيه وأمه ومع زوجته وأبنائه وأصدقائه من عشيرته أو من غيرها، بنفس الطريقة والكيفية، يعتبر هذا أسد، وهذا ذئب، وهذا نمر، وهذا قرد، وهذا كذا، هل تدري لماذا؟!!
لان هو لديه مشكلة، نحن بشر، والناس طيبون وبشر مثلنا، خلقهم الله وأكرمهم، يجب أن نشعر بهذه الصفة لاننا نحتاج إليها كثيرا لتعاملنا معهم.

{وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ} لماذ يغفر المؤمن؟!!
لان الانسان الايجابي لديه من الاستعداد، من الثقة بالنفس، ما يسمح له بالمغفرة والسماح للاخرين، قال الشاعر:
وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيْمِ يَسُبُّنِي فمضيت ثمت قلت لا يعنيني
يعني هذا مو وياي، كلامه لغيري، يقولون له: يعنيك، فيرد لا، الكلام لغيري، قال تعالى: {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا}(١١)، المؤمن يترفع على الكلام البذيء، لا يتنزل الى مستوى القائل، {وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ}، السيطرة على الغضب شيء جميل، والانسان الذي يسيطر على الغضب هو إنسان حليم، وهذا الانسان يعيش محترماً ويعيش في القمة، ويعيش في الجنة، لماذا؟!!
لانه بهذا يحطم أعصاب الطرف المقابل، وينغص معيشته، خصوصاً حينما يتحول هذا السلوك (التجاهل) الى رؤية في داخل الانسان.

ومن صفاتهم: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ}، ماذا تعني الإستجابة للرب؟!!
لا شك إن الاستجابة لله هنا هو الايمان بالانبياء عليهم السلام، والايمان بالائمة عليهم السلام، والايمان بالقيادات الرسالية: {رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا}(١٢)، ومن بعض الايات الاخر نستفيد معنى الاستجابة هنا، عقدة البشر واحد مثلهم نتبعوه، من قال أن هذا صار نبي علينا؟ أو صار امام علينا؟!!، أو صار مرجع؟! أو صار قائد عسكري؟!! و..الخ، {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ}، لا أعلم حقيقة ما هي العلاقة بين الاستجابة لله وإقامة الصلاة، ولكن عادةً