تدبرات في سورة (الحديد) شهر رمضان المبارك / 1439 هـ – (الاول)

19/05/2018 نشر في: المحاضرات والدروس، تقريرات التدبر في القرآن، سورة الحديد

بسم الله الرحمن الرحيم

((سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فىِ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ  وَ هُوَ الْعَزِيزُ الحْكِيمُ))

صدق الله العلي العظيم

((سورة الحديد المباركة))

الاطار العام

للحديث عن الاطار العام لهذه السورة المباركة عدّة أبعاد, منها ما يرتبط باسم السورة المباركة, والآية التي جاءت في هذه السورة وحملت ذات الاسم, وهو قوله سبحانه وتعالى:

 [لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَ أَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَ الْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ  وَ أَنزَلْنَا الحْدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَ مَنَفِعُ لِلنَّاسِ وَ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَ رُسُلَهُ بِالْغَيْبِ  إِنَّ اللَّهَ قَوِىٌّ عَزِيزٌ][1]

ولارتباط الاطار العام مع اسم السورة والآية التي حملت الاسم يمكننا القول أن الاطار العام للسورة هو الحديث عن القسط والعدالة.

البُعد الثاني الذي جعله بعض المُفسّرين الاطار العام لسورة الحديد هو الانفاق لأنّ آيات كثيرة في هذه السورة تتحدّث عن الانفاق.

وبالتأمّل في القولين نجد الارتباط الوثيق بين الانفاق وبين القسط والعدالة في المجتمع إذ أنّ الإنفاق في سبيل الله يُعدّ من مقوّمات المجتمع الاسلامي كما سيأتي تفصيل ذلك.

لكن بمزيد من التأمّل في محاور السورة و خصوصاً الحديث عن المعارف الألهية والتوحيد في بدايات السورة المُباركة حيث جاء في الحديث عن الامام زين العابدين عليه السلام وقد سُئل عن التوحيد قال:– عليه السّلام-: {إنّ اللّه علم أنّه يكون في آخر الزّمان أقوام متعمّقون، فأنزل اللّه: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، و الآيات من سور الحديد- إلى قوله-: بِذاتِ الصُّدُورِ. فمن رام وراء ذلك فقد هلك.}[2]

و هكذا نجد في مُستهلّ السورة أسماء الرب الحُسنى, ومن هنا يبدوا أنّ الاطار العام لهذه السورة أعمق ممّا ذُكر.

-نقول- مفتاح الوصول الى الاطار العام هو التسبيح, كيف؟

أليس التسبيح يعني التنزيه من عبادة غير الله تعالى, ثمّ إنّ العبادة لها معاني شتّى لا تنحصر بالصلاة و الركوع والسجود, بل تعني ممّا تعني التعلّق, فحين يتعلّق الانسان بشيء بحيث يجعله في مصافّ الرب المُتعال فإنّه يعبده, وذلك من مصاديق الشرك الخفي الذي يهوي بصاحبه الى درك الجحيم, ولو تساءلنا عمّا هو مورد تعلّق الغالبية العظمى من البشر سنخلصّه بكلمة [حُبّ الدنيا] من مالٍ وجاه أو السلطة ومتاع, وأنّى يمكن للإنسان أن يطهّر قلبه من التعلّق بالدنيا ويُجسّد كلمة التوحيد [لا اله الّا الله] عمليّاً في حياته؟

لا يستطيع الانسان ذلك الّا بالإنفاق في سبيل الله المُتعال.

وهكذا يُطهّر المؤمن قلبه من التعلّق بالدنيا بالانفاق, أمّا غيره فقد يفقد ايمانه في أيّ امتحان او يفقده عند الموت كما يحدث لكثيرين.

اذن الحديث عن الانفاق و ارتباطه بالقسط الذي يُعدّ من مقوّمات المجتمع الاسلامي هو أحد  الابعاد, لكنّ البُعد الثاني من الانفاق والأهم هو فيما يرتبط بالتسبيح أي تطهير القلب من العبودية لغير الله وهذا هو الاطار العام لسورة الحديد.

تسبيح الكائنات

لكي لا يكون الشيء حجاباً بين الانسان وبين الله فإنّ على الانسان تسبيح الله بل ومعرفة أنّ الشيء الذي تعلّق به هو أيضاً يُسبّح لله يقول الله تعالى:

[سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فىِ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ]

جاء في بعض التفاسير أنّ المُراد بتسبيح ما في السماوات والأرض هو التسبيح التكويني, حيث شهادة جميع الكائنات في هذا العالم بطهارة ذاته من كلّ عيب، حيث أنّ النظم و الحساب و الحكمة و العجائب في نظام الكائنات .. هذه جميعها تذكر (اللّه) بلسان حالها و تسبّحه و تحمده و تنزّهه و تؤكّد أنّ لخالقها قدرة لا متناهية، و حكمة لا محدودة.

نعم, فالتسبيح التكويني موجود لا محالة لكن هل يعني تسبيح [ما في السماوات والأرض] ذلك فحسب؟

بالتدبّر في الآيات القرآنية نجد أنّ المُراد من التسبيح ليس بمقولة الحال وإنّما بمقولة القال ومن هنا جاء في قوله سبحانه:

[تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَ الْأَرْضُ وَ مَنْ فيهِنَّ وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَ لكِنْ لا تَفْقَهُونَ تسبيحهم][3]

فبقرينة قوله: [وَ لكِنْ لا تَفْقَهُونَ تسبيحهم] نفهم أنّ المراد ليس التسبيح التكويني فقط إذ أننا نفقهه بل المُراد أنّ كل شيء في الكون يُسبّح لله المُتعال, وهكذا على الانسان أن لا يشذّ عن ذلك ولا يجعل تعلّقه بالاشياء حجاباً بينه وبين الله المتعال.

يقول تعالى:[وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فاعِلينَ][4]

فوائد التسبيح

أرأيت نور الشمس لو تعرّضت لها فانّك تستضيء بها فحسب, وهكذا حينما تتصّل بالباري عزّ وجلّ تُتساقط الحُجُب لتصل اليك الالطاف الربّانية, فالخالق غني عنّا وهو القائل:

[وَ مَا خَلَقْتُ الجْنَّ وَ الْانسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ(56)مَا أُرِيدُ مِنهُم مِّن رِّزْقٍ وَ مَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ(57)إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ][5]

وقد جاء في الحديث القُدسي قوله تعالى: {يابن آدم لم أخلقك لأربح عليك إنّما خلقتك لتربح علي].[6]

وهكذا قوله تعالى في سورة النور: [أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَ تَسْبيحَهُ وَ اللَّهُ عَليمٌ بِما يَفْعَلُونَ].[7]

فالصلاة من الصِلة و الارتباط بالباري عزّ وجلّ لتشمل الالطاف الالهية كلّ المخلوقات.

الفرق بين ما ومن

تارة يستخدم تعبير [ما] كما في هذه السورة المباركة قوله: [سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْض].[8]

وتارة يستخدم التعبير القرآني [من] كما في سورة النور وقوله: [أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماوات وَ الْأَرْض].[9]

من فما هو الفرق بينهم؟

يقول اللغويون أنّ [ما] يُراد به غير العاقل و[من] العاقل من الموجودات, وقد يكون المعنى صحيحاً الّا أنّ الظاهر من المعنى الأوّل هو للدلالة على تصوّر البشر وظنّهم أنّ هذه الخلائق لا تنطق وللإشارة الى [لا تفقهون تسبيحهم], واستخدام من للدلالة الى أنّ لجميع الكائنات شعورا يسبّحن عبره بحمد ربّهن.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

[1] سورة الحديد, الآية25.

[2] الكافي 1/ 91، ح 3

[3] سورة الإسراء , الآية 44.

[4] سورة الأنبياء, الآية 79.

[5] سورة الذاريات, الآية 56- 58.

[6] شرح نهج البلاغة,ج 20 ص319.

[7] سورة النور, الآية41.

[8] سورة الحديد, الآية 1.

[9] سورة النور, الآية 41.