تدبرات في سورة (الحديد) شهر رمضان المبارك / 1439 هـ – (الثاني)

19/05/2018 نشر في: المحاضرات والدروس، تقريرات التدبر في القرآن، سورة الحديد

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 ((سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فىِ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ  وَ هُوَ الْعَزِيزُ الحْكِيمُ))

صدق الله العلي العظيم

((سورة الحديد المباركة))

 

التسبيح كمال المعرفة

ما إن يشرع الانسان بالتدبّر في آيات القرآن الحكيم الّا ويجد نفسه في محيط مترامي الاطراف من المعارف في بطون آيات الذكر الحكيم.

بصائر عدّة نستلهمها من الآية الأولى من سورة الحديد و قبل بيانها نُذّكر الأخوة أنّ التزوّد بالآيات الشريفة والاستفادة الحقيقية منها إنّما تكون [لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَ هُوَ شَهيدٌ][1].

أي لمن يكون حاضراً بجسده وقلبه.

البصيرة الأولى: في قوله تعالى: [سَبَّحَ لِلَّهِ].

ما هو التسبيح؟

مهما ابتعد البشر عن ربّهم الّا أنّ الرب المُتعال ليس حقيقة بعيدة عن عباده، فهو أقرب الينا من حبل الوريد، ِ ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى‏ ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رابِعُهُمْ وَ لا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سادِسُهُمْ وَ لا أَدْنى‏ مِنْ ذلِكَ وَ لا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا، وهكذا كان بُعد الانسان من الله سبحانه بدليل الحُجُب الموجودة بينه وبين ربّه، فقد يدعوا الانسان غير ربّه، وقد سئل قوم الامام الصادق عليه السلام: «ندعوا فلا يستجاب‏ لنا قال: لأنكم تدعون من لا تعرفونه.»[2]

ولعلّ أكبر حجاب  بيننا وبين الرب المُتعال هو أنّنا نريد معرفته كما نعرف مخلوقاته، وذلك لن يكون لأنّ الله تعالى خِلوٌ من خلقه وخلقه خِلوٌ منه، لا يحَدُّه مكان ولا زمان فهو أيّن الاين وكيّف الكيف.

وهكذا جعل طريق معرفة الرب ذات طريق معرفة مخلوقاته يستلزم تصوّره، وهو تعالى أجلّ من أن تناله الأوهام أو تُدركه الأبصار، وهذا هو معنى التسبيح..أي تنـزيهه تعالى من شبه خلقه وكما يقول امير المؤمنين عليه السلام:

«أول‏ الدين‏ معرفته‏ و كمال معرفته التصديق به و كمال التصديق به توحيده و كمال توحيده الإخلاص له و كمال الإخلاص له نفي الصفات عنه لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف و شهادة كل موصوف أنه غير الصفة»[3].

فهو عالمٌ لكن لا كعلم المخلوقين وقادرٌ لكن لا كقدرتهم، لأنّ غاية معرفتنا له عزّوجل باخراجه من الحدّين، حدّ التعطيل وحدّ التشبيه فهو تعالى شيء لا كالأشياء، وطريق ذلك الفطرة والوجدان والتفكّر في آيات الله في الأنفس والآفاق، يقول امير المؤمنين عليه السلام في دعاء الصباح: «يا من‏ دل‏ على‏ ذاته‏ بذاته و تنزه عن مجانسة مخلوقاته و جل عن ملائمة كيفياته‏.. يا من أرقدني في مهاد أمنه و أمانه و أيقظني إلى ما منحني به من مننه و إحسانه و كف أكف السوء عني بيده‏»[4]

بالتفكير في هذه الآيات وشؤونه الانسان المُختلفة في يقظته ومنامه،  وبالتفكير  فيمن يرعى الانسان في ساعات الشدّة حيث لا مُنجي غيره سبحانه، هناك  حيث يتعلّق قلب الانسان بربّه تسقط عنه كلّ الحُجب والأوهام.

جوهر الأذكار

و بالتأمّل في معنى التسبيح نصِل الى أنّ جوهر كلّ الاذكار هو التسبيح، فالتكبير يعني «الله اكبر من أن يوصف» و «الحمد لله» يعني أنّه تعالى هو من يستحقّ الحمد في أي زمان وبأي لسان وهكذا التهليل.

رسالة الكون

كان نبيّنا الأكرم (ص) يستيقظ كلّ ليلة مرّات عدّة، وفي كلّ مرّة كان ينظر الى النجوم ويتلو قوله تعالى من سورة آل عمران :[وَيَتَفَكَّرُونَ فىِ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَاذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ(191)رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ  وَ مَا لِلظَّلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ(192)رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِى لِلْايمَنِ أَنْ ءَامِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَامَنَّا  رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَ كَفِّرْ عَنَّا سَيِّاتِنَا وَ تَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ(193) رَبَّنَا وَ ءَاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلىَ‏ رُسُلِكَ وَ لَا تخُزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ  إِنَّكَ لَا تخُلِفُ المْيعَادَ][5]

وهكذا نظر المؤمن اعتبار فهو ينظر الى الشمس والقمر والى كلّ المخلوقات ويفهم منها رسالة التسبيح، وفي تعاليم ديننا الحنيف ما يُقربّنا الى هذا المعنى، فقد كان من دعاء الامام زين العابدين عليه السلام إذا نظر الى الهلال أنّه يقول:

«أيها الخلق‏ المطيع‏، الدائب السريع، المتردد في منازل التقدير، المتصرف في فلك التدبير.  آمنت بمن نور بك الظلم، و أوضح بك البهم، و جعلك آية من آيات ملكه، و علامة من علامات‏ سلطانه، و امتهنك بالزيادة و النقصان، و الطلوع و الأفول، و الإنارة و الكسوف، في كل ذلك أنت له مطيع، و إلى إرادته سريع  سبحانه ما أعجب ما دبر في أمرك! و ألطف ما صنع في شأنك! جعلك مفتاح شهر حادث لأمر حادث  فأسأل الله ربي و ربك، و خالقي و خالقك، و مقدري و مقدرك…»[6]

وبخلاف الفلسفات التي جعلت حياة الانسان في تضادّ دائم مع المخلوقات.. فإنّ تبصّر المؤمن بكتاب ربّه يجعله ليس فقط يتكامل مع أخيه الانسان، بل مع جميع الخلائق.

وهو العزيز الحكيم

عادة ما تُختَتم الآيات التي تبدء بالتسبيح بقوله تعالى: [الْعَزِيزُ الحْكِيمُ].

كلمة العزّة تحوي في طياتها الكثير من المعاني، فهي  تعني القدرة، و أنّه تعالى قد أنفذ قدرته، وهكذا تعني أنّ الجميع يُذعن بقدرته، فإسم العزّة أصل لكثير من الاسماء التي سيأتي تفصيلها في الآيات القادمة.

إنّه كذلك سواء سبّحه الخلق أو لم يسبّحوه، فهو بذاته عزيز لا يزيده التسبيح عزّا، و حكيم تتجلّى حكمته في النظام الدقيق الذي فطر عليه خلقه و حكمه به، كما تتجلّى في تدبيره لشؤونه المختلفة، و ليس بحاجة إلى الاعتراف من قبلنا بحكمته سبحانه، كما لا تنصرف هاتان الصفتان إلى غيره لو اعتقدنا بألوهيّته، و لعلّ الحكمة من بيان هاتين الصفتين أنّ اللّه لا يدبر الكائنات بقوته و حسب، بل بالحكمة أيضا، و أنّه يحقّ للكائنات أن يسبّحنه لأنّه تعالى مهيمن عليها بالقوّة و الحكمة فهو أهل لذلك.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة ق, الآية 37.

[2] التوحيد (للصدوق)، ص: 289

[3]نهج البلاغة (للصبحي صالح)، ص: 39

[4] بحار الأنوار (ط – بيروت)، ج‏91، ص: 243

[5] سورة آل عمران الآية 191-194.

[6]الصحيفة السجادية، ص: 184