تدبرات في سورة (الحديد) شهر رمضان المبارك / 1439 هـ – (الثالث)

20/05/2018 نشر في: المحاضرات والدروس، تقريرات التدبر في القرآن، سورة الحديد

بسم الله الرحمن الرحيم

((سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فىِ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ  وَ هُوَ الْعَزِيزُ الحْكِيمُ (1) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ  يحُيىِ وَ يُمِيتُ  وَ هُوَ عَلىَ‏ كل شىَءٍ قَدِيرٌ(2)))

صدق الله العلي العظيم

((سورة الحديد المباركة))

العزيز الحكيم

العزيز والحكيم اسمان للباري المُتعال يتضمنان أسماء أخرى كالقُدرة وإنفاذها وهكذا إذعان الخلائق بها، فما من شيء في الوجود الّا وهو خاضع لربّه يقول تعالى:

[وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَ الْمَلائِكَةُ وَ هُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ][1]

تعبيرات مُختلفة في القرآن الكريم تدلّنا على ذات الحقيقة وهي خضوع كلّ الخلائق لله.

لا عاصم من أمر الله

وكلّ تعلّق للإنسان بغيره تعالى سيخيب لا محالة، كما خاب تعلّق ابن نوح بالجبل ليعصمه من الماء، حيث تدكدك الجبل وانهار ولم يعصمه من أمر الله تعالى.

ليس الجبل فحسب، بل حتّى الكواكب والشموس لها عقاب فيما يُسمّى اليوم بمقبرة الشموس.. حيث موت الشموس العملاقة! وذلك بعض تجليّات عزّة الرب المُتعال.

أمّامن تجليات حكمة الباري عزّ وجلّ فما تسقط من ورقة ولا حبّة في ظلمات الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، لو تأملت فيها تجد آثار حكمته تعالى.

ويتضمّن اسم الحكمة، معنى العلم والقدرة على استخدامه أيضاً.

لكنّ السؤال كيف يمكن لنا أن نُجسّد العزّة والحكمة في واقعنا؟

خواصّ الاسماء

قال بعض الأعلام: أنّ لكلّ إسمٍ من أسماء الرب تعالى خواصّ مُعيّنة ترتبط بمعناه، فتكرار [يا عليم] لمن أراد العلم، و [ياقدير] لمن أراد القُدرة وهكذا لأنّ أسماء الرب تعالى تتجلّى في الإنسان، حينما لا يكون قوله مجرّد لقلقة لسان، فالمطلوب أن نُقرّب أنفسنا من هذه الاسماء.

هنا نستاءل كيف يمكن الوصول الى العزّة والحكمة؟

في الجواب على ذلك نقول:ربّنا تعالى أجرى سُننه في الكون و خلق الكون وفقها، وحينما يسير الانسان وِفق هذه السُنن والنظام، فإنّه سيكون عزيزاً حكيماً.

جاء في الحديث عن أبي عبد الله عليه السلام أنّه قال:

«إن الله عز و جل فوض إلى المؤمن أموره‏ كلها و لم يفوض إليه أن يكون ذليلا أ ما تسمع قول الله عز و جل يقول- و لله العزة و لرسوله و للمؤمنين‏ فالمؤمن يكون عزيزا و لا يكون ذليلا ثم قال إن المؤمن أعز من الجبل إن الجبل يستقل منه بالمعاول و المؤمن لا يستقل من دينه شي‏ء.»[2]

وهكذا قال امامنا الحسين عليه السلام:

«لا والله لا اعطيهم بيدى اعطاء الذليل‏، و لا اقر اقرار العبيد!.»[3]

وللوصول الى العزّة شروط ثلاثة سواءاً على صعيد الفرد أو على صعيد الأمّة أو الدولة:

  • الغنى: للوصول الى العزّة لابدّ أن يكون الانسان غنياً، ومن هنا جاء في الحديث الشريف عن النبي صلّى الله عليه وآله: «الفقر سواد الوجه‏ في الدارين.»[4]

وعنه صلّى الله عليه وآله أنّه قال: «نعم‏ العون‏ على تقوى الله الغنى.»

وجاءت التوصيات تترى في كيفية الوصول الى ذلك فعن الامام امير المؤمنين عليه السلام وهو يصِف المُتقّين قوله: «فالمؤمنون فيها هم أهل الفضائل منطقهم الصواب و ملبسهم‏ الاقتصاد»[5]

وهكذا الامّة حينما تكون فقيرة فإنّها تصبح خاضعة ذليلة أمّا الامّة الغنيّة فإنّها امة عزيزة.

  • القوّة: يقول ربّنا تعالى: [وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ].[6]

وجاء في الحديث الشريف: «المؤمن‏ القوي‏ خير من الضعيف».

  • عزّة النفس: حينما يجعل الانسان قيمة الكرامة شعاراً له فلا يقبل بالمهانة والذلّة ويُربّي نفسه دائماً على العزّة و المناعة فإنّه يصل الى ذلك.

الوصول الى الحكمة

هذا فيما يرتبط بالعزّة.. أمّا الحِكمة فالوصول اليها يكون من خلال معرفة السُنن الالهية، ودليلها القرآن الحكيم، ففيه تبيان لكلّ شيء، فالقرآن الكريم حِكمة الحياة ومن تدبّر فيه ووعاه فإنّه يدرك السُنن الالهية وبذلك يُمكنه الوصول الى الحكمة.

لأنّ الرب سبحانه جعل نظام التشريع متناغماً مع نظام التكوين ولكنّ الانسان لم يؤتَ من العلم الّا قليلاً.

فنظام التشريع كعقارب الساعة يتبع بعضها بعضاً وفيه من الحِكمة العظيمة التي لم يفقهها الكثير منّا بسبب ما نعانيه من التسطيح الثقافي وبسبب الابتعاد عن مصادر الثقافة الاسلامية.

[لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ]

بما فيهما، و هو حقّا ملك واسع مطلق و حقيقي، أمّا تملّك الناس للأشياء فهو اعتباري محدود زمنا لأنّهم يموتون عنها، و كمّا لأنّه قليل جدا بالنسبة إلى ملك اللّه الذي ينضوي تحته كلّ الوجود و كيفا لأنّ قدرتهم على التصرف فيه محدودة، و للّه الملك المطلق و القدرة اللّامحدودة، و التي من مظاهرها الإحياء و الإماتة.

[يحُيىِ وَ يُمِيتُ]

كيف يشاء، و متى أراد، لا يمنعه عن ذلك مانع أبدا، و ليس لسواه هذه القدرة في الملك، و الهيمنة عليه. و ما دامت حياة الإنسان بيد اللّه فهل هو المالك أم اللّه؟

بالرغم من التطوّر الكبير الذي وصل اليه العلم الحديث الّا أنّه لم يستطع أن يُفسّر حقيقة الحياة والموت.

فربّنا المُتعال هو الذي قهر عباده بالموت والفناء فلا أحد يستطيع دفع الموت عن نفسه أو عن غيره، ولو اجتمعت الانس والجن على أن يمنعوا موت انسان ولو للحظات لا يقدروا على ذلك، وذلك أحد أبعاد عزّة الله تعالى حيث يُذيق جميع الخلائق بما في ذلك ملك الموت والملائكة المُقرّبين يذيقهم الموت وهو القائل:

 [كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ][7]

و مع أنّ الحياة و الموت من أبرز مظاهر الملك و الهيمنة الإلهية على الخلق، إلّا أنّ قدرته تعالى ليست محدودة في ذلك حسب، بل هي مطلقة.

[وَ هُوَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ]

أمّا نحن فلا نستطيع ان نفعل كلّ شي‏ء و كيفما نشاء فيما نملك.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة النحل, الآية 49.

[2]الكافي (ط – الإسلامية)، ج‏5، ص: 63

[3] وقعة الطف ص209

[4]بحار الأنوار (ط – بيروت)، ج‏69، ص: 30

[5]كتاب سليم بن قيس الهلالي، ج‏2، ص: 849

[6] سورة الأنفال الآية 60.

[7] سورة العنكبوت, الآية 57.