تدبرات في سورة (الحديد) شهر رمضان المبارك / 1439 هـ – (الرابع)

21/05/2018 نشر في: المحاضرات والدروس، تقريرات التدبر في القرآن، سورة الحديد

بسم الله الرحمن الرحيم

((هُوَ الْأَوَّلُ وَ الاَخِرُ وَ الظَّاهِرُ وَ الْبَاطِنُ  وَ هُوَ بِكلُشىَءٍ عَلِيمٌ))

 

هو الاوّل والآخر

يمكن للإنسان الوصول الى الغيب والى الحقائق الباطنية كما يُمكنه الوصول الى الشهود، ذلك أنّ الرب تعالى منح للإنسان عين لبصره ومنحه أيضاً بصيرته وهو تعالى ليس بخيلاً بإعلامنا بالغيب كما يقول تعالى:

[وَ ما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنينٍ][1]

ولكنّ للوصول الى تلك الحقائق على الانسان أن يسير بالطريق الصحيح الذي منحه الرب اياه، فما هو الطريق الصحيح؟

الطريق للبصيرة

سلسلتان من الروايات تتحدّث عن أوّل الخلق، الأولى ما جاءت عن الامام الصادق عليه السلام قوله :

«إن الله خلق العقل و هو أول خلق خلقه من الروحانيين عن يمين العرش من نوره فقال له أدبر فأدبر[2]

حیثُ جعلت العقل هو اوّل ما خلقه الله تعالى أمّا الروايات الأخرى فتجعل نور النبي (ص) هو اوّل ما خلقه الله تعالى فعنه صلّى الله عليه وآله أنّه قال:

«أولما خلقاللهنوريابتدعه من نوره و اشتقه من جلال عظمته»[3]‏.

ووجه الجمع بین الروایات أنّ نور العقل هو نور النبي صلّى الله عليه وآله، وهو أوّل ما خلقه الله تعالى، ثمّ جعل الرب تعالى شُعاع من ذلك النور لكلّ انسان لميّز به بين الخير والشر وكما يقول الباري تعالى:

[وَ نَفْسٍ وَ مَا سَوَّئهَا(7)فَأَلهْمَهَا فجُورَهَا وَ تَقْوَئهَا][4]

أمّا الشُعاع الثاني فقد جعله الله تعالى في الكُتُب المُقدّسة، وخصوصاً في القرآن الكريم.

اما الشعاع الثالث فهو عند النبي الاكرم واهل بيته عليهم افضل الصلاة والسلام، وتتكامل هذه الشُعب الثلاثة لتتمّ الحُجّة على الانسان، لأنّ نور العقل عند الانسان يُحجب بهوى نفسه وبوساوس الشيطان الرجيم، وهكذا تجد العقل يُدفن تحت رُكام العوامل الثقافية والتربوية الخاطئة، ويأتي دور الأنبياء كما يقول أمير المؤمنين عليه السلام:

«ليثيروا لهم دفائن العقول‏»[5].

وبالوصول الى العقل وتكاملية العقل مع الوحي يمكن للانسان الوصول الى البصيرة، فالعقل الباطن يُصدّق الرسول الظاهر والوحي، و قد جاء عن الامام الرضا عليه السلام حينما سئله ابن سكّيت فما الحجة على العباد اليوم؟ قال:

«العقلتعرفبهالصادقعلى الله فتصدقه و الكاذب على الله فتكذبه فقال ابن السكيت هذا هو و الله الجواب[6]

وبهذا الطريق أيضاً يُمكن التمييز بين التفسير الصحيح من غيره في الآيات القرآنية، وبالخصوص في مثل هذه الآية التي كثُر الآراء في معناها فيما يربوا على الثلاثين رأي، فبالعودة الى العقل والى الروايات يُمكننا الى الاطمئنان الى المعنى الصحيح من الآية الشريفة.

هُوَ الْأَوَّلُ والآخر

معرفتنا للباري عزّ وجلّ هي باخراجه تعالى من الحدّين، وهكذا فهمنا للمعاني التي ترتبط به تعالى، فربّنا أوّل ولا أوّل لأوليّته، فهو اوّل ولا شيء واوّل ليس باعتبار شيء، لأنّه خارجٌ عن الزمان والمكان جاء في الحديث عن ابي عبد الله عليه السلام أنّه قال:

«إن الله تبارك اسمه و تعالى ذكره و جل ثناؤه سبحانه و تقدس و تفرد و توحد و لم يزل و لا يزال و هو الأولو الآخر و الظاهر و الباطنفلا أوللأوليتهرفيعا في أعلى علوه شامخ الأركان رفيع البنيان عظيم السلطان منيف الآلاء سني العلياء الذي عجز الواصفون عن كنه صفته و لا يطيقون حمل معرفة إلهيته و لا يحدون حدوده لأنه بالكيفية لا يتناهى إليه[7]

وقد سأل رأس الجالوت الامام امير المؤمنين عليه السلام قال:  أسألك عن ربك متى كان فقال أمير المؤمنين عليه السلام: «كان بلا كينونية كان بلا كيف كان لم يزل بلا كم و بلا كيف كان ليس له قبل هو قبلالقبلبلا قبلو لا غاية و لا منتهى انقطعت عنه الغاية و هو غاية كل غاية».[8]

لم يكن مثله أحد فهو أزلي، و حيث تأخّر الوجود عنه فهو محدث من صنعه عزّ و جل، و تتجلّى هذه الحقيقة مرة اخرى حيث يصير الخلق الى العدم و يبقى وجهه تعالى، و لأنه الاول فهو الذي أحيا الخلق و أوجده، و لأنه الآخر فهو الذي يميته بقدرته.

وفي الرواية قال ابو يعفور سألت الامام الصادق (ع) عن قول اللّه عز و جل: «الاول و الآخر» و قلنا: أمّا الاول فقد عرفناه، و أمّا الآخر فبيّن لنا تفسيره؟ فقال: «إنّه ليس شيء إلّا يبدأ و يتغيّر أو يدخله التغير و الزوال، و ينتقل من لون إلى لون، و من هيئة الى هيئة، و من صفة الى صفة، و من زيادة الى نقصان، و من نقصان الى زيادة، إلا رب العالمين، فانّه لم يزل و لا يزال بحالة واحدة، و هو الاول قبل كل شيء، و هو الاخر على ما لم يزل، و لا تختلف عليه الصفات و الأسماء، كما تختلف على غيره مثل الإنسان الذي يكون ترابا مرة و مرة لحما و دما و مرة رفاتا و رميما، و كالبسر الذي يكون مرة بلحا و مرة بسرا و مرة رطبا و مرة تمرا، فتتبدّل عليه الأسماء و الصفات، و اللّه عزّ و جل بخلاف ذلك»[9].

جاء عن الامام الصادق (ع) شرح و توضيح لمعنى القبل و البعد فقال: «جاء حبر من الأحبار الى أمير المؤمنين (ع) فقال: يا أمير المؤمنين! متى كان ربك؟

فقال له: ثكلتك أمك! و متى لم يكن حتى متى كان؟ كان ربّي قبل القبل بلا قبل، و بعد البعد بلا بعد، و لا غاية و لا منتهى لغايته، و انقطعت الغايات عنده فهو منتهى كلّ غاية».[10]

ولو تأمّلنا سنجد أنّ ذلك من معاني التسبيح لله تعالى ونفي الصفات عنه.

الظَّاهِرُ وَ الْبَاطِنُ 

كلّ شيء في الكون له جانبان، جانب الوجود (الاثبات) العدم (النفي)، اما الاثبات فيدلّ عليه الوجدان، وأمّا العدم فلأنّه محدود، فهو في حيّزٍ من الزمان والمكان، سبقه العدم وهو صائرٌ الى الفناء، فالشمس مثلاً لم تكن موجودة ثم وُجدت و سترجع الى الفناء مرّة أخرى، ووجود جانب النفي في الاشياء دليلٌ على أنّها لم توجِد نفسها، فهي محدودة وفانية، ووجود جانب الاثبات في الاشياء دليلٌ على أنّ لها خالقاً كاملاً لا نقص فيه، وهكذا تدلّ كلّ المخلوقات على بارئها فهو الظاهر، وهو تعالى يُعطي للشمس نورها آناً بآن وللخلائق وجودها كذلك فحياة البشر بين العدم والوجود، فما مضى عدم وما يأتي عدم وخلايا الانسان تتجدّد وكلّ ذلك يدلّ على الباري عزّ وجلّ فهو الظاهر.

وهو باطن بذاته التي لا يعلم كنهها أحد من خلقه.

وقد يكون الظاهر هو نعمه تعالى والباطن مغفرته، أو أن يكون الظاهر الدنيا والباطن الآخرة، أو غير ذلك..فكلّ المعاني قد تكون صحيحة لأنّ في القرآن الكريم آفاق من المعرفة ومثله كالشمس يشرق كلّ يوم باضاءات جديدة وافكار نيّرة.

روي عن الامام الرضا (ع) و هو يبين ان الكلمات تشترك بيننا و بين ربّنا اشتراكا لفظيّا لا معنويّا، و يستعرض بعض أسماء اللّه التي تختلف معانيها عمّا يوجد عندنا من أمثالها، الى أن قال في معنى الظاهر و الباطن:

«وأمّا الظاهر فليس من أجل أنّه علا الأشياء بركوب فوقها و قعود عليها و تسنّم لذراها، و لكنّ ذلك لقهره و لغلبته الأشياء و قدرته عليها، كقول الرجل:ظهرت على أعدائي، و أظهرني اللّه على خصمي، يخبر عن الفلج و الغلبة، فهكذا ظهور اللّه على الأشياء، و وجه آخر انّه الظاهر لمن أراده، و لا يخفى عليه شيء، و أنّه مدبّر لكلّ ما برأ، فأي ظاهر أظهر و أوضح من اللّه تبارك و تعالى، لأنّك لا تعدم صنعته حيثما توجّهت، و فيك من آثاره ما يغنيك، و الظاهر منا البارز لنفسه و المعلوم بحدّه، فقد جمعنا الاسم و لم يجمعنا المعنى، و اما الباطن فليس على معنى الاستبطان للأشياء بأن يغور فيها، و لكنّ ذلك منه على استبطانه للأشياء علما و حفظا و تدبيرا، كقول القائل: أبطنته، يعني خبرته، و علمت مكتوم سرّه، و الباطن منا الغائب في الشيء المستتر، و قد جمعنا الاسم و اختلف المعنى».[11]

ولكنّ ذلك لا يعني انّه غائب عن الخلق، بل انّه نافذ علمه الى أعماق كلّ شي‏ء

{وَ هُوَ بِكلُشىَءٍ عَلِيمٌ }

و نتساءل مرّة أخرى كيف يمكن أن نُقرّب أنفسنا من اسماء الرب المُتعال، فهو تعالى بكلّ شيء عليم، ولو شعر الانسان بذلك لراقب نفسه و أفعاله.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة التكوير, الآية24.

[2]المحاسن، ج‏1، ص: 196

[3] بحار الأنوار (ط – بيروت)، ج‏25، ص: 22

[4] سورة الشمس, الآية7-8.

[5] «نهج البلاغه»/ 33؛ «عبده» 1/ 17.

[6]بحار الأنوار (ط – بيروت)، ج‏1، ص: 105

[7]الكافي (ط – الإسلامية)، ج‏1، ص: 137

[8] الكافي (ط – الإسلامية)، ج‏1، ص: 8

[9] تفسير نور الثقلين ج5ص240.

[10] تفسیر نور الثقلین ج5 ص233.

[11] نور الثقلين/ ج 5 ص 234