تدبرات في سورة (الحديد) شهر رمضان المبارك / 1439 هـ – (الخامس)

22/05/2018 نشر في: المحاضرات والدروس، تقريرات التدبر في القرآن، سورة الحديد

بسم الله الرحمن الرحيم

((هُوَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ فىِ سِتَّةِ أَيَّامٍ ثمُاسْتَوَىعَلىَ الْعَرْشِ  يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فىِ الْأَرْضِ وَ مَا يخَرُجُ مِنهْا وَ مَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَ مَا يَعْرُجُ فِيهَا  وَ هُوَ مَعَكمُأَيْنَ مَا كُنتُمْ  وَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ))

صدق الله العلي العظيم

(سورة الحديد المباركة)

القرآن الكريم مفتاح المعرفة

 

آيات القرآن الكريم مفاتيحٌ للمعرفة، يُمكن للإنسان عبرها الوصول الى معارف أخرى لو استخدمها  وفتح أقفال المعرفة، فهي بابٌ من العلم يُفتح منه ألف باب.

فحينما يقول ربّنا تعالى: [قُلْ سيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْق][1]

لابدّ لنا من التحرّك تطبيقاً للآية الكريمة، وهكذا نجد أنّ غير المسلمين طبقّوا تارة آية واحدة من كتاب ربّنا المجيد فتقدّموا في بعض الأبعاد، ولو كنّا نحن نتدّبر في آيات الكتاب الحكيم ونأخذها كخريطة عمل، إذن لاكتشفنا الكثير من الحقائق.

ليس في المجال العلمي فحسب بل حتّى فيما يرتبط بمعرفة الرب المُتعال و سُننه وأحكامه، لابدّ من اعتبار الآيات مفاتيح للوصول الى المعارف.

في ستة أيام

يقول ربّنا عزّ وجلّ: [هُوَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ]

ترِد كلمة الأرض في القرآن الكريم عادة بصيغة المفرد وكلمة السماوات بصيغة الجمع، ذلك لأنّ السماوات عديدة، وفي العلم الحديث اليوم يتحدّثون عمّا يصعب ادراكه من سِعة السماوات وعظمتها.

لكنّ السؤال عن معنى قوله: [فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ] ولماذا كان الخلق فيها والحال أنّ الباري عزّ وجلّ أمره بين الكاف النون؟

يعتقد اليهود أنّ الله تعالى بدء الخلق في يوم الأحد و استمر الى يوم الجمعة وسبَت اليوم الأخير واستراح فسُمّي (السبت) واعتقدوا مع ذلك أنّ يدُ الله أصحبت مغلولة غُلّت ايديهم وتعالى الله عمّا يصفون.

لكنّ الصحيح أنّ اليوم في اللغة العربية يعني بُرهة من الزمان وليس يعني اربع وعشرون ساعة وقوله تعالى: [سِتَّةِ أَيَّامٍ] أي في ستة قطع من الزمان، لا نعلم مقدارها بالضبط.

فاليوم قد يكون بساعات الدُنيا أو الآخرة وقد يعني مليار سنة!

رسالة الزمان

يقول ربّنا تعالى في سورة الروم:[ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَ أَجَلٍ مُسَمًّى][2]

الباء في قوله [بِالْحَقِّ وَ أَجَلٍ مُسَمًّى]

امّا أن تكون للمعيّة، او أن تكون سببيّة، و بالتأمّل نجد أنّ كلا المعنيين صحيحٌ، لأنّ الزمان هو الجزء الذي لا ينفك من كلّ الموجودات، فهو جُزءٌ من ماهية الشيء، وفي كلّ آن يشملنا الرب المُتعال بالطافه فيكون به وجودنا ووجود الخلائق، أرأيت ضوء المصباح كيف تمدّه الطاقة الكهربائية ولو انقطعت عنه للحظات لانطفأ وخمد نوره، ربّنا المتعالي عن الأمثال لو أنّه لم يمدّ الخلائق بنور الوجود في لحظة من الزمان واقل لانعدم كلّ الوجود.

وهذا  المعنى نجد ذكره غير مرّة في الآيات والروايات وهو قولنا في الصلاة [بحول الله وقوّته اقوم واقعد].

و جاء في الحديث عن بكير قال سمعت أمير المؤمنين عليه السلام يقول قال لي رسول الله صلّى الله عليه وآله: «يا علي ألا أعلمك كلمات إذا وقعت في ورطة أو بلية فقلبسماللهالرحمنالرحيم‏* و لا حولو لا قوة إلا بالله العلي العظيم فإن الله عز و جل يصرف بها عنك ما يشاء من أنواع البلاء[3]

وفي بعض الروايات أنّه أقرب اسم للإسم الأعظم.

فكلّ الخلائق قائمة بالله المُتعال في كلّ لحظة و زمان وهذه الرسالة الأولى من الآية.

الزمان نهر جاري

اذا كان الزمان كالنهر الجاري نحو الفناء فعلينا اغتنام كلّ لحظة منه بأفضل ما يكون، يقول أمير المؤمنين عليه السلام:

«من كانت مطيتهالليلو النهار فإنه يسار به و إن كان لا يسير»[4].

فنحن قد ركبنا في قطار العُمر وهو يسير بنا، شئنا ام ابينا، وعينا ام كنّا من الغافلين!

الامام امير المؤمنين عليه السلام يقول: «نفس المرء خطاهإلىأجله‏»[5]

وجاء عن الامام الحسن عليه السلام قوله: «يا ابن آدم إنما أنتأياممجموعة كلما ذهب يوم ذهب بعضك‏»[6]

و هكذا كان دأب الأولياء والصالحون أنّهم يغتنمون فرصة حياتهم بأفضل ما يكون فكانوا يداومون ذكر الله تعالى، وتراهم يجتهدون في العبادة، ويعرضون عن اللغو، لأنّهم عرفوا حقيقة الزمان.

[ثمُ اسْتَوَىعَلىَ الْعَرْشِ]

و هو رمز القدرة و الملك و التدبير، يحمله أربعة من الملائكة المقربين، و اليه يستوي الملائكة يتلقون أوامر اللّه لهم، و استواء اللّه عليه يعني سلطته، و انه يهيمن على الخليقة و يدبّرها، و لكن ليس تدبيرا اعتباطيا، بل حكيما قائما على أساس علمه بكل شي‏ء.

[يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فىِ الْأَرْضِ وَ مَا يخَرُجُ مِنهْا وَ مَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَ مَا يَعْرُجُ فِيهَا]

قد تعني البذور التي تلج في الأرض، أو الاشعة التي تنزل الى الأرض، أو من يموت فيُدفن في الأرض، لكنّ الأرجح أنّ المسألة اعمق من ذلك، لاطلاق، فكلّ قطرات الماء او ذرّات الهواء أو الطاقة والاشعة وبمقداره الدقيق هو في علم ربّنا تعالى، وهكذا ما يخرج منها من نبات و كذلك كلّ شي‏ء ينزل من السماء أو يصعد إليها من ملائكة اللّه و أعمال العباد.

[وَهُوَ مَعَكمُ أَيْنَ مَا كُنتُمْ]

جاء شخص الى الامام الحسین علیه السلام فقال: أنا رجل عاص و لا أصبر عن المعصية فعظني بموعظة فقال عليه السلام «افعل خمسة أشياء و أذنب ما شئت فأول ذلك لا تأكل رزق الله و أذنب ما شئت و الثاني اخرج من ولاية الله و أذنب ما شئت و الثالث اطلب موضعا لا يراكاللهو أذنب ما شئت و الرابع إذا جاء ملك الموت ليقبض روحك فادفعه عن نفسك و أذنب ما شئت و الخامس إذا أدخلك مالك في النار فلا تدخل في النار و أذنب ما شئت[7]

و ربنا ليس فقط عليم بظاهر خلقه، بل هو بصير أيضا بباطنهم، ينفذ علمه الى لطائف الأمور و مغيباتها:

[ وَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ]

يعلم ظاهر العمل، كما يبصر صاحبه، و يعلم الدوافع الحقيقية عنده، فقد يكون ظاهره الصلاح و لكنّ باطنه الرياء و حبّ الشهرة و المصلحة، و يكفي بهذه الآية أن تدفعنا إلى المزيد من العمل الصالح.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة العنكبوت, الآية20.

[2] سورة الروم, الآية8.

[3]الكافي (ط – الإسلامية)، ج‏2، ص: 573

[4] تحف العقول ص77.

[5]نهج البلاغة (للصبحي صالح)، ص: 480

[6]شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج‏6، ص: 236

[7]بحار الأنوار (ط – بيروت)، ج‏75، ص: 126