تدبرات في سورة (الحديد) شهر رمضان المبارك / 1439 هـ – (السادس)

23/05/2018 نشر في: المحاضرات والدروس، تقريرات التدبر في القرآن، سورة الحديد

بسم الله الرحمن الرحيم

 

((لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ  وَ إِلىَ اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ(5)يُولِجُ الَّيْلَ فىِ النهَّارِ وَ يُولِجُ النهَّارَ فىِ الَّيْلِ  وَ هُوَ عَلِيمُ  بِذَاتِ الصُّدُورِ(6)ءَامِنُواْ بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ أَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكمُ مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ  فَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكمُ وَ أَنفَقُواْ لهَمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ(7)))

صدق الله العلي العظيم

(سورة الحديد المباركة)

 

له مُلك السماوات والأرض

الظاهر من الآيات الشريفة هو التحدّث عن الانفاق، وحيث أنّ الإنفاق هو أحد علائم الايمان والتي يصعب العمل به، من هُنا يُمهّد القرآن الكريم الحديث ببيان بعض الحقائق من أجل تربية الإنسان على الإنفاق.

لكن باطن الآيات الشريفة لها أبعاد أخرى، إذ أنّ القرآن الكريم ظاهره حُكمٌ وباطنه علم، و علينا أن ننفذ الى باطنه مع استيعاب ظاهره.

وقبل ذكر البصيرة التي استفيدها من الآيات الشريفة نذكر بعض التمهيدات:

المالكية لله

للمالكية درجات، اولها هي تسخير الطبيعة للبشر كما يقول عزّ وجلّ: [أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ وَ الْفُلْكَ تَجْري فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَ يُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحيم][1]

أمّا الدرجة الثانية فهو المُلك الاعتباري للانسان على الأشياء، لكنّ المالكية المُطلقة فهي لله تعالى ولهذه المالكية عدّة دلائل:

اولاً: قوله سبحانه وتعالى: [ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ  يحُيىِ وَ يُمِيتُ][2]، لأنّه تعالى يُحيي ويُميت فهو المالك، ولو ملك الإنسان الملايين لكن بموته ينقطع عن كلّ ما يملك فالمالكية المطلقة هي لمن يُحيي ويُميت.

ثانياً: قوله سبحانه وتعالى: [لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ  وَ إِلىَ اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ][3]، فدليل المالكية هي أنّ كلّ شيء يعود له تعالى.

ثالثاً: قوله تعالى: [يُولِجُ الَّيْلَ فىِ النهَّارِ وَ يُولِجُ النهَّارَ فىِ الَّيْلِ] هو الله الذي يتحّكم في الليل والنهار.

الى الله ترجع الامور

من البصائر التي نستفيدها من قوله تعالى: [وَإِلىَ اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ] هي تفويض الأمر الى الباري عزّ وجلّ، وجاء في الحديث الشريف أنّه سُئل أمير المؤمنين عليه السلام بماذا عرفت ربك؟ قال: «بفسخ العزائم و منع الهمة لما أن هممت بأمر فحال بيني و بين همتي و عزمت فخالف القضاء عزمي علمت أن المدبر غيري[4]

وما دام البشر يعلم أنّ التدبير بيد غيره، وما فوّض اليه إنّما كان بسبب الامتحان، يطمئن قلبه، و بذلك يتخلّص الانسان من الوان الخوف والقلق والاضطرابات النفسية، ويتسامى الإنسان حتّى يصل الى قول ابراهيم الخليل وهو بين السماء والأرض: «حسبي من سؤالي علمه بحالي».[5]

جعلوا لكلّ حقٍ باطلا

الامم حينما تُغلق على نفسها أبواب العلم والرحمة، تجد الأفكار المنحرفة تسودها، وهو ما ابتلي به اليهود والنصارى، وابتلت به الكثير من المذاهب الاسلامية، فما من نبيٍ جاء الّا وكان في مقابلهم افكار مُنحرفة  في قالب قريب من الدين قالها ابالسة الجنّ والانس!

فالدين الحنيف قال بأنّ الرب خلقنا، وقالوا وَلَدَ الله، وتعالى الله عمّا يصفون.

وقال الدين الحنيف أن الله تعالى بكلّ شيء عليم، وقالوا أنّ الله عالمٌ بنفسه فحسب!

وقال الدين أنّ الله على كلّ شيء قدير، وقالوا يدُ الله مغلولة.

وهكذا جعلوا لكلّ حقٍ باطلا ولكلّ قائمٍ مائلا.

وحينما انحرفت الأمم عن اتباع اوصياء انبياءهم، وحينما انحرفت الامّة الاسلامية عن المسار الصحيح الذي وُضع لها، جعلوا مصدر علمهم من الفلسفات التي كانت في الواقع الوجه النقيض لهُدى الوحي، ومن هُنا تجد أنّ الحكومات الجائرة هي التي اهتمّت في ترجمة مثل هذه الافكار في الأمّة الاسلامية، وجعلت تُرمّز لأشخاص في مقابل الائمة الاطهار عليهم افضل الصلاة والسلام.

بل يداه مبسوطتان

ومن ذلك قول اليهود: [وَ قالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَة] حيث واجهها القرآن الكريم وفنّدها بقوله: [غُلَّتْ أَيْديهِمْ وَ لُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاء][6]

وهذا هو الحدّ الفاصل بين الايمان والشرك، وبين ولاية الله تعالى وولاية الشيطان، فالاعتقاد بأنّ يد الله مغلولة يعني عدم الايمان بالمُعاجز، و عدم تأثير الدعاء، وهكذا يعني عدم تغيّر الواقع، لكن الايمان بأنّ يداه مبسوطتان يعني الايمان بقدرته تعالى والايمان بنصرته تعالى حيث يقول: [وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزيزٌ][7].

كثير من الآيات القرآنية تدلّنا على هذه الحقيقة وبايمان الانسان بربّه تراه يطمئن الى أن التدبير والتقدير بيده تعالى.

[يُولِجُ الَّيْلَ فىِ النهَّارِ وَ يُولِجُ النهَّارَ فىِ الَّيْلِ]

فاذا ولج أحدهما في الآخر أخذ منه و استطال عليه، و هذا التناقص و التزايد المستمر و المتقابل في الحركة اليومية للأرض حول نفسها و بسبب حركتها حول الشمس ينتهي الى تبدّل الفصول، فاذا بالليل يلج في النهار الى الأقصى في منتصف الشتاء، بينما يلج النهار الى الأقصى في منتصف الصيف، و يتعادلان في الربيع و الخريف تقريبا.

[وَ هُوَ عَلِيمُ  بِذَاتِ الصُّدُورِ]

إنّ علمه لا يقف عند ما يظهره الإنسان دليلا على ما في قلبه، و علامة على نيته، إنّما ينفذ الى ذات الصدور نفسها، و لعلّ سائلا يقول: ما هي العلاقة بين شطري الآية، أو بتعبير آخر: ما هي علاقة إيلاج الليل في النهار و العكس بعلم اللّه ما في الصدور؟ و الجواب: إنّ الاثنين يحتاجان الى اللطف و العلم و الحكمة، ثم أنّه تعالى لا يشغله شأن عن شأن، فتدبيره لشؤون الكون لا يصرفه عن علم أدقّ الأمور، إنّما يهيمن على كل شي‏ء، و ذلك يسير على اللّه .. كما تحتمل الآية ردّا على الذين قالوا بأنّ اللّه تفرّغ للأمور الكبيرة كحركة الكواكب و الأرض و فوض سائر الشؤون الى خلقه.

ثم يقول ربّنا تعالى: [ءَامِنُواْ بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ أَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكمُ مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ]

فالشطر الثاني يُكمّل الأوّل فمن يؤمن بالله تعالى، بأنّه الذي يولج الليل في النهار وهو له ملك السماوات والأرض حينذاك يسهل عليه تطبيق قوله تعالى: [وَ أَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكمُ مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ].

لأن زكاة المال تنمية للمال وتطهيراً له.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة الحج، الآية65.

[2] سورة الحديد، الآية2.

[3] سورة الحديد، الآية5.

[4] روضة الواعظين و بصيرة المتعظين (ط – القديمة)، ج‏1، ص: 30

[5] بحار الأنوار (ط – بيروت)، ج‏68، ص: 156

[6] سورة المائدة، الآية 64.

[7] سورة الحج، الآية40.