تدبرات في سورة (الحديد) شهر رمضان المبارك / 1439 هـ – (السابع)

25/05/2018 نشر في: المحاضرات والدروس، تقريرات التدبر في القرآن، سورة الحديد

بسم الله الرحمن الرحيم

 ((ءَامِنُواْ بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ أَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكمُ مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ  فَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكمُ‏ْ وَ أَنفَقُواْ لهَمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ))

صدق الله العلي العظيم

(سورة الحديد المباركة)

 

آمنوا بالله ورسوله

عند التدّبر في الآيات المُباركات من سورة الحديد, يقدح في الذهن سؤال عن المُخاطَب في قوله تعالى:[ ءَامِنُواْ بِاللَّهِ], و أيضاً قوله تعالى: [لِتُؤْمِنُواْ بِرَبِّكمُ‏] هل الخطاب موجّه الى المؤمنين فهو تحصيل حاصل لأنهّم مؤمنون، أم هو موجّه لغير المؤمنين فهو غير جائز لأنّ الأمر يلزم المؤمن فقط؟

والجواب أولاً أنّ الإيمان درجات, فالخطاب للمؤمنين ليرتقوا في درجات الايمان, وقد تكون الآية اشارة الى أنّ اكثر الناس ليسوا بمؤمنين حيث يقول ربّنا تعالى: [قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَ لَمَّا يَدْخُلِ الْإيمانُ فيقُلُوبِكُمْ].[1]

لأنّ الوصول الى درجة الايمان بحاجة الى تكامل عظيم في شخصية الانسان, وهكذا علينا الوصول الى درجة الايمان, يقول ربّنا تعالى:

[ءَامِنُواْ بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ أَنفِقُواْ]

ويبدوا أن هناك ترابطً وثيقاً بين الإنفاق وبين الايمان حيث أنّ شرط الوصول الى الايمان هو الانفاق, لماذا؟

لأنّنا لو تأمّلنا سنجد أنّ موانع الايمان كالهوى وحُبّ الدُنيا أو ما أشبه, إنّما يتخلّص الانسان منها بالإنفاق.

معنى الانفاق

ولا يعني الانفاق اعطاء المال في سبيل الله فحسب, بل يعني أن يُنفق الانسان ما اعطاه الله سواءاً كان مالاً او جاهاً او علماً او قدرة, يقول تعالى: [وَ يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْو][2]

أي الزيادة, فالعطاء المطلوب من الانسان هو ليس قوامُ معيشته بل الزيادة التي اعطاها الله اليه, ولو تأمّلنا سنجد أن الرب المُتعال قد أعطى للبشر النِعَمِ الكثيرة التي لا يشعر بها, ولا يستفيد منها, وبالتالي لا يُنفقها في سبيل الله.

لم يبق الّا كتفها

رُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ( صلى الله عليه و آله ) ذَبَحَ شَاةً عند احدى زوجاته، فَاطَّلَعَ عَلَيْهَا فُقَرَاءُ الْمَدِينَةِ، فَجَاءُوا وَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ( صلى الله عليه و آله )، وَ كَانَ يُعْطِيهِمْ، فَلَمَّا دَخَلَ اللَّيْلُ لَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا كتفها، فأخبرته بذلك زوجته قائلة يا رسول الله, لَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا كتفها.

فَقَالَ ( صلى الله عليه و آله ): “قُولِي بَقِيَ كُلُّهَا إِلَّا كتفها.

وهكذا يتطهّر القلب بالإنفاق في سبيل الله, فالإنفاق طريق الايمان, فلو رأى الانسان في ايمانه ضعفاً فليُنفق في سبيل الله بما يستطيع حتّى لو كان الانفاق اماطة الأذى عن الطريق, أو عيادة مريض, أو حتّى الكلمة الطيّبة, فكلّها صدقات يُطهّر قلب الانسان.

خُذ من أموالهم صدقة

البصيرة الأخرى التي نستفيدها من الآية في قوله تعالى : [ءَامِنُواْ بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ أَنفِقُواْ] حيث جعل الرب تعالى الايمان بالرسول مقارناً بالايمان به, وفي آية أخرى يقول تعالى: [خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ بِها وَ صَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَ اللَّهُ سَميعٌ عَليمٌ].[3]

وسبب ذلك أنّ الأمّة الإسلامية, أمةٌ يسودها التنظيم, وكما يقول أمير المؤمنين عليه السلام: «أوصيكما وجميع ولدي وأهلي ومن بلغه كتابي بتقوى الله ونظم أمركم»[4]

فبدءاً من اطار الأسرة والى الأقارب و مروراً بالتكلتّلات التي هي في قالب هيئات والروابط, والى الأطر الأخرى, وتأكيد التشريع الاسلامي على الاجتماع المُستمر, في صلاة الجماعة او الحج او ما اشبه, كلّ ذلك يدلّ على أنّ الأمّة الاسلامية أمّة يسودها التنظيم, والدولة لا تكون بديلاً عن الامّة في كلّ حال.

والمحور في ذلك التنظيم يبدء من الايمان بالنبي (ص) والطاعة له, كما يقول الرب تعالى: [وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ][5].

و بعد النبي صلّى الله عليه وآله فالطاعة للامام اميرالمؤمنين والائمة المعصومين, لأنّه من دون ذلك لا بقاء للامّة الاسلامية.

و بعد الائمة عليهم افضل الصلاة والسلام فالطاعة للعلماء الربّانيين وتأييدهم.

و الانفاق أحد الابعاد الترابط للمجتمع الاسلامي وارتباطه بالقيادة الربّانية يُقرّب المجتمع من تحقيق الاهداف الالهية.

ثمّ يقول الباري عزّ وجل: [فَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكمُ‏ْ وَ أَنفَقُواْ لهَمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ]

فوائد الانفاق

اوّل فوائد الانفاق هو تجدّد الروح وتطهيرها كما اشرنا لأنّ من ينفق في سبيل الله فإنّه يشعر بالراحة القلبية.

ثانياً: تطهير الأموال, فالانسان لا يطئمن تماماً بنقاوة الأموال التي يستحصلها, و بالإنفاق يُطهّر هذه الأموال.

ثالثاً: هو حِفظ العدالة في المجتمع, لأنّنا نعلم وجود الفقراء والمُستحقّين, وبالإنفاق يصِل الانسان الى تحقيق العدالة.

أَجْرٌ كَبِيرٌ

ولمن يُنفق في سبيل الله أجرٌ كبير فمن وضع لبنة في مسجد, فله اجرٌ من كلّ صلاة عبادة تقام فيه.

و اجرٌ كبير أيضاً بتكامل الايمان, فالصلاة بعد الانفاق اكمل من قبله, واجرها اكثر أيضاً.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــت

 [1] سورة الحجرات, الآية14.

[2] سورة البقرة, الآية 219.

[3] سورة التوبة, الآية 103.

[4]  نهج البلاغة، ص 977

[5] سورة النساء, الآية 64.