تدبرات في سورة (الحديد) شهر رمضان المبارك / 1439 هـ – (الثامن)

26/05/2018 نشر في: المحاضرات والدروس، تقريرات التدبر في القرآن، سورة الحديد

بسم الله الرحمن الرحيم

((هُوَ الَّذِى يُنزَّلُ عَلىَ‏ عَبْدِهِ ءَايَاتِ  بَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَكمُ مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلىَ النُّورِ  وَ إِنَّ اللَّهَ بِكمُ‏ْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ(9)وَ مَا لَكمُ‏ْ أَلَّا تُنفِقُواْ فىِ سَبِيلِ اللَّهِ وَ لِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ  لَا يَسْتَوِى مِنكمُ مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَ قَاتَلَ  أُوْلَئكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُواْ مِن بَعْدُ وَ قَتَلُواْ  وَ كلاُّ وَعَدَ اللَّهُ الحْسْنىَ‏  وَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ(10)))

صدق الله العلي العظيم

(سورة الحديد المباركة)

 

لِّيُخْرِجَكمُ مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلىَ النُّورِ 

في سياق حديث القرآن الكريم عن الإنفاق فإنّه يُحدّثنا عن سبب الإنفاق, ذلك أنّ الإنفاق كما مر يقتضي تجاوز الإنسان عقبات نفسية عديدة, ومن هُنا يُبيّن لنا ربّنا أبعاد مُختلفة عن أهميّة الإنفاق وفي عدّة آيات قرآنية ليفتح الانسان اقفال قلبه.

ومن ذلك هو حاجة الإنسان الى النظام, وقد جعل الرب سبحانه وتعالى الرسول محور هذا النظام, وقد أخذ الميثاق من الناس ليؤمنوا بالرسول, وايمان الناس بالرسالة يقتضي اطاعتهم لأوامره ليخرجهم من الظلمات المُختلفة الى النور, فالانفاق ليس بدعاً من الأوامر الالهية, فهو حلقة في سلسلة التشريعات الالهية للخروج من ظلمات الجاهلية الى نور الاسلام.

ولو تأمّلنا سنجد الإنفاق, سبب مهم لسيادة الأمن والرضا, كيف؟

لو تصفّحنا التاريخ سنجد أنّ الأمم التي ساد فيها الطبقية, والإستئثار المالي, انتج ثورات وحروب, فالإنفاق و بأيّ صورة من صوره في الواقع يعود بالنفع على الإنسان نفسه, ورُبّما الذي أنفقت عليه اليوم, سيعود بالإنفاق عليك بصورةٍ من الصور.

بين المُنفق والمُعطي

يُنقل أنّ الميرزا حسن الشيرازي وهو من كبار علماءنا في سامراء, جاءه أحد الأغنياء من مُقلّديه حاملاً معه الحقوق الشرعية, لكنّ وصوله الى بيت الميرزا كان متأخّراً, فاضطرّ الى المبيت في المدينة ليلتقي بالميرزا في الصباح, وحين التقاه سأله الميرزا عن مبيته في سامراء, فأجابه قائلاً, لم استطع النوم..فالفقراء اجتمعوا على بابي وكلّ واحدٍ منهم كان له حاجة, وكنت اساعده بها فلم استطع النوم, فقال له الميرزا, اشكر الله أن جعلهم يصطفّون ببابك ولم يجعلك تطرق أبوابهم!

يقول تعالى: [هُوَ الَّذِى يُنزَّلُ عَلىَ‏ عَبْدِهِ آيَاتِ  بَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَكمُ مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلىَ النُّورِ]

فالرب المُتعال يريد أن يستبدل  مجتمع المصالح و الأنانيات والأهواء, الى مجتمع الإيثار والمحبّة والتعاون, كما حوّل المجتمع الجاهلي الذي كان شعارهم الخوف ودثارهم السيف, ويعيشون الحروب و الغارات بشكل مستمر, فجاء الاسلام ليكرّس الأمن في المجتمع, ولابدّ لأبناء المجتمع أن يتحمّلو مسؤوليتهم في بسط الأمن, ليس فقط في الإنفاق العسكري وتجهيز الغُزاة والمجاهدين بل وأيضاً بالإنفاق الذي يعمّ به الرضا لأبناء المجتمع.

وفي عالم اليوم وحسب الاحصائيات أنّ 4% من الأمن تفرضه السلطات والاجهزة الأمنية, وفي المقابل 96% يؤمنّه الناس أنفسهم.

[وَ إِنَّ اللَّهَ بِكمُ‏ْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ]

ولأنّه الله بكم رؤوف رحيم فهو يريد لكم سعادة الدارين.

وَ مَا لَكمُ‏ْ أَلَّا تُنفِقُواْ

ثم يقول ربّنا:[وَ مَا لَكمُ‏ْ أَلَّا تُنفِقُواْ فىِ سَبِيلِ اللَّهِ وَ لِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ]

كلّ شيء في الكون جاء من الله وسيعود اليه, ولو أنّ الإنسان أنفق شيء في سبيل الله فإنّه أبقى لنفسه النعمة, لكنّ جشع الانسان و جوع روحه تدفعه لجمع المزيد من الأموال, وعدم انفاقها في سبيل الله.

السابقون السابقون

في عدّة آيات يُحدثّنا القرآن الكريم عن السبق, كما في قوله تعالى: [وَ السَّابِقُونَ السَّابِقُونَ(10)أُوْلَئكَ الْمُقَرَّبُونَ(11)][1]

ذلك أنّ الكثير من الناس لم يرتقي ايمانهم لدرجة السبق, فهم ينتظرون غيرهم من أجل اللحوق بهم.

لكنّ المؤمن يستبق الخيرات لأنّه يعمل ببصيرته, ولا ينتظر الناس يقول الرب المتعال: [لَا يَسْتَوِى مِنكمُ مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَ قَاتَلَ].

فلا يستوي من أنفق قبل النصر ممّن أنفق بعده ممّا يدلّ على سبق هؤلاء.

أنفق وقاتل

الحديث عن الانفاق في القرآن الكريم يُقارن بالقتال لأنّ الانفاق نوع من الجهاد, فهو جهاد مع النفس وهكذا لو لم يوجد انفاق لا يوجد جهاد, وفي كثير من الأحيان قُدّم ذكر الانفاق عن الجهاد.

أُوْلَئكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً

يقول ربّنا تعالى : [أُوْلَئكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُواْ مِن بَعْدُ وَ قَتَلُواْ  وَ كلاُّ وَعَدَ اللَّهُ الحْسْنىَ]

و لكن لا ينبغي أن يكون هذا التفاضل سببا للتعالي عند فئة، و لا لليأس و الاحساس بالضعة عند الأخرى، كما لا يعني أن اللاحقين لا حظّ و لا فضل لهم، كلّا ..

وَ كُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى‏ يعني الجنة و الرضا و الجزاء

وإنّما فضّل الله السابقين لأنّهم تجاوزوا عقبات عديدة من أجل الوصول الى الإنفاق, منها:

اولاً: العقبات الاجتماعية, حيث أنّ السابقين تجاوزا العقبات الاجتماعية كما كان امير المؤمنين عليه السلام حيث كان سيد السابقين فكان اوّل القوم اسلاماً و أقدهم ايماناً.

ثانياً: عقبة النفس, حيث أنّ السابقين يتحمّلون ألوان التعذيب والتشريد في سبيل الله تعالى واعلاءاً لكلمته.

و من هنا فدرجات السابقين أعظم درجة, [وَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ]

إذا لم نكن من السابقين فلنُخلص النية لله تعالى من أجل اللحوق بهم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة الواقعة, الآية10-11.