تدبرات في سورة (الحديد) شهر رمضان المبارك / 1439 هـ – (التاسع)

26/05/2018 نشر في: المحاضرات والدروس، تقريرات التدبر في القرآن، سورة الحديد

بسم الله الرحمن الرحيم

((مَّن ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَ لَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ(11) يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى‏ نُورُهُم بَينْ‏َ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمَانِهِم بُشْرَئكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تجَرِى مِن تحَتهِا الْأَنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَالِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ))

صدق الله العلي العظيم

(سورة الحديد المباركة)

 

قرضاً حسناً

بعد حديث القرآن الكريم عن الإنفاق, ينتقل السياق القرآني ليتحدّث عن (القرض) بقوله تعالى: [مَّن ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا].

فهل هو تأكيد لما سبق أم تأسيس لتشريع جديد؟ قبل التأمّل في الآية الشريفة نُبيّن بعض المقدمات

أولاً: من وساوس الشيطان للإنسان حين ارادته فعل اعمال كبيرة, هو ايهامه بأنّه لا يستطيع, بخلاف الآيات القرآنية التي تُعطي للإنسان الأمل, فتُبيّن أنّه يستطيع أن يكون في مقعدِ صدقٍ عند مليك مُقتدر, وأنّك تتسامى لتكون أعلى من الملائكة, حتّى يباهي الله به الملائكة فقد جاء في الحديث عن النبي (ص) أنّه قال: «يا أبا ذر إن ربك عز و جل يباهي‏ الملائكة بثلاثة نفر رجل يصبح في أرض قفر فيؤذن ثم يقيم ثم يصلي فيقول ربك عز و جل للملائكة انظروا إلى عبدي يصلي و لا يراه أحد غيري فينزل سبعون ألف ملك يصلون وراءه و يستغفرون له إلى الغد من ذلك اليوم و رجل قام من الليل فصلى وحده فسجد و نام و هو ساجد فيقول الله انظروا إلى عبدي روحه عندي و جسده ساجد و رجل في زحف فيفر أصحابه و يثبت هو يقاتل»‏[1]

وهكذا حين تلاوتنا  الآيات القرآنية علينا أن لا نصغى لوسوسة الشيطان, بل علينا الاعتقاد كما وعد ربّنا أنّنا نستطيع تطبيق الآيات الكريمة.

ثانياً: بالنسبة الى الأعمال الكبيرة, على الإنسان فعلها ولو لمرّة واحدة, وحين يفعل ذلك يجابه وسوسة الشيطان, بأنّه لو فعل الخير مرّة واحدة, فإنّه يستطيع تكرار ذلك العمل.

ثالثاً: الحديث في الآية الشريفة عن القرض الحسن, وتعبير القرآن الكريم بقوله تعالى: [مَّن ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اللَّهَ] يدلّ على أنّ هذه الفرصة مُتاحة للجميع.

شروط القرض الحسن

شروط ثلاثة للقرض الحسن, اولها: هو النية الخالصة, فقد جاء في الحديث عن النبي صلّى الله عليه وآله أنّه قال: «إنما الأعمال‏ بالنيات‏ و إنما لامرئ ما نوى‏».[2]

لأنّ النية في كلّ عمل يُعطي صبغةً للعمل, فما هو الهدف من الإنفاق, واخلاص النيّة هو الشرط الأوّل للقرض الحسن.

ثانياً: أن المال الذي يُنفقه في سبيل الله من الحلال, فقد جاء في الحديث الشريف عن النبي صلّى الله عليه وآله : ‏ «إن‏ الله‏ طيب‏ و لا يقبل إلا الطيب‏»[3]

ثالثاً: الإنفاق من أفضل ما لدى الإنسان حيث يقول ربّنا تعالى: [لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَ ما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْ‏ءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَليمٌ][4]

وبالرغم من صعوبة هذه الشروط الّا أنّ اجرها العظيم يدفع الانسان نحوها, وهذه الآية لا تتحدّث عن الحقوق الواجبة على الانسان كالخُمس والزكاة, كما ورد في الحديث عن ابي عبد الله عليه السلام أنّه قال:«إنّ اللّه لم يسأل خلقه ما في أيديهم قرضا من حاجة به الى ذلك، و ما كان للّه من حق فانّما هو لوليّه»[5].

 [فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَ لَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ]

ولخلوص نيّة العبد في العطاء ربّنا تعالى يضاعفه له ويعطيه اجرٌ كريم أي أنّه مع العطاء المادّي, ربّنا تعالى يهب عبده عطاءً بما يجعل سعيهم مشكوراً كما يقول ربّنا تعالى في سورة الانسان: [إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَ كانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً].[6]

بشراكم اليوم

و جزاء اللّه و أجره لا ينحصر في الدنيا، ففي الآخرة يكون الجزاء الأعظم و الأعم: [يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى‏ نُورُهُم بَينْ‏َ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمَانِهِم بُشْرَئكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تجَرِى مِن تحَتهِا الْأَنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَالِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ]

من دقائق التعبير هنا قوله تعالى وَ الْمُؤْمِناتِ دون ان يكتفي بذكر المؤمنين التي هي لغة القرآن الشاملة للجنسين، و ذلك لكي لا تتصوّر النساء أنّ الإنفاق و الجهاد في سبيل اللّه من وظائف الرجل وحده، كلّا .. فهنّ مكلّفات بقدرهنّ أيضا، و من الخطأ أن تعتمد المرأة على ما يقدّمه وليها أو أقرباؤها، فلكل عمله و سعيه، و نوره و جزاؤه يوم القيامة.

المُخاطب في الآية قد يكون النبي (ص) وقد يكون جميع الناس حيث أنّهم سيكونون في عرصة واحدة, و في حال أنّ الظلمات تعمّ المحشر, ينظر الناس نوراً من طرف المحشر المؤمنين يسعى نورهم بين ايديهم, أي يتحرّك امامهم , وبأيمانهم, لأنّ كتابهم بيمينهم يُنوّر لهم.

[بُشْرَئكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تجَرِى مِن تحَتهِا الْأَنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا]

والملائكة يُبشّرونهم بجنّات وهذه من أفضل نعم الجنة، نعيم دائم و حياة أبديّة.

[ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ] حيث الخلاص من جهنّم، و الوصول إلى أعظم تمنّيات الإنسان ألا و هي الخلود، و كلّ إنسان يشعر في نفسه كم ينغّص الخوف من الموت و النهاية عيشه و سعادته، و قد ضمن اللّه الخلود للمؤمنين.

[1] مجموعة ورام، ج‏2، ص: 60

[2] دعائم الإسلام، ج‏1، ص: 4

[3] عوالي اللئالي العزيزية في الأحاديث الدينية، ج‏2، ص: 70

[4] سورة آل عمران, الآية92.

[5] نور الثقلين/ ج 5 ص 239

[6] سورة الانسان, الآية22.