تدبرات في سورة (الحديد) شهر رمضان المبارك / 1439 هـ – (العاشر)

27/05/2018 نشر في: المحاضرات والدروس، تقريرات التدبر في القرآن، سورة الحديد

بسم الله الرحمن الرحيم

((يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَ الْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُواْ وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُواْ نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابُ  بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَ ظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ(13)يُنَادُونهَمْ أَ لَمْ نَكُن مَّعَكُمْ  قَالُواْ بَلىَ‏ وَ لَاكِنَّكمُ‏ْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَ تَرَبَّصْتُمْ وَ ارْتَبْتُمْ وَ غَرَّتْكُمُ الْأَمَانىِ‏ُّ حَتىَ‏ جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَ غَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ))

صدق الله العلي العظيم

(سورة الحديد المباركة)

 

انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ

كفى بهذه الآيات من سورة الحديد واعظاً, لو أنّ الإنسان تأمّلها, لأنّ أهمّ هدف لابدّ للإنسان أن يتخذّه في حياته هو الخلاص من نار جهنّم كما يُعلّمنا الامام الحسين عليه السلام في دعاءه يوم عرفه حيث يقول: «اللهم حاجتي التي إن أعطيتنيها لم يضرني ما منعتني، و إن منعتنيها لم ينفعني ما أعطيتني، أسألك خلاص رقبتي من النار».[1] فمن زُحزح عن النار وأدخل الجنّة فقد فاز, وذلك الفوز العظيم.

بعد أن بيّن ربّنا الجزاء العظيم لمَن يُقرض الله قرضاً حسناً وينفق في سبيله, يُبيّن بالمقابل جزاء المنافق حيث يقول تعالى:

[يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَ الْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ]

أي انتظرونا حتى نستضي‏ء بنوركم, و هذه الآية لا تخصّ يوم القيامة، إنّما تنفعنا في الدنيا أيضا، و ذلك بأن نعلم بأنّها الفرصة الوحيدة التي يمكن فيها التغيير و الرجوع عن الخطأ بالتوبة و العمل الصالح، و ربّنا ينقل لنا هذه الصورة من القيامة لنتصور واقع الحسرة فنسعى لاجتنابها و نحن في الدنيا، و لأنّ الآخرة دار الفصل فإنّ اللّه لا يدع للمنافقين فرصة للاختلاط بالمؤمنين..فبينما هم يتحدّثون:

[فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابُ  بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَ ظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ]

واحتمل بعض المُفسّرين أنّ وجود الباب في هذا السور السميك إشارة الى أنّ الرب تعالى يغفر لبعض المنافقين في ذلك الموقف و يُلحقهم بالمؤمنين ممّا يُبعد منّا اليأس من رحمة الله تعالى.

الم نكن معكم

و بعد أن يضرب السور بين الفريقين في الآخرة ينادي المنافقون المؤمنين، و النداء يختلف عن القول بأنّ القول يعني المخاطبة عن قرب، أما النداء فهو المخاطبة عن بعد، أو من وراء حجاب، و بصورت مرتفع يقصد به المنادي إسماع الطرف الآخر كلامه.

[يُنادُونَهُمْ] نداء استغاثة و حسرة.

[أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ] فكنّا نحضر الصلاة ونؤدي الواجبات.

و هناك يجيبهم المؤمنون ويُبيّنون خطوات ابليس التي اردتهم والتي قد تغوي كلّ واحدٍ منّا, [قَالُواْ بَلىَ]

اولاً: [وَلَكِنَّكمُ‏ْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ] ماذا تعني الفتنة؟ وكيف يمكن لنا التحصّن منها؟

معنى الفتنة في اللغة إدخال الذّهب النار ليُنقّى من الشوائب و لتظهر جودته من رداءته, وبهذا المعنى سُمّي الامتحان والابتلاء للانسان فتنة, لكنّ تعبير القرآن الكريم عن الفتنة يقول: [فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ] كيف؟

الأموال والأولاد, والمنصب كلّها تكون فتنة إذا لم يؤدّي الانسان حقّها, فوعي مسؤوليتنا تجاه الأولاد و معرفة أصول التربية لابدّ أن تسبق وجودهم, والّا تكن فتنة, والزواج أيضاً لابدّ من وجود معرفة اخلاقيات التعامل الصحيح والواجبات والمسؤوليات لكي لا تُصبح فتنة, وهكذا المال وكلّ الأبعاد الأخرى وبعبارة موجزة أنّ الدنيا إذا جُعلت طريقاً للآخرة فهي ممدوحة والّا فهي فتنة, والسلاح الاساسي للتحصّن من الفتنة هو العلم.

ثانياً:[ وَ تَرَبَّصْتُمْ] اكثر ما يشتكي منه اهل النار هو التسويف, ومن هنا جاءت التأكيدات المُتعددة في القرآن الكريم على المسارعة في الخيرات يقول ربّنا تعالى: [وَ سارِعُوا إِلى‏ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَ جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقينَ][2]    

ويقول أمير المؤمنين عليه السلام: «ساع‏ سريع‏ نجا و طالب بطي‏ء رجا و مقصر في النار هوى»‏[3]

كثير من الفرص وكثير من اعمال الخير, يُضيّعها الانسان بالتسويف.

ثالثاً: [وَ ارْتَبْتُمْ] بعد الفتنة والوغول في الماديات, والتسويف لأعمال الخير والمُنجيات, تبدء حالة التشكيك والارتياب لدى الانسان, لأنّ شُبهات كثيرة يُلقيها الشيطان قد تبقى بعضها في اذهاننا, وفي ساعة الامتحان تظهر للانسان لتغويه.

رابعاً: [وَ غَرَّتْكُمُ الْأَمَانىِ]

ذلك أنّ الحق واضح مبين تتلاحق أمام الإنسان آياته، و له ثقل عظيم على الواقع و منافع لا تحصى، و ينسجم مع فطرة الإنسان و سنن اللّه في الخليقة، و الانحراف عن مثل ذلك يتطلّب جهدا، و لا يكون إلّا بوسائل، و من وسائله الغرور بالأماني التي تتلاحق في وعي المنحرفين كشلّال أسود لا يكاد المبتلى به يقدر على مراجعة قراراته و التدبر في عواقب أموره.

يقول امير المؤمنين عليه السلام: «ألا و انكم فى أيام أمل من ورائه أجل فمن عمل فى أيام أمله‏ قبل حضور أجله نفعه عمله و لم يضرره أجله‏».[4]

[حَتىَ‏ جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ] أي الموت.

خامساً: [وَ غَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ]

يعني الشيطان إنسيا كان أو جنّيا. و «الغرور» صيغة مبالغة، تدلّ على أن ذلك عمله و ديدنه, ولم يذكر القرآن الكريم البُعد الخامس بشكل مُباشر بل فصل بينه بقوله [حَتىَ‏ جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ] ويعني ذلك أن ابليس الرجيم كان له دورٌ في كلّ المراحل السابقة فهو يُزيّن الشهوات من جهة و يُمنّي الانسان من جهة اخرى حتّى يُرديه في درك الجحيم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] الكافي (ط – دارالحديث)، ج‏9، ص: 33

[2] سورة آل عمران, الآية133.

[3] نهج البلاغة (للصبحي صالح)، ص: 58

[4] غرر الحكم و درر الكلم، ص: 178