تدبرات في سورة (الحديد) شهر رمضان المبارك / 1439 هـ – (الثالث عشر)

31/05/2018 نشر في: المحاضرات والدروس، تقريرات التدبر في القرآن، سورة الحديد

بسم الله الرحمن الرحيم

((وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ أُوْلَئكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ  وَ الشهُّدَاءُ عِندَ رَبهِّمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَ نُورُهُمْ  وَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَ كَذَّبُواْ بِايَاتِنَا أُوْلَئكَ أَصحْابُ الجْحِيمِ))

صدق الله العلي العظيم

(سورة الحديد المباركة)

مع الشهداء والصدّيقين

ربّنا تعالى دعانا الى الصراط المستقيم, لكن رُبّ سائلٍ يقول, ما هي نهاية هذا الطريق؟ والى أي مقام وصل من سبقنا في هذا المسير؟

يبدوا أنّ الآية التاسعة عشر من السورة تُحدّثنا عن ذلك, وبالرغم من كثرة الأقوال في هذه الآية الّا أنّني أبيّن المعنى الذي يتوافق مع السياق في السورة, وقد يكون للآية أبعاد أخرى لما في الآية من بطون.

الوصول الى مقام الصدّيقين, او الشهداء, أو على الأقل الصالحين, هو الهدف والنهاية المرجوّة التي علينا الوصول اليها, ولكن بالطبع أنّ هذه الأمنيات لو أنّ جعلها نُصب عينيه فهو يصل اليها.

وهكذا اعطى الرب المُتعال للإنسان القُدرة على اتّخاذ القرار من أجل التسامي والتعالي, والآية من سورة الحديد تدفعنا لنجعل من ذلك هدفاً لنا, يقول تعالى: [وَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ أُوْلَئكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ]

وفي آية أخرى يقول ربّنا تعالى: [مِنَ الْمُؤْمِنينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى‏ نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَ ما بَدَّلُوا تَبْديلاً].[1]

ويقول عزّ وجلّ: [وَ قُلْ رَبِّ أَدْخِلْني‏ مُدْخَلَ صِدْقٍ وَ أَخْرِجْني‏ مُخْرَجَ صِدْقٍ وَ اجْعَلْ لي‏ مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصيراً].[2]

الصدّيق هو الذي يجعل الحق مِحور قوله وفعله و مواقفه.

ثم يقول ربّنا: [وَ الشهُّدَاءُ عِندَ رَبهِّمْ]

قد تكون الواو عاطفة وقد تكون استئنافية, و الأوّل ارجح, فماذا يعني الشهداء

يقول ربّنا تعالى: [وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهيداً].[3]

الشهادة في القرآن ليست منصرفة إلى القتل بالسيف و إنّما هي تنصرف لكل من وافاه أجله مؤمنا باللّه و رسله متحملا لمسؤوليته الرسالية و هي بمعنى الشهود و الحضور و الميزان و التأثير, وهؤلاء الشهداء شفعاء يوم القيامة.

[لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَ نُورُهُمْ ]

أمّا الأجر فيتمثل في الآخرة بالجنات، أمّا في الدنيا فقد يتجلى في النظام الحياتي المتكامل بماله من معطيات حضارية كريمة. و أمّا النور فيتمثل في الآخرة بالضياء الذي يفقده الناس في المحشر، أمّا في الدنيا فهو ذلك الهدى الذي يمشي عليه المؤمن في كل حقول الحياة.

ومن أجل الوصول الى هذه المراحل علينا ثلاث مسؤليات يُبيّنها ربّنا تعالى في سورة النساء بقوله:

[وَ مَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ  وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللَّهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا(64) فَلَا وَ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتىَ‏ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يجَدُواْ فىِ أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا(65)]

الى قوله تعالى:

[وَ مَن يُطِعِ اللَّهَ وَ الرَّسُولَ فَأُوْلَئكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهْم مِّنَ النَّبِيِّنَ وَ الصِّدِّيقِينَ وَ الشهُّدَاءِ وَ الصَّالِحِينَ  وَ حَسُنَ أُوْلَئكَ رَفِيقًا][4]

اولاً: أن نجعل النبي صلّى الله عليه وآله واسطة الفيض, فنستغفر عنده أو عند الائمة المعصومين من ذُرّيته, وندعوا عند مقامهم الشريف.

ثانياً: الايمان بالنبي (ص) ليس فقط بألسنتنا وإنّما بالرجوع اليه والى من يُمثّله عند الاختلاف والتسليم له عند صدور الحُكم منه.

ثالثاً: الطاعة المُطلقة للنبي (ص) حتّى لو اقتضى ذلك قتل النفس أو الخروج من الوطن وهذا هو الصراط المُستقيم الذي من انتهج به كان مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسُن اولئك رفيقاً.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة الأحزاب, الآية23.

[2] سورة الإسراء, الآية80.

[3] سورة البقرة, الآية143.

[4] سورة النساء, الآية69.