تدبرات في سورة (الحديد) شهر رمضان المبارك / 1439 هـ – (الرابع عشر)

01/06/2018 نشر في: المحاضرات والدروس، تقريرات التدبر في القرآن، سورة الحديد

بسم الله الرحمن الرحيم

 

((اعْلَمُواْ أَنَّمَا الحْيَوةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَ لهَوٌ وَ زِينَةٌ وَ تَفَاخُرُ  بَيْنَكُمْ وَ تَكاَثُرٌ فىِ الْأَمْوَالِ وَ الْأَوْلَادِ  كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعجْبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثمُ‏َّ يهَيجُ فَترَئهُ مُصْفَرًّا ثمُ‏َّ يَكُونُ حُطَامًا  وَ فىِ الاَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَ مَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَ رِضْوَانٌ  وَ مَا الحْيَوةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ))

صدق الله العلي العظيم

(سورة الحديد المباركة)

بين الدنيا والآخرة

منذ تلك اللحظة التي أودع الرب المتعال الأمانة للإنسان بعد أن أبت السماوات والأرض أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان, منذ ذلك الحين بدء التاريخ, حيث خلق الله كلّ شيء من أجل الانسان وجعل للإنسان هدف أسمى, من هنا علينا أن نعرف أنفسنا وحقيقة الأمانة التي تحمّلناها كما يقول تعالى:

[إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَ أَشْفَقْنَ مِنْها وَ حَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً][1]    

ومن عرف نفسه, لم يستهن بها, و علم من أين وفي أين والى أين..وهكذا يعرف ربّه, ومن ذلك معرفة تركيبة الإنسان بين الهوى والهُدى, ومن يُمكنه مراقبة ذاته, لا يستطيع أيّ شيء أن يغلبه, لأنّ ثأثير أبالسة الجنّ والإنس إنّما تؤثّر على الانسان من خلال نوافذ القلب, أو الغرائز.

من هنا علينا أن نُغلق نوافذ القلب أمام ابليس الذي يطوف حول القلب باحثاً عن طريق ليسرق الايمان منه.

دار بالبلاء محفوفة

وفي ظلّ الابتلاءات التي نعيشها في الدنيا, لابدّ لنا من امتلاك رؤية صحيحة من أجل الحصول على سعادة الدنيا والآخرة, يقول تعالى: [قُلْ مَنْ حَرَّمَ زينَةَ اللَّهِ الَّتي‏ أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَ الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَة].[2]

فقد يجمع الإنسان بين الدنيا والآخرة كما وهب الله تعالى لسليمان مُلكاً لا ينبغي لأحدٍ من بعده, وهكذا اعطى الله المُلك لداوود و ذو القرنين و طالوت وكثير من الصالحين, كذلك المال أو الجاه, أو ما أشبه قد يجمع الانسان بينها وبين الآخرة, كيف؟

حينما يعي الإنسان الهدف من الدُنيا, إذ ما من شيء في هذا الكون الرحيب الّا وله هدف, فكيف بالإنسان الذي سُّخر له كلّ شيء, أيُعقل أن تكون بلا هدف, يقول تعالى:

[أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَ أَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ][3]

لو تبلور هدف وجود الانسان عنده, يُمكنه الجمع بين الدنيا و الآخرة, والّا فلا يزيده سعيه الّا خسارا وكما الامام الصادق عليه السلام «يقول‏ العامل على غير بصيرة كالسائر على غير الطريق لا يزيده‏ سرعة السير إلا بعدا.»[4]

والعیش مع رؤية صحيحة و هدف ربّاني, عيشٌ رغيد في الدنيا, فهو يستشعر السعادة بالصلاة ويفرح بالصيام, ويأنس بالعبادة, ويسرّ بالإنفاق, وهكذا حين تذكّر الإنسان أنعم الرب تعالى وشكره على توفيق الطاعة يندفع للمزيد من الأعمال مع شعوره للسعادة والرضا.

وبالمقابل فالعيش بلا رؤية وبلا هدف, فيُنتج المزيد من الشقاء, ومعيشة الضنك, ومزيد من حالات الانتحار والاكتئاب.

إذن تحديد الهدف الذي يُلّخصه الحديث الشريف: «الدنيا مزرعة الآخرة»[5]

والوصول الى الكمال بتجسّد العبودية للباري المتعال حيث يقول: [وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ][6]

ويتلجّى ذلك في كلّ أبعاد حياة الإنسان.

يقول ربّنا تعالى: [اعْلَمُواْ أَنَّمَا الحْيَوةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَ لهَوٌ]

لابدّ من السعي من الوصول الى هذه المعرفة يقيناً, اللعب هو العمل بوعي و هدف، و لكن دون هدف حكيم، اما اللهو فانه من دون وعي أو هدف, بل وابتعاد عن الهدف يقول تعالى:

[يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَ لا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ][7]

وهكذا الحياة زينة كما يقول تعالى:[وَ زِينَةٌ وَ تَفَاخُرُ  بَيْنَكُمْ] وجعل الزينة هدفاً مذموم ولكن إذا جُعلت وسيلة في ضمن الهدف الربّاني كما قال تعالى: [يا بَني‏ آدَمَ خُذُوا زينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ],[8]فلا يكون مذموماً.

[وَتَكاَثُرٌ فىِ الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ]  المطلوب هو حفظ التوازن المعقول بين الأمور الكمالية و الاخرى الاساسية، و ان يجعل الإنسان الأمور الثانوية تكمل بالفعل الجانب الضروري من حياته، لا ان تكون بديلا عنه، أو على حسابه، و مشكلة البشرية اليوم انها توجهت الى الكماليات على حساب اهدافها الاساسي.

[كَمَثَلِ غَيْثٍ] مطر نزل على الأرض، فسقاها، و اختلط بما فيها من بذور فصارت نباتا.

[أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ] أي أدخل الى نفس الفلاح العجب و الاغترار به، كما تدخل زينة الدنيا في نفوس الكافرين بالآخرة، و لا شك ان هذه الحالة سوف تجعله يعتقد ببقائه، و يلهو عن نهايته حيث يصير حطاما، و النبات هو المزروعات الصغيرة التي لا تبقى كالقمح و الذرة، و يقال لها نباتا في أطوارها الاولى حيث تشق التربة.

[ثُمَّ يَهِيجُ] و يترعرع، و يثمر حينما يبلغ أقصى القوة، و لكنه لا يبقى طويلا حتى تبدأ مسيرته الى النهاية.

[فَتَراهُ مُصْفَرًّا] أول الأمر. و الملاحظ ان العطف جاء بالفاء و هي أقرب الحروف عطفا.

ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً إذا أكمل دورته الحياتية، إذ تيبس و تتكسر أوراقه و أعواده، و هذه بالضبط مسيرة الحياة عند الإنسان في الدنيا، يبدأ طفلا كالنبات، ثم ينشط و يهيج عند المراهقة و الشباب، و لكنك تراه يتنكس في الخلق شيئا فشيئا، و يفقد قوته و زينته ليصير كهلا فشيخا عجوزا قد وهن عظمه و خارت قواه، و لا يطول به الأمد حتى تراه جثة هامدة محمولة على الأكتاف الى قبر ضيق يستحيل فيه هيكلا، فأوصالا، فحطاما، فترابا تذروه الرياح، فلما ذا يتشبث الإنسان بالحطام و المتاع الزائل اذن و هو مقبل على الاخرة؟

[وَ فىِ الاَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَ مَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ]

حينما يطمئن الإنسان الى حقيقة الدنيا فسيعلم أنّ حطامها ليس بالذي يشبع طموحاته و يحقق تطلعاته، إنّه يريد السعادة و لا تتم له فيها، و يريد الخلود و هيهات ذلك؟، فلا بد ان يبحث له عن هدف سام يجده أهل للسعي له، و هذا لا يمكن حتى يضيف الى علمه بحقيقة الدنيا علما بحقيقة الآخرة.

هذه هي الاهداف الحقيقية التي يجب على كل إنسان السعي من أجلها، و بها تصبح الدنيا آخرة، و الحياة فيها ذات معنى، و كل ساعة فيها أعظم من ساعات الآخرة. أما بدونها فتصبح لعبا و لهوا، و تتحول الى أداة للغرور.

[ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ]

المتاع هو الزاد، و الغرور الانخداع، و شبّه ربنا الدنيا بزاد الغرور، لأنها لا تشبع عند المنخدع بها حاجة حقيقية، إلا غروره الكاذب الباطل، الذي ينتهي عند الموت، فلا تبقى عنده ذرة من غرور.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة الأحزاب, الآية72.

[2] سورة الأعراف, الآية32.

[3] سورة المؤمنون, الآية115.

[4] الكافي (ط – الإسلامية)، ج‏1، ص: 43.

[5] مجموعة ورام، ج‏1، ص: 183

[6] سورة الذاريات, الآية56.

[7] سورة المنافقون, الآية9.

[8] سورة الأعراف, الآية31.