تدبرات في سورة (الحديد) شهر رمضان المبارك / 1439 هـ – (الخامس عشر)

01/06/2018 نشر في: المحاضرات والدروس، تقريرات التدبر في القرآن، سورة الحديد

بسم الله الرحمن الرحيم

((سَابِقُواْ إِلىَ‏ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكمُ‏ْ وَ جَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ  ذَالِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ  وَ اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ))

صدق الله العلي العظيم

((سورة الحديد المباركة))

سابقوا الى مغفرة من ربّكم

من طبيعة البشر أنّه لا يكتفي بما عنده, فهو دائماً يبحث على الزيادة, فيبحث عن السِبقة من الآخرين سواء في اللعب, أو الزينة, أو التفاخر في الأموال والأولاد, يبحث دائماً أن يتقدّم على الغير, ومنشئ ذلك هو بحثه عن التقدّم والكمال.

لكن وبسبب الرؤية الخاطئة للانسان تجد انحراف منحى التقدّم عنده, فالخطأ عند الانسان في تشخيص الطريق, و الدور المطلوب لكلّ الموجّهين هو بيان الطريق الصحيح للتكامل.

في الآية السابقة قال ربّنا تعالى: [اعْلَمُواْ أَنَّمَا الحْيَوةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَ لهَوٌ وَ زِينَةٌ وَ تَفَاخُرُ  بَيْنَكُمْ وَ تَكاَثُرٌ فىِ الْأَمْوَالِ وَ الْأَوْلَادِ]

وفي هذه الآية يقول ربّنا تعالى:

[سَابِقُواْ إِلىَ‏ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكمُ‏ْ وَ جَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ]

فبدل أن يكون التسابق في اللعب واللهو و التفاخر..الخ, فليكن التسابق في نيل غفران الرب وجنانه.

التعامل مع الدنيا

الناس في تعاملهم مع الدنيا على اصناف ثلاثة, فمنهم من يفصل الدين عنها, فيغوص في اعماقها من دون مراعاة المبادئ والقيم, ومنهم من يجعل الدين ميزان لكلّ تحرّكاتهم, وأمّا الصنف الثالث من همّه عِمران آخرته ومرضاة ربّه وبهذا الدافع يُعمّر الدُنيا, أي أن يجعل ذكر الله في كلّ أبعاد الحياة فيجمع بين الدنيا والآخرة.

للمتقين اماما

وهكذا نجد في آيات الذِكر الحكيم توجيه للإنسان على حمل أهداف عظيمة  كما يقول ربّنا تعالى في سورة الفرقان:

[وَ الَّذينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَ ذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَ اجْعَلْنا لِلْمُتَّقينَ إِماماً][1]

إنّ العلاقة بين طلب الأزواج و الذرية الصالحة، و بين طلب الامامة و القيادة لدى عباد الرحمن، تتجلى في طموحهم نحو امتداد رسالتهم في ذريتهم و أيضا فيمن يلتقون بهم من الناس، فيصبحون قدوة للمتقين، و المتقون- بدورهم- طليعة المجتمع، فهم يطمحون ان يكونوا قدوة الطليعة و ليس الطليعة فحسب, أن يكون الانسان امام المتقين فهذا كبير جدّاً.

 [سَابِقُواْ إِلىَ‏ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكمُ‏ْ]

فما احصاه الرب تعالى من ذنوب البشر ونساه الإنسان كثير جدّاً ولذلك علينا أن نسعى الى مغفرة الرب تعالى.

[وَ جَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ]

جاء في الحديث الشريف: «ما شر بشر بعده الجنة و ما خير بخير بعده النار و كل نعيم دون الجنة محقور و كل بلاء دون النار عافية»[2]

والعرض بمعنى الوسعة, ومع تطوّر العلوم عرفنا بعض وُسعة السماء حيث أنّ المسافات تفوق ملايين السنين الضوئية.

[أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ] 

والايمان ما وقر في الجنان و صدّقه الأركان, أي الالتزام بحقائق الدين والشعائر الالهية.

 [ذَالِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ]

فلا يظنن أحد أنّه يمن على ربه بالايمان، أو انه يحصل عليه بجهده، أو يدخل الجنة بسعيه، إنما بفضل اللّه و منه يحظى الإنسان بالايمان، و يدخل الجنة، بلى. إنّ ارادة الإنسان و سعيه ضروري, و لكن التوفيق الى ذلك جزء من فضله تعالى.

[وَ اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ]

و ما دمنا في مقام رب عظيم، ذي فضل عظيم، و مغفرة عظيمة و رضوان، فمن السفه ان نرضى لأنفسنا بالأدنى، و نشتغل بالتوافه تاركين وراءنا ذلك الفضل العظيم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة الفرقان, الآية 74

[2] الكافي (ط – الإسلامية)، ج‏8، ص: 24