تدبرات في سورة (الحديد) شهر رمضان المبارك / 1439 هـ – (السادس عشر)

11/06/2018 نشر في: المحاضرات والدروس، تقريرات التدبر في القرآن، سورة الحديد

بسم الله الرحمن الرحيم

 

[مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فىِ الْأَرْضِ وَ لَا فىِ أَنفُسِكُمْ إِلَّا فىِ كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبرْأَهَا  إِنَّ ذَالِكَ عَلىَ اللَّهِ يَسِيرٌ(22) لِّكَيْلَا تَأْسَوْاْ عَلىَ‏ مَا فَاتَكُمْ وَ لَا تَفْرَحُواْ بِمَا ءَاتَئكُمْ  وَ اللَّهُ لَا يحُبُّ كلُ‏َّ مخُتَالٍ فَخُورٍ] 

صدق الله العلي العظيم

(سورة الحديد المباركة)

لكيلا تأسوا على ما فاتكم

مثلُ الانسان في الدنيا كسفينة أبحرت في بحرٍ عاصِف, وأحاطت بها من كلّ جانب أمواج متلاطمة, إذا لم تُحصّن فهي غارقة بلا ريب, وهكذا الانسان إذا وصل قلبه الى السكينة, فلا يغرق أمام الأمواج المُختلفة, فلا ينسى ربّه ولا يُضيّع نفسه.

ممّا يبدوا أنّ هذه الآيات تتحدّث عن هذا المعنى كمقدّمة للحديث عن العدالة في الآيات التي تليها.

كيف يُمكن للبشر الوصول الى تجذير الإيمان في القلب بحيث لا يضيّع نفسه بالنِعم أو بالمصائب؟

طريق ذلك هو قوله تعالى في سورة هود: [فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَ مَنْ تابَ مَعَكَ وَ لا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصيرٌ][1]

فقوله تعالى: [وَ لا تَطْغَوْا] خطاب للمؤمنين, لكي لا يطغوا بعد انتصارهم, وهكذا يحفظ التشريع الاسلامي التوازن عند المؤمنين في حين الإنتصار كما يحافظ عليه في وقت الهزيمة.

وقد سُئل امامنا الصادق عليه السلام عن حدّ الزُهد قال: «قد حد الله في كتابه فقال عز و جل «لكيلا تأسوا على ما فاتكم و لا تفرحوا بما آتاكم‏»[2]

وهذه البصيرة هي التي تُمكّن الانسان من الاستقامة في الظروف المُختلفة, لأنّه يفطن أن لا شيء في الحياة الّا وهو زائل لا محالة لذلك يطمئن قلبه لربّه ويُسلّم لقضاءه.

يقول تعالى: [مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فىِ الْأَرْضِ وَ لَا فىِ أَنفُسِكُمْ]

سواء المصائب الخارجية من حولنا،مثل قحط المطر: و قلة النبات، و نقص الثمرات, والزلازل, والأعاصير, أو المصائب التي تخصّ الإنسان مباشرة من الأمراض و الثكل بالأولاد أو ما أشبه.

[إِلَّا فىِ كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبرْأَهَا] 

ورُبّ سائل إذا كان كلّ شيء مكتوب في اللوح المحفوظ, فهل نحن لا حولٌ لنا ولا قوّة؟ وما دور البشر في المشاكل, وأنّ الله لا يُغيّر ما بقومٍ حتّى يُغيّروا ما بأنفسهم؟

يبدوا أنّ الرب تعالى كتب في اللوح المحفوظ إرتباط الذنوب بالمصائب, أي أنّه كتب السبب والمُسبب هناك, ونستفيد ذلك من قوله: [مِّن قَبْلِ أَن نَّبرْأَهَا]

فالرب تعالى له تقدير وقضاء وامضاء وكلّ ذلك بحكمة منه تعالى لعلّ البشر يعود الى ربّه, ويدعوه لأنّ الدعاء يدفع البلاء وقد ابرم ابراماً.

[إِنَّ ذَالِكَ عَلىَ اللَّهِ يَسِيرٌ]

و كيف لا يكون كذلك وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ.

[لِّكَيْلَا تَأْسَوْاْ عَلىَ‏ مَا فَاتَكُمْ]

وحين يعلم البشر أنّ الرب تعالى كتب كلّ شيء وذلك عليه يسير, لا يأسى ما فاته, فالمصيبة إما بإرادة الهية لا سبيل فيها إلا الاعتراف بها و التسليم لارادة ربنا و حكمته، و اما تكون بسببنا فنحن إذا قادرون على مقاومتها و تغييرها بتغيير ما في أنفسنا. و لا داعي لليأس.

وقد جاء في الحديث الشريف عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: «أوصيكما بتقوى الله و ألا تبغيا الدنيا و إن بغتكما و لا تأسفا على شي‏ء منها زوي عنكما»[3]

[وَ لَا تَفْرَحُواْ بِمَا ءَاتَئكُمْ]

في الكثير من الآيات القرآنية وردت كلمة الفرح في سياق الذم كما في قوله تعالى عن قارون: [إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحينَ][4]

وهو يعني امتلاء القلب بالنعمة, لأنّ الفرح (الغرور و الاحساس بالكمال) يدعونا الى التوقف، كاليأس و لكن بصورة أخرى، حيث لا نجد دافعاً الى السعي و الإستزادة، و قد بلغنا القمة عند أنفسنا، بل قد يدعونا الى الشرك و ذلك للشعور بالاستغناء عن اللّه تعالى.

[وَ اللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ] كائناً من كان، لأنهما صفتان سلبيتان منبوذتان عنده تعالى، لا يبررهما حسب و لا نسب و لا منصب و لا فضل مادي أو معنوي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 [1] سورة هود الآية112.

[2] تفسير القمي، ج‏2، ص: 146

[3] نهج البلاغة (للصبحي صالح)، ص: 421.

[4] سورة القصص, الآية 76.