تدبرات في سورة (الحديد) شهر رمضان المبارك / 1439 هـ – (الحادي والعشرون)

13/06/2018 نشر في: المحاضرات والدروس، تقريرات التدبر في القرآن، سورة الحديد

بسم الله الرحمن الرحيم

((ثمُ‏َّ قَفَّيْنَا عَلىَ ءَاثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَ قَفَّيْنَا بِعِيسىَ ابْنِ مَرْيَمَ وَ ءَاتَيْنَهُ الْانجِيلَ وَ جَعَلْنَا فىِ قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَ رَحْمَةً وَ رَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا  فَاتَيْنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنهْمْ أَجْرَهُمْ  وَ كَثِيرٌ مِّنهْمْ فَاسِقُونَ(27)))

صدق الله العلي العظيم

(سورة الحديد المباركة)

رَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا

للقرآن الكريم بطون مُختلفة, ومن آياته الكريمة مُحكمات ومنها متشابهات, فالمُحكمات نعمل بها, أمّا المتشابهات فنصدّق بها ثم نحاول من خلال المُحكمات الوصول الى المُحكمات.

الآية التي تلوناها من من سورة الحديد هي من الآيات التي نحتاج فيها الى مزيد من التدبّر لما فيها من البطون المُختلفة.

معنى البدعة

معنى البدعة هو أن نجعل شيء ليس من الدين نجعله في الدين, تارة يكون في أصل الشيء وقد جاء في الحديث الشريف: «‏كلّ بدعة ضلالة و كل ضلالة إلى النار.»[1]

وقد تكون البدعة في تفاصيل الشيء كما في صلاة التراويح واقامتها جماعة, وممّا يبدوا أن الرهبانية هو من النوع الثاني حيث أنّ أصله ممدوح, لكن في التفاصيل كانت الزيادات, والدليل على ذلك سياق الآية في قوله تعالى: [مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا].

وهكذا أيضاً الحديث عن النبي صلّى الله عليه وآله حيث قال: .  « عليكم بالجهاد فإنه رهبانية أمتي‏»[2]

وعن ابن مسعود قال: «كنت رديف رسول اللّه صلّى الله عليه وآله على الحمار فقال: يا ابن أمّ عبد! هل تدري من أين أحدثت بنو إسرائيل الرهبانية؟ فقلت: اللّه و رسوله أعلم، فقال: ظهرت عليهم الجبابرة بعد عيسى عليه السلام يعملون بمعاصي اللّه، فغضب أهل الإيمان فقاتلوهم، فهزم أهل الإيمان ثلاث مرات، فلم يبق منهم إلّا القليل، فقالوا: إن ظهرنا لهؤلاء أفنونا و لم يبق للدّين أحد يدعوا إليه، فتعالوا نتفرّق في الأرض إلى أن يبعث اللّه النبي الذي وعدنا به عيسى عليه السلام (يعنون محمدا صلّى الله عليه وآله)، فتفرّقوا في غيران الجبال، و أحدثوا رهبانية، فمنهم من تمسّك بدينه، و منهم من كفر، ثم تلا الآية: [وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ] إلى آخرها ثم قال: يا بن أمّ عبد أتدري ما رهبانية أمتي؟ قال: الهجرة و الجهاد و الصلوة و الصوم و الحج و العمرة».[3]

فالنبي صلّى الله عليه وآله لم يذمّ عملهم ممّا يدلّ على أنّه مِن الممكن أن تستدعي ظروف مُعيّنة الهجرة واستخدام منهج التقيّة في التعامل مع الطاغوت.

كما بيّن لنا القرآن الكريم سورة كاملة عن اصحاب الكهف, وذِكرُ الكهف يتشابه مع حديث النبي صلّى الله عليه وآله حيث ذكر «فتفرّقوا في غيران الجبال», وهكذا يمدحهم الرب تعالى في القرآن في آيات عديدة ممّا يدل على صواب منهجهم.

وقد يكون معنى (الرهابنية) مُرادفاً للتقيّة, أي أنّهم كانوا وَجلين, من جهة من الرب تعالى ومن جهة ثانية من الطواغيت.

قتل اصحاب الاخدود

ومن ذلك أيضاً قُصّة ابناء الأخدود التي جاء ذكرها في القرآن الكريم فعن رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله- قال: «كان ملك فيمن كان قبلكم له ساحر، فلمّا مرض الساحر قال: إنّي قد حضر أجلي فادفع إليّ غلاما أعلّمه السحر، فدفع إليه غلاما و كان يختلف إليه، و بين الساحر و الملك راهب، فمرّ الغلام بالراهب فأعجبه كلامه و أمره، فكان يطيل عنده القعود، فإذا أبطأ عن الساحر ضربه، و إذا أبطأ عن أهله ضربوه، فشكا ذلك إلى الراهب، فقال: يا بني إذا استبطأك الساحر فقل: حبسني أهلي، و إذا استبطأك أهلك فقل: حبسني الساحر، فبينما هو ذات يوم إذا بالناس قد غشيهم دابّة عظيمة، فقال: اليوم أعلم أمر الساحر أفضل أم أمر الراهب، فأخذ حجرا فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحبّ إليك فاقتل هذه الدابة، فرمى فقلتها و مضى الناس، فأخبر بذلك الراهب فقال: يا بني إنّك ستبتلى فإذا ابتليت فلا تدل عليّ، قال: و جعل يداوي الناس فيبرئ الأكمه و الأبرص، فبينما هو كذلك إذ عمي جليس للملك فأتاه و حمل إليه مالا كثيرا، فقال: اشفني و لك ما هاهنا، فقال: أنا لا أشفي أحدا و لكنّ اللّه يشفي، فإن آمنت باللّه دعوت اللّه فشفاك، قال: فآمن فدعا اللّه فشفاه، فذهب فجلس إلى الملك فقال: يا فلان من شفاك؟ فقال: ربي، قال: أنا؟ قال: لا، ربي و ربك اللّه، قال: أو إنّ لك ربّا غيري؟ قال: نعم. ربي و ربك اللّه، فأخذه فلم يزل به حتى دلّه على الغلام، فبعث إلى الغلام فقال: لقد بلغ من أمرك أن تشفي الأكمه و الأبرص، قال: ما أشفي أحدا و لكنّ اللّه يشفي، قال: أ و إنّ لك ربّا غيري؟ قال: نعم.

ربي و ربك اللّه، فأخذه فلم يزل به حتى دلّه على الراهب، فوضع المنشار عليه فنشر حتى وقع شقّتين، فقال للغلام: إرجع عن دينك فأبى، فأرسل معه نفرا قال: اصعدوا به جبل كذا و كذا فإن رجع عن دينه و إلّا فدهدهوه منه، قال: فعلوا به الجبل فقال: اللهمّ اكفنيهم بما شئت، فرجف بهم الجبل فتدهدهوا أجمعون، و جاء إلى الملك فقال: ما صنع أصحابك؟ فقال: كفانيهم اللّه، فأرسل به مرة أخرى قال: انطلقوا به فلجّجوه في البحر، فإن رجع و إلّا فأغرقوه، فانطلقوا به في قرقور[4] فلمّا توسّطوا به البحر قال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فانكفأت بهم السفينة، و جاء حتى قام بين يدي الملك فقال: ما صنع أصحابك؟ فقال: كفانيهم اللّه، ثم قال: إنّك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به اجمع الناس ثم اصلبني على جذع ثم خذ سهما من كنانتي ثم ضعه على كبد القوس، ثم قل: باسم ربّ الغلام فإنّك ستقتلني، قال: فجمع الناس و صلبه ثم أخذ سهما من كنانته فوضعه على كبد القوس و قال: باسم ربّ الغلام و رمى فوقع السهم في صدغه  و مات، فقال الناس: آمنّا بربّ الغلام، فقيل له: أرأيت ما كنت تخاف قد نزل و اللّه بك من الناس، فأمر بأخدود فخدّدت على أفواه السكك ثم أضرمها نارا فقال: من رجع عن دينه فدعوه، و من أبى فاقحموه فيها، فجعلوا يقتحمونها، و جاءت امرأت بابن لها فقال لها: يا أمة اصبري فإنّك على الحق».[5]

فاذن كانت الرهبانية موجودة وهكذا مؤمن آل يس وكلّهم كانوا من المؤمنين بالنبي عيسى عليه السلام ونستلهم منها أنّ اتباع النبي عيسى عليه السلام كانوا في تحدّيات صعبة مع الطواغيت ومع المجتمعات المنحرفة, فانقسموا فكان منهم الذين جاهدوا واستشهدوا و كان منهم من ترك دينه, ومنهم من بقي على التقيّة كما عن اصحاب الكهف وهذا هو الرهبانية الممدوحة, امّا اذا لم تكن الظروف تستدعي الجلوس في صومعة والانعزال عن الناس فتكون مذمومة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] الفقه المنسوب إلى الإمام الرضا عليه السلام، ص: 383

[2] الوافي، ج‏7، ص: 499

[3] (1) نور الثقلين/ ج 5 ص 251- 25

[4] القرقور- بالضم- السفينة الطويلة.

[5] نور الثقلين ج 5 ص 546.