تدبرات في سورة (الحديد) شهر رمضان المبارك / 1439 هـ – (الثاني والعشرون)

13/06/2018 نشر في: المحاضرات والدروس، تقريرات التدبر في القرآن، سورة الحديد

بسم الله الرحمن الرحيم

((ثمُ‏َّ قَفَّيْنَا عَلىَ ءَاثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَ قَفَّيْنَا بِعِيسىَ ابْنِ مَرْيَمَ وَ ءَاتَيْنَهُ الْانجِيلَ وَ جَعَلْنَا فىِ قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَ رَحْمَةً وَ رَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا  فَاتَيْنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنهُْمْ أَجْرَهُمْ  وَ كَثِيرٌ مِّنهْمْ فَاسِقُونَ(27) يَأَيهُّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَ ءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَينْ‏ِ مِن رَّحْمَتِهِ وَ يجَعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ  وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(28)))

صدق الله العلي العظيم

(سورة الحديد المباركة)

يجعل لكم نوراً

فهم الآيات المُحكمة والتدبّر فيها يكون مفتاحاً للآيات المُتشابهة ومن ذلك ما ورد في الآية السابعة والعشرين من سورة الحديد والتي تتحدّث عن الفترة التي كانت بعد النبي عيسى عليه السلام والتي استمرّت لمئات السنوات حيث عانى المؤمنون من تحدّيات كبيرة مع الطواغيت والحُكّام, فما هو واجبهم في تلك المرحلة؟

الجواب على ذلك أنّه لا يجوز أن يتخّذ المؤمنون الكافرين أولياء الّا أن يتقّو منهم تُقاة كما يُبيّن ربنا تعالى في سورة آل عمران.

وقد جاء في الحديث عن أبي عبد الله ع قال: «ذكرت التقية يوماً عند علي بن الحسين علیه السلام فقال و الله لو علم أبوذر ما في قلب سلمان لقتله ولقد آخى رسول الله صلّى الله عليه وآله بينهما فما ظنّكم بسائر الخلق إن علم العلماء صعب مستصعب لا يحتمله إلا نبيّ مرسل أو ملك مقرب أو عبد مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان»[1]

وقال عليه السلام: «ما بلغت تقية أحد تقية أصحاب الكهف إن كانوا ليشهدون‏ الأعياد و يشدون الزنانير فأعطاهم الله‏ أجرهم مرتين‏.»[2]

في اللغة العربية كانو يُسمّون الحركات السرّية بالحركات الباطنية وهي الحركات التي كانت تقاوم الحكومات أو كانت مُتسلّطة ولكن بسبب ظلم الحكومات انتهجوا العمل السرّي و التقيّة للاستمرار الحركة.

فعبد سقوط الدولة الفاطمية انتهجوا هذا النهج ولكن ومع الاسف ابتليت مثل هذه الحركات بالانحرافات مُختلفة أولها هو الانحراف الفكري لأنّهم  يفتقرون الى العلماء الذين يُحصّنونهم من الانحراف, وثانياً ابتلو بالتعصّب وأخيراً يُبتلون بالغلو كما في الذين يألّهون الائمة عليهم السلام, وطريق علاجها في ثلاث بصائر:

اولاً قوله تعالى: [وَيجَعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ] وقد جاء في الحديث الشريف عن تفسير هذه الآية: «إمام تأتمون به».[3]

ومِن هنا لابّد أن ترتبط الحركات بقيادة الهية من عالم ربّاني لضمان الاستقامة وعدم الإنحراف, لأنّنا حين ندرس التاريخ نجِد أنّ الإنحراف لا يأتي مرّة واحدة فللشيطان خطوات علينا تجنّب اتباعها, وهكذا بالعودة الى القرآن الكريم والى العقل  تشقّ الحركات طريقها من دون انحراف.

كما وعلى الحركات عدم التعالي على المجتمع وتكفير البعض للبعض الآخر, بل مراعاة المستويات المُختلفة وأخذها بعين الاعتبار في الخِطاب فقد جاء في الحديث الشريف عن ابي عبد الله عليه السلام أنّه قال: «إنه ليس من احتمال أمرنا التصديق له و القبول فقط من احتمال‏ أمرنا ستره و صيانته من غير أهله فأقرئهم السلام و قل لهم رحم الله عبدا اجتر مودة الناس إلى نفسه‏ حدثوهم بما يعرفون و استروا عنهم ما ينكرون ثم قال و الله ما الناصب‏ لنا حربا بأشد علينا مئونة من الناطق علينا بما نكره»[4]

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

[1] الكافي (ط – الإسلامية)، ج‏1، ص: 401

[2] الكافي (ط – الإسلامية)، ج‏2، ص: 218

[3] تفسير القمي، ج‏2، ص: 35

[4] الكافي (ط – الإسلامية)، ج‏2، ص: 222