زيارة الأربعين زلزال التغيير..الشعائر فوق شبهات وسهام المتربصين

15/11/2018 نشر في: المحاضرات الأسبوعية، المکتبة الصوتية، محاضرات عام 2018
كلمة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدّرسي (دام ظله) التي ألقاها يوم الخميس، 08/صفر الخير/ 1440 هـ ، الموافق 18/ 10/ 2018 م ، في مكتبه بمدينة كربلاء المقدسة على جمع من الأهالي والزائرين.
بسم الله الرحمن الرحيم

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ* يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ* وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ* كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ}.

صدق الله العلي العظيم.

( سورة الحج:1ـ4 ).

ان تراكمات الذنوب, وحُجُب الثقافات الشيطانية الثقيلة, قد تصل بقلب الإنسان الى مرحلة يصعب فيها عليه أن يتجاوز كل تلك الحجب لكي يصل الى الحقيقية.

عينه لا تبصر, اذنه لا تسمع, قلبه لا يفقه, حياته من نكد الى أنكد. والسؤال, ألا يمكن لهذا الإنسان الذي خاض في بحار الذنوب, حتى أحاطت به من كل جانب, ألا يمكن في لحظة من لحظات اليقظة, ان يستعيد انسانيته, يتوب الى الله, يرجع الى رشده؟.

فرص العودة متاحة

الجواب : بلى؛ ولكن هذه اللحظات معدودة, قليلة، هي نفحات ربانية تنزل من السماء على أهل الأرض, فمن تعرّض لها واستقبلها, ربما يتحول، ويتغير.

فليلة القدر ـ مثلاً ـ من شهر رمضان المبارك, إن ادركها الإنسان, و‘ن كان في موقع من مواقع الانابة والتوبة والضراعة الى الله تعالى, وان كانت الأدعية المأثورة, والتوجيهات والمبلغون في مستوى المرحلة, ربما يحدث ذلك زلزال نفسي ، هزة داخلية عند هذا الإنسان, فيتغير. لذلك تقرأ في ليلة القدر هذا الدعاء: “اللهم ان كنتُ عندك من الاشقياء فأمحني من الاشقياء واكتبني في السعداء”. هذا هو التحول والتغير. وهكذا يوم عرفة, لو كنت في عرفات, الرحمة الالهية تنزل على كل الواقفين هناك, أنت أيضاً تشملك هذه الرحمة.

قاعدة التقدم صياغة وبناء الانسان

والبشر ايها الاخوة، لايسعد او يتقدم  بالعوامل  المادية، فبعض الناس يظنون ان المملكة الكذائية, والجمهورية الكذائية, تملك ما تملك من البترول أو من المعادن الثمينة، فإنها تسعد و تتقدم؛ كلا ، ليس هذا شرطا.

 أتعرف أن افقر دولة في العالم حسب الاحصائيات، تملك خزينا هائلا من الثروة الزراعية ومن المعادن و تغذي الصناعات المهمة في العالم, لكنها هي ذاتها افقر دولة في العالم، وهي دولة الكونغو الديمقراطية, والتي كانت تسمى سابقاً زائير، وهو بلد يقع في وسط أفريقيا، وثاني أكبر بلد في أفريقيا من حيث المساحة والسكان.

وبالمقابل فأن من أغنى دول العالم التي تُحسب ثروتها بمستوى ترليونات الدولارات, وليس بالمليارات, هي اليابان, وهي أقل الدول امتلاكاً للمعادن.

 إذن؛ القضية ليست المعادن, أو الأرض, أو الزراعة, انما هي قضية الإنسان. ففي زائير السابقة، الكونغو الديمقراطية حاليا، كانوا ولعقود طويلة من الزمن في صراع مرير  فيما بينهم، لاسيما بعد فترة حكم الدكتاتور موبوتو سيسي سيكو الذي جاء بإنقلاب وحكم لاكثر من 30 عاما, وظلوا هكذا، والى وقت قريب، في دوامة انقلابات دموية وصراعات عرقية،  وحروب اهلية أسفرت عن مقتل اكثر من 5 ملايين شخص، ،يتصارعون فيما بينهم، إما قاتل او مقتول، فليس لديهم وقت حتى يستخرجوا ويستثمروا ثروات ارضهم الغنية للغاية بالموارد الطبيعية والمعادن الخام كالنحاس ، والالماس، والزنك و الكوبالت، والقصدير، و مياه وثروة زراعية هائلة ومتنوعة، فمع كل هذه الثروات لكنها صنفت على الدوام من افقر الدول ولم تستفد من ثرواتها شيئا بل الآخرين من مستعمرين وشركات اجنبية هم الذين ينهبونها ويستفيدون منها، وهكذا الحال ايضا في اكثر من بلد.

 وكما يقول الحديث عن اهل البيت عليهم السلام،فإن “من لم يكن عقله أكمل ما فيه, كان هلاكه أيسر ما فيه”. عندما لا يكون عقل الانسان ناضجا، فلا فائدة فيه، وكذا لو كانت هناك عقول كبيرة حكيمة, و نفوس ونوايا مخلصة، يجب أن لا ينصب تفكيرها وهمها فقط في كثرة المعادن او رأس المال, وانما قبل ذلك في الإنسان وتنميته وبنائه، في صناعة وصياغة الانسان.

الشعائر وزلزال التغيير

 وكيف يتم صياغة هذا الانسان وتراكمات الثقافة التاريخية جعلت قلبه في أكنّة و عقله في جمود ؟، العصبيات تحيط به, فلا يفكر في شيء, حتى أن عقله لا يعمل، فكيف نُصلح؟  كيف نغيره؟.

لابد أن تكون هناك برامج قوية محكمة واستثنائية  تحدث لهذا الانسان مايشبه الزلزلال العظيم، تماما كما تتحدث الايات التي افتتحنا بها الحديث عن زلزلة يوم القيامة، وهي كلمة (زلزلة) جائت في مفتتح سورة الحج, فلماذا افتتحت السورة بهذه الكلمة: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ }؟.

 كأن الحج الحقيقي نوع من الزلزال في حياة ونفسية وتفكيرالإنسان.

قسم من الناس, قد يكون فكره مشوشا, لا فكر عنده ولاتوجه ولاهدف, يذهب الى الحج, في البدء يعتمر, ويطوف, وشيئاً فشيئاً الى أن يذهب الى عرفات, وفي لحظة من اللحظات يتجلى هذا الزلزال, زلزال الحج, فيغيره, فيرجع وهو غير ذاك الشخص الذي ذهب, يرجع كيوم ولدته أمه. فنحن بحاجة الى مثل هذا الزلزال.

 وماذا إن لم نستطع ان نذهب الى الحج؟, هل يعني أن الأمر انتهى, الى أن نواجه زلزلة يوم القيامة؟!.

كلا؛ الله تعالى أرحم الراحمين, جعل لي ولك وللآخرين فرص آخرى, منها  زيارة السبط الشهيد الامام الحسين عليه السلام في يوم عرفة مثلا، فكما ورد في الاحاديث عن اهل البيت عليهم السلام ، فإن الله سبحانه ينظر الى زوار أبي عبد الله الحسين عليه السلام يوم عرفة, قبل أن ينظر الى ضيوفه في وادي عرفات. وهكذا زيارة الاربعين،  ولعل الناس الذين يدخلون في هذا البحر الطاهر, المطهّر العظيم في كل عام, فيخرجون طاهرين من الذنوب والدنس, أكثر بكثير من الذين يذهبون الى الحج. فعدد الحجاج في كل عام قد يصل في اعلى تقدير الى ثلاث ملايين, فيما عدد الزوار في أيام زيارة الأربعين مثلا، و التي نشهدها ونعايشها هذه الايام،  قد يبلغون اكثر من عشرة ملايين.

فلسفة الشعائر : بين الثوابت وسهام المرجفين

ولنسأل : لماذا؟ ما هي فلسفة الحج؟ ما هي فلسفة الزيارة؟.

للاسف ، وكأنما نحن في آخر الزمان نحتاج الى نؤكد على الثوابت,على البديهيات,لماذا؟، لإنه ما دامت هذه الفضائيات التي لا حدود في الحديث فيها, حيث أي شخص يجلس امام الكاميرا ويخرج على الشاشة ويطرح ويقول بما يريد ويشتهي بلا ضوابط, وهكذا الامر في هذا الفضاء الافتراضي على الانترنت، ومايمسى بوسائل التواصل الاجتماعي, مايبث وينشر من الصور والافلام والكلام لاتحكمه أية ضوابط وقيم الى درجة أن سقط ذلك المقدار من الحياء عند كثير من الناس, ليس عند الناس العاديين, انما حتى عند اولئك الذين يدّعون ما يدّعونه.

 فلذا نحتاج الى أن نعود مجددا ودائما لنؤكد الثوابت, ونبين البديهيات.

أنا أسألكم اخواني الحاضرين ومن يسمعني؛ هل يخلو مكان من رب العزة تعالى؟. أليس كل إنسان وفي أي مكان، يمكنه أن يرفع يده ويقول ويدعو بإخلاص، والله تعالى يستجيب له؟. فلماذا ـ على سبيل المثال ـ يأمر ربنا سبحانه النبي موسى عليه السلام بأن يذهب الى طور سيناء, لماذا قال له اذهب الى ذلك المكان, و قال تعالى عن ذلك {وقرّبناه نجياً} في ذلك المكان ؟ أليس من الممكن أن الناس يعبدون الله ويؤدون الشعائر في بيوتهم؟, لماذا يذهبون الى وادي عرفة ومزدلفة ومنى, وهذه الطرق الوعرة, ويتحملون الصعوبات ويصرفون كل هذه الأموال ؟، أليس الاولى أن هذه الملايين والمليارات يصنعون بها الصواريخ والاسلحة ضد الأعداء؟! أليس من الأفضل أن يصنعون بها المصانع ؟!. لماذا يركضون بين الصفا والمروة بدل من أن يزرعوا الأرض؟ لماذا يذهب ركضاً ويرجع؟! هذه تساؤلات، وقد يطرحها الكثير من المشككين الذين لاهم لهم سوى مهاجمة قيم وثوابت الدين .

آدم عليه السلام ـ حسبما جاء في رواياتنا ـ ذهب  مئات المرات الى مكة , الأنبياء كلهم كانوا يذهبون الى مكة، ويطوفون بالكعبة التي  رفع قواعدها وبناها ابراهيم الخليل وابنه اسماعيل  سلام الله عليهما، وغير ذلك من الثوابت لدينا قد ترى شخصا ما يخرج على الناس ليشكك فيها، فتراه يجلس في مكان ما ، في غرفة مظلمة مغلقة، وامام كاميرا او جهاز تسجيل ليتحدث و يلقي كلاما مزخرفا ليشتهر به, ويدّعي أن هذه دكاكين!؟.

هل المسجد الحرام دكان؟!ألا تستحون؟!.. كثيرا مايتحقق على ارض الواقع المثل الذي يقول: اذا لم تستحِ فأصنع ماشئت، وهكذا ايضا قل ماشئت!؟.

كل الأديان, ومنها الاسلام، جزء مهم منه حركة, صيرورة, حركة الى المسجد الحرام, حركة الى المعابد, الى القدس الشريف, حركة الى المسجد, هذه  حركة وروح. أنت تستطيع أن تصلي في بيتك؟ فلماذا تذهب وتصلي في المسجد؟, لماذا جاء في الحديث الشريف أن لا صلاة لجار المسجد الا في المسجد؟. اليس من الافضل للانسان أن يوفر هذا الجهد والوقت وهذه الحركة والذهاب والاياب الى ومن المسجد، ليعمل عملاً آخر؟.

الشعائر الحسينية فوق شبهات المتربصين

وهكذا ترون وتسمعون كيف انه في كل سنة وفي أيام زيارة الأربعين، يخرج مجموعة اناس ـ و لا أدري بماذا اصفهم وما أقول فيهم  غير اننا نكلهم الى الله تعالى وحسابهم عنده ـ فيتربصون بالشعائر ويهاجمون الزائرين بألسنتهم الحداد وينتقصون منهم ومن اقامتهم الشعائر الحسينية، ويتكلمون بما لايليق على هؤلاء الناس الطيبين الذين يأتون الى مرقد السبط الشهيد عليه السلام، وكلهم ايمان ومكارم اخلاق عالية وقيم عطاء وتسامح  ويتوبون الى الله تعالى, يستغفرون لذنوبهم, أو هؤلاء الناس الطيبين الذين يدفعون الغالي والنفيس من أجل خدمة الزوار، ونحن نسأل الله تعالى  أن يحشرنا معهم، لما يتمتعون به ويبدونه من هذا الإخلاص و الإيمان والتضحية والعطاء.  

في احدى السنوات الماضية سجل مجموعة من اساتذة الجامعات في احد البلدان اسماؤهم لكي ينالوا شرف خدمة الزوار، فجاؤوا الى منطقة ما بين الحرمين ومنهم من هو بروفيسور في تخصصه، و كانوا يجلسون وينظفون أحذية الزائرين، وعندما تقول له لماذا تعمل هذا؟ يقول: انه يتشرف بهذا العمل. فماذا يعني هذا؟؛ يعني انه يعرض نفسه الى تلك النفحة الإلهية, يقول أن هذه النفحة تنزل من السماء حول مرقد سيد الشهداء, هذه النفحة تشملني أنا ايضاً, حتى اغسل عن نفسي هذه الذنوب التي غفلت عنها طول عمري, فاذهب الى ربي طاهراً مطهراً. الا نقول في زيارته عليه السلام: “أشهد أنك طـُهر طاهر مُطهرّ, من طـُهر طاهر مُطَهرّ, طَهُرتَ وطَهُرَت بك البلاد, وطَهُرَ حرمك, وطَهُرت أرض أنت فيها”.

فإن كنت انا لا اقوم بالزيارة مثلا ، ولا اعترف بها ولا اعرفها, ولا أخدم, ولااصرف فلسا من جيبي, أليس من المعيب عليَّ بعدها أن أتكلم على الناس واهاجمهم بكلام سخيف مقيت!؟.

ترى بعضهم يقول: لا تستقبلوا هولاء الزائرين!؟، لا تقدموا لهم الخدمات، لاتطعموهم ولاتأؤوهم!؟ خذوا منهم أموالا!؟،وبطريقة اخرى كأنه يريد أن يفرض علينا وعلى الزائرين للامام الحسين عليه السلام مافرضه الطاغية المتوكل وامثاله من الطغاة!؟. بخيل ويأمر الناس بالبخل, لاحياء عنده, {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ}، يرى من هو كريم ويعطي ويخدم, فيأتي ويقول له: لماذا أنت كريم؟!, تعال وكن بخيلاً..!؟. الله أكبر, ما هذه العقد والنفوس المريضة ؟!.

وهكذا ايضا قد تجد من المتربصين من يقول: فليأتي الزوار بالسيارات ،فلماذا يأتيون مشيا؟!. أقول لك اقرأ القرآن, اقرأ الآية القرآنية في سورة الحج الكريمة التي افتتحنا الحديث بآيات منها, حيث امر ربنا سبحانه وتعالى نبيه الكريم ابراهيم الخليل سلام الله عليه الذي يكرمه ويقدسه 4 مليارات من البشر فوق هذه البسيطة ، أمره وقال له: { وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا }، يعني مشياً على ارجلهم، ثم { وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ }. في البدء الحج فرض مشياً, والبديل عن المشي الركوب في وسائل النقل ، من الدواب، وصولا اليوم الى السيارة و الطيارة.ولِما تتعجب او تتذمر من الناس الذين يأتون الى كربلاء مشياً؟!، وما الفرق مع قصد بيت الله الحرام،, فهذا ايضا حرم وبيت الله تعالى, هذا مسجد ايضاً, هنا روضة من رياض الجنة.

ماهي فلسفة الشعائر وهدفها الأصيل ؟

وهنا يجب أن نفهم فلسفة الزيارات, وفلسفة الحج, وكل حركة الشعائر التي يقول عنها تعالى:{ ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوب}. فما المراد بالشعائر ؟.

الشعيرة ان يكون في الحركة هدف, الإعلان، الاعلام، وهو ماعُبّر عنه قرآنيا بـ{ أَذَانٌ}، هذه تسمى شعيره ،فالهدف ممن يسعون بين الصفا والمروة ليس لكي يشترون مثلا, انما هو بيان, الذي يسعى بين الصفا والمروة يعلن ويبيّن أن يا رب انا ملبي لندائك، مطيع ومُسَلّم لك ومستعد ان اتحرك وأسعى كما امرت وامر نبيك ،وهكذا هدف الحركة في الطواف و الافاضة وباقي المناسك، وهكذا يكون هناك هدف مماثل في الزيارة ايضا.

وفي الحقيقة فإن هدف هذه الشعائر الأصيل هو اصلاح الإنسان, فهو إن صلُح, فأن ذلك يعني أنه صلحت نفسه, صلحت معيشته وحياته, وصلحت آخرته, وصلحت حتى حضارته,فحضارة الاسلام اتسعت بالحج,وبالحركة والاقامة لباقي الشعائر، الم تقرء او تسمع كيف أن حجة الله وسبط النبي صلى الله عليه وآله، الامام الحسن المجتبى سلام الله عليه، ذهب 23 مرة الى الحج ماشياً،من المدينة المنورة الى مكة المكرمة، وربما كان حافياً.اذهب واقرأ التاريخ, ولاتكن من هؤلاء الذين يتكلمون بالسوء والاستهزاء عن الشعائر وأغلبهم جهلاء, لا يعرفون دينا ولا تاريخا ولا قرآنا, مجموعة اناس غثاء كغثاء السيل، وربنا تعالى يقول:{فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً  وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ}.

بماذا وكيف انتصر شعبنا و اصبح مثلاً في العالم

ولعل كثير من هؤلاء الذين يتهجمون على هذه الشعائر ومنها زيارة الاربعين, هم بعيدين عن اجوائها ومقاصدها الحقيقية، لم يجربوا, ولكن تعالوا وأسالوا هؤلاء المشاة الى كربلاء, إسأل الواحد منهم ممن يخدم وممن يأتي زائرا،  وقل له مالذي حصلت عليه عندما جئت مشياً الى كربلاء؟ أَطعام فقط (تمن وقيمة وسمك مسكوف) كما يزعم امثال ذلك الذي تمتلىء نفسه بالشح ويهاجم غيره كيف انه يكون كريماً في الناس, اسألوا الزائرين , كم صعدت وتعالت روحهم، وتألقت اخلاقهم، وازداد ايمانهم ، وتضاعت وقويت ارادتهم، بسبب المشي الى كربلاء الحسين عليه السلام.

وهنا اقول رحم الله تعالى علمائنا الكبار, وأخص بالذكر منهم الشهيد السيد محمد صادق الصدر رحمة الله عليه, الذي دفع الناس بهذا الاتجاه, وحافظ على هذه الشعيرة، فبعد الحقبة السوداء التي حكمت العراق أيام الحزب الحاقد، لا أحد كان يتصور بأن شعب العراق يعود الى ايمانه وتقواه،ولكنكم ترون كيف أن هذا الشعب اليوم مَثَل يُضرب، مَثَل في التضحية والعطاء والبطولة في كل الميادين ، مَثَل في جبهات القتال، فمن الذي فعل هكذا؟ هل أنت وأمثالك ممن تجلسون في أماكن معينة وتسيئون وتسخرون وتتكلمون بذلك الكلام التافه؟ أم انهم هولاء الملايين من محيي الشعائر الحسينية من ابناء هذا الشعب العراقي الذي اصبح اليوم مثلاً في العالم, وحتى في السجلات  والمؤشرات التي تبين الارقام القياسية,اثبتوا العالم الماضي أن الشعب العراقي كان الأول في كرم العطاء والمساعدة والضيافة, بل هم كذلك ايضا ـ وبعون وإذن الله تعالى ـ في الشجاعة والبطولة والكرامة والعزة ، وفي صلاة الجماعة، وايمانهم، ومكارم اخلاقهم, نعم؛العراق أصبح مثلا, وانا شخصيا اسمع في خارج العراق، من غير العراقيين ومن مختلف البلدان، كيف انهم يمدحون شعب العراق مدحا عجيبا وكبيرا, وكل واحد لديه قصة خاصة مثيرة للاعجاب والاحترام عن الشعب العراقي.

إذن؛ مسيرة الأربعين ليست انتفاضة حتى, انما هي زلزال حسيني ميمون, وبحر عظيم من القيم والاخلاق والمشاعر الانسانية الرفيعة، وهذا الشعب العراقي يعيش هذا الزلزال ويدخل هذا البحر ويخرج منه بصفاء النية, بإيمان قوي, بصدق, بسلامة, هذا الشعب الذي كان ولايزال وسيبقى شعاره في هذه المسيرات المليوينة:” لبيك يا حسين” رأيتم كيف أن هذا الشعب ضحّى واثبت شجاعته وبطولته ودحر الارهاب ومن يقف وراءه. وقد قلت سابقا وفي عدة مرات ومناسبات، وحتى الآن اقول وأكرر واؤكد, أنني حتى الآن ــ وانا شخصياً اتابع جزئيات السياسة العالمية ومايجري في العالم ــ ليس لدي مثل واحد لشعب استطاع ان يقهر الارهاب مثل الشعب العراقي، بالرغم من  كل المؤامرات الكبرى التي كانت ضده.

ولكن؛ بأي شيء قهر الإرهاب؟.والجواب بالإمام الحسين عليه السلام، بهذا الزلزال, بهذه النفوس الأبية الطاهرة التي صنعتها هذه المسيرات الاربعينية وأمثالها من الشعائر, وهذه المنابر الحسينية, وهذه الحوزات العلمية.

العراق منطلق التمهيد والتغيير

نعرف ان الذين هم بعيدون عن العراق وشعبه، لا يعرفون ماذا يجري في هذا البلد. فالذي يجري فيه هو ما يمكن أن نسميه بتمهيد التحول في العالم كله – ان شاء الله – يمهدون لشيء أعظم.

ولذلك فلسفة الزيارة هي فسلفة الحج, فلسفة المشي الى كربلاء هي فلسفة المشي الى بيت الله الحرام, ولا تنسى هذه الآية المباركة: {وأذن في الناس في الحج يأتوك رجالاً}، يعني مشاة، { وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق}، الذي لا يستطيع المشي يركب وسلة ما, لكن اولية وأصل القضية في المشي, والآن ايضا فإن نفس الشيء في الزيارة ، الأصل هو المشي, حتى الذين لا يستطيعون المشي و لديهم ظروف معينة, فإنه بالتالي من يذهب الى الزيارة يحصل على ثواب الزيارة مشيا بإذن الله تعالى, وحتى من هو قريب هنا ويذهب من بيته الى الحرم راجلا، فهو انشاء الله من الزائرين المشاة.

وهناك من الروايات لدينا ماتتحدث عن ثواب عظيم جدا لكل خطوة لمن يذهب الى زيارة الامام الحسين عليه السلام ماشياً، وبكل خطوة يخطوها ايضا حينما يعود مشياً, فمن لايريد ان يصدق الروايات فالامر عائد له, ومن لايؤمن بالدين والشعائر فماذا نعمل له؟ الا ان ندعو الله تعالى له بالهداية, أما نحن فمؤمنين ونصدق بالروايات, مؤمنين بالإسلام من ألفه الى يائه, لا نأخذ جزءا من الدين ونترك الجزء الآخر بحسب الاهواء.

ايها الموتورون: انها شعائر لا  دكاكين !

ونقول لاولئك مجددا؛ هذه ليست دكاكين, هذه شعائر, اذا كانت الامور مشتبهة عليك, اذهب واقرأ ودقق في اللغة, ماذا تعني الشعيرة؟ وماذا يعني الدكان؟, لعلك لم تقرأ في اللغة ولديك التباس, هذا الإنسان الذي يدفع كل ما لديه في سبيل الله، اي انه يعطي بلا منّة ولا مقابل مادي,ومن دون يفرض احد عليه ذلك إنما تطوعا، هل هذا يسمى دكان، وكيف تسمح لنفسك ان تصفه بذلك؟. الدكان مكان للتجارة المادية، للبيع، شخص يعطي أموالا حتى يأخذ شيء مقابلها, أليس كذلك؟ ، لكن هذا الامر الذي تشاهده في الزيارة والذي تهاجمه ومنزعج انت منه ليس كذلك, انما خدمة يخدمها بنية صافية وبصدق واريحية وطيب خاطر, فيقدم كل مايستطيه حتى انه يغسل اقدام الزائر, فهل تسمّون هذا دكانا!؟.

نحن سنقف ،بحول الله وقوته, في مواجهة كل الانحرافات الفكرية والاخلاقية, من أي انسان صدرت, وفي أي وقت صدرت, ونرجع الى قيمنا وثوابتنا وندافع عن الدين كله, قيمه واحكامه وشعائره وعباداته.

وهنا أقول لكم ايها الاخوة نقطة مهمة, فقد سمعت من بعض هؤلاء الجهلة الأميين, { وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ}فهو يتكلم بما تشتهي نفسه, لكنه أمّي, يعني جاهل, فقد سمعت من بعض هؤلاء يقولون ان الزائرين لايصلون, وكأنه لم يسمع ولم يرى، او لايريد ان يسمع ويرى كيف تقام صلوات الجماعة على طول الطريق خلال هذه المسيرة الحسينية، بل واقيمت خلال العامين الماضيين اكبر صلوات جماعة في العالم، في طريق المشاة مابين النجف الأشرف و كربلاء المقدسة, أي نحو 80 كليو مترا، كان يشارك فيها اعداد هائلة من الزائرين وبأكثر من مئات الالاف في كل فريضة، ولكن اولئك الناقمين المتربصين للاسف يخرجون علينا في كل مناسبة وفي يوم من ايام زيارة الاربعين بكلام متهافت جديد يدل إما على جهلهم او على تعنتهم وعدائهم السافر للشعائر والزائرين والطعن فيهم بكل وسيلة واسلوب ممكن.

ماكان لله ينمو..الشعائر الحسينية لا تزداد إلاّ علوّاً وأمرها إلاّ ظهوراً

وأقول لكم بصراحة, ان هذه الشعائر الحسينية تتموج وتتعاظم وتتنامى، ليس بفعل المؤمنين فحسب, انما هي وقبل اي شيىء مباركة في الاصل, جعلها الله سبحانه وتعالى مباركة,فما كان لله تعالى ينمو،لذا فهي تزداد عاما بعد الآخر وتتموج وتنتشر وتترسخ اكثر ليس في العراق فقط بل وفي العالم. ففي شهر محرم, في أيام عاشوراء, تابعت بعض المجالس, وقد لاتتصور ابدا ان هذه المجالس الحسينية كان من الممكن ان تصل وتشاهدها وهي تقام في بعض مناطق العالم، كتلك التي بدأت تقام في مدن في كوريا الجنوبية او اليابان, بل يمكن القول ان مجالس الامام الحسين عليه السلام ونهضته المباركة، لم يعد يخلو منها مكان في العالم، وهكذا الامر بالنسبة لزيارة الاربعين، وقد بدأ العالم كله يرى بأم عينه كيف ان كربلاء خلال زيارة الاربعين تتحول الى نموذج مصغر عن العالم كله، حيث تحتشد فيها كل الجنسيات والاعلام والاعراق، بل والطوائف والاديان، والالوان واللغات من شتى انحاء العالم،متعاونة متآلفة ومتوحدة تحت راية السبط الشهيد عليه السلام،يجمعها الحب والولاء وتعطش العالم لقيم النهضة الحسينية الربانية المياركة،وسوف يتعاظم وينمو هذا اكثر واكثر بإذن الله تعالى، و تحقيقا لما روته مولاتنا السيدة زينب سلام الله عليها يوم عاشوراء عام 61 للهجرة حين حدّثت أبن اخيها الامام السجاد عليه السلام، عن ذلك العهد المعهود من الله تعالى الى جدها المصطفى صلى الله عليه واله وسلم، حيث قالت: « فوالله إن ذلك لعهد من رسول الله إلى جدك وأبيك وعمك، ولقد أخذ الله ميثاق أناس من هذه الأمة لا تعرفهم فراعنة هذه الأرض، وهم معروفون في أهل السماوات.. وليـنصَبنّ لهذا الطف علم لقبر أبيك سيد الشهداء سلام الله عليه لا يدرس أثره على كرور الليالي والأيام . وليجتهدنّ أئمة الكفر وأشياع الضلالة في محوه وتطميسه، فلا يزداد إلاّ علوّاً وأمره إلاّ ظهوراً”.