https://paykwikofis.comhttps://www.marstoys.com.tr

تدبرات في سورة (الانسان) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (الثالث)

10/05/2019 نشر في: تقريرات التدبر في القرآن، سورة الانسان

شاكِراً أو كَفُوراً

بسم الله الرحمن الرحيم

[إِنَّا هَدَيْناهُ‏ السَّبيلَ إِمَّا شاكِراً وَ إِمَّا كَفُوراً] (3)

صدق الله العلي العظيم

من الحديث

قال أمير المؤمنين عليه السلام: ((ألنّعمة موصولة بالشّكر و الشّكر موصول بالمزيد و هما مقرونان في قرن فلن ينقطع المزيد من اللّه تعالى حتّى ينقطع الشّكر من الشّاكر.))[1]

تفصيل القول

من طبيعة كلّ انسان وجود النور والظلام في داخله، فمن جهة الجانب النوراني الذي منّ ربّنا تعالى به على الانسان، ومن جهة أخرى الجانب الظلماني الذي هو مقتضى خلقته وطبيعته، لكن ربّنا تعالى أعطى للانسان فرصة الاختيار لكي يتحوّل ويخرج من الظلمات الى النور، لكنّ هذا التحوّل ليس ظاهرياً فحسب وإنّما تحوّل ماهوي مرتبط بجوهر الانسان.

وكما لا يمكن ادراك الفاصلة بين الجنّة والنار، لا يمكن ادراك الفوارق بين من يغلّب جانب النور في داخله على الظلام والعكس.

ومن الصفات المهمة التي لابدّ من تغييرها في جوهر الانسان هو الانتقال من كفران النعم الى شكرها، يقول ربّنا تعالى: [إِنَّا هَدَيْناهُ‏ السَّبيلَ إِمَّا شاكِراً وَ إِمَّا كَفُوراً]

لكن ما هو الشكر؟

مبدء الشكر من معرفة النفس وحقيقة المخلوقية والعبودية للخالق الذي أحسن خلق الانسان بعد أن لم يكن شيئاً مذكورا، وبتلك المعرفة تتجلّى عند الانسان النعم الالهية، ليس فقط في بدو وجودها بل وفي استمرارها، فنعمة البصر مثلاً هي نعمة متجددة كلّ آن، وحين يصل الى هذا المستوى الرفيع من العرفان للنعم الإلهية، يصل الى القناعة في حياته والرضا بما قسم الله له، وكما جاء في بعض الأدعية  عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ: (( اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ صَبْرَ الشَّاكِرِينَ‏ لَكَ وَ عَمَلَ الْخَائِفِينَ مِنْكَ وَ يَقِينَ الْعَابِدِينَ لَك‏))[2]

وهكذا هي العلاقة بين الصبر والشكر حيث أنّ شعور المرء بالنِعم الإلهية يجعله صابراً على البلاء والنقص في حياته.

الشكر غذاء الروح

وكما يحتاج الجسد الى غذاء، كذلك الروح وغذاءه الشكر، وهكذا نقرء في الدعاء: ((اللّهمَّ إنّي أسألُكَ العافِيَةَ، وَتَمامَ العافِيَةِ، وَدَوامَ العافِيَةِ، وَالشُّكرَ على العافِيَةِ))[3]

العافية وهي مجمع النعم، بحاجة الى شكر، فما خصّنا الرب سبحانه وتعالى مثلاً من نعمة الولاية، لم تأتي اعتباطاً ولم تُعطى الى كلّ الناس، وعلينا أن نعرف قيمة تلك النعمة الالهية.

وبعد معرفة النعمة والتحسس بها يأتي الإحساس بالمسؤولية تجاه النعمة، فالأمن مثلاً نعمة الهية لابد من التحسس بها وتحمّل المسؤولية تجاهها.

والتعاطي الايجابي مع كلّ الحياة والنظر الى ايجابيات الواقع، كلّ ذلك ينتج من الشكر، وله اكبر الأثر في الحياة الكريمة والسعادة للمؤمن في الحياة.

و من هذا ينتج زيادة النعمة كما قال ربّنا تعالى: [وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ‏ لَأَزيدَنَّكُمْ][4]

ومن يملك الشكر فإنّه يملك الحكمة كما يقول ربّنا تعالى:[وَ لَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّه‏][5]

 بمعنى أنّ كل الحكمة تتلخّص في الشكر، نسأل أن يجعلنا من الشاكرين.


[1] غرر الحكم و درر الكلم، ص: 118.

[2] مصباح المتهجد و سلاح المتعبد، ج‏2، ص: 802.

[3] مكاتيب الأئمة عليهم السلام، ج‏4، ص: 263

[4] سورة ابراهيم، الآية 7.

[5] سورة لقمان، الآية 12.