تدبرات في سورة (الانسان) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (الرابع)

11/05/2019 نشر في: تقريرات التدبر في القرآن، سورة الانسان

“أَغْلالاً وَسَعيراً”

بسم الله الرحمن الرحيم

[إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرينَ سَلاسِلَ وَ أَغْلالاً وَسَعيراً (4) إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً (5) عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجيراً] (6)

صدق الله العلي العظيم

تفصيل القول

لماذا يميل البشر الى التعامل مع الأحداث اليومية ويغفل عن الحقائق الكُبرى؟ فالاسئلة الجوهرية التي ترتبط بمدء الانسان والهدف من وجوده في الحياة، وهكذا مصيره وما بعد الموت من العوالم، والجنّة والنار، تجد البشر عادةً يغفلون عن هذه الحقائق الكُبرى.

والحال أنّ  معرفة هذه الحقائق تُبيّن صبغة الانسان في الحياة وتُحدّد اتّجاه حركته، ومن يفقد تلك المعرفة فإنّه لا يزداد من الطريق الّا بُعداً كما جاء في الحديث عن ابي عبد الله عليه السلام حيث قال: ((‏الْعَامِلُ عَلَى غَيْرِ بَصِيرَةٍ كَالسَّائِرِ عَلَى غَيْرِ طَرِيقٍ لَا يَزِيدُهُ‏ سُرْعَةُ السَّيْرِ إِلَّا بُعْداً.))[1]

ثلاث ادلّة نوردها في الاجابة على ذلك:

أولاً: أنّ عقول البشر لم تكتمل، بالرغم من وجود المؤهلات لاكتمالها، ولكن لا يكون ذلك الّا بعد مراحل من التكامل  الذي لا يكون عند جميع البشر، ولهذا الدليل يغفل الانسان عن الحقائق الكُبرى، أو يمرّ عليها مرور الكرام.

ثانياً: الخوف من تحمّل المسؤولية هو السبب الآخر لعدم التوجّه للحقائق الكُبرى، حيث يظن ّ البشر أنّ عدم التفكير عن تلك الحقائق تخلي  مسؤوليته عنها، من هنا تجد الآية القرآنية في سورة النازعات تُبيّن ذلك بقوله تعالى:

[وَأَمَّا مَنْ خافَ‏ مَقامَ رَبِّهِ وَ نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى‏ (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى‏ (41)]

فالخوف من الرب المُتعال لا يتحقق الّا بعد الغلبة على النفس الأمّارة التي هي كأخبث الدواب، وتمنع الانسان من التفكير في الحقائق الكبرى والاستعداد لها.

ثالثا: الدليل الثالث هو الاسترسال مع الأحداث اليومية، والتوغّل في طلب الدنيا، هو السبب الآخر الذي يحول دون ذلك.

في سياق الحديث عن الشكر ، يُحدّثنا ربّنا تعالى عن جزاء كلّ من الشاكر والكفور حيث يقول تعالى: [إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرينَ سَلاسِلَ وَ أَغْلالاً وَسَعيراً]

قبل أم نخوض في معنى الآية نتساءل لماذا قدّم السياق القرآني الحديث عن الكافرين؟

قالوا لأنّ الحديث عن الكفّار في هذه السورة مختصر بعكس الحديث عن الأبرار، وقد يكون سبب ذلك أنّ السورة جاءت في ذكر أصحاب الكساء الأخيار ولذلك جاء ذكر الأبرار بصورة تفصيلية.

[سَلاسِلَ وَ أَغْلالاً وَسَعيراً]

ربّنا تعالى لا يحتاج الى اعداد فأمره بين الكاف والنون، فكيف اذا اعدّ للكافرين العذاب؟!

حيث أعدّ السلاسل، تلك السلاسل التي يقول عنها رّبنا في سورة الحاقّة: [ثُمَّ في‏ سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ‏ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ][2]

 ومع ذلك يُقيّدون بالأغلال بأيديهم و أرجلهم و رقابهم ويُخلّدون بالسعير الذي يعني لهب النار.

بين الفعل والجزاء

السؤال الآخر عن العلاقة يبن كُفران النعم من جهة وبين السلاسل والأغلال والسعير من جهة أخرى؟ فالأعمال سواءاً الحسنات او السيئات تتجسّد في الآخرة ولابدّ من وجود علاقة بين الفعل وبين الجزاء.

الجواب على ذلك أنّ الذي يكفر بأنعم الله تعالى ويتعاطى مع ما حوله بنظرة سلبية قاتمة هو في الواقع يعيش في الأغلال والسلاسل، وهو في الدنيا، فقيود النفس، والنظرة السلبية الناتجة من كُفران النعم، جعلته يعيش في سجن الذات.

بينما من يخرج من اطار الذات ويتعايش مع الآخرين، يألفهم ويألفوه، ويحبّهم ويحبّوه، إنّه يعيش الجنة وهو في الدنيا.

يقول ربّنا تعالى: [إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً]

‏قيل: هو جمع بر، و في الصحاح: و جمع البر الأبرار، و فلان يبرّ خالقه و يتبرّره أي يطيعه‏[3]

بعكس مصير الكفّار فإنّ الأبرار يهنئون في جنّة الخلد ويشربون من كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً، والانسان عادة يشرب بعد أن يجد مكاناً يستريح فيه وبعد أن يأكل الطعام.

[كانَ مِزاجُها كافُوراً]

ومن فوائد الكافور طبعه البارد، و تسكينه للعطش، و حين يمتزج بشراب يكون أنفع للجسم.

[عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجيراً]

وكون الذين يشربون هم عباد الله الذين طالما تحدّث عنهم الرب سبحانه وعن صفاتهم في القرآن الكريم، فالإنتماء اليهم في الدنيا تُقرّب المؤمن للحوق بهم في الآخرة والشُرب تلك العين في الجنّة.

أمّا عن هذه العين‏ فقد جاء عن الإمام الصادق (ع): قال: «هي عين في دار النبيّ (ص) تفجّر إلى دور الأنبياء و المؤمنين‏»[4].

[يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً] فمتى ما أرادوا توجهوا تلقاء العين التي لا تزال مختومة ففجّروها- بإذن اللّه- و شربوا من باكورة رفدها الطاهر ما شاؤوا.


[1] المحاسن، ج‏1، ص: 198.

[2] سورة الحاقة: الآية 32.

[3] ( 2) الجامع لأحكام القرآن/ ج 19 ص 125.

[4] ( 2) نور الثقلين/ ج 5 ص 477.