تدبرات في سورة (الانسان) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (الخامس)

12/05/2019 نشر في: تقريرات التدبر في القرآن، سورة الانسان

“يوفون بالنذر”

بسم الله الرحمن الرحيم

[يُوفُونَ‏ بِالنَّذْرِ وَ يَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطيراً] (7)

صدق الله العلي العظيم

تفصيل القول

بون شاسع بين الانسان الشاكر والكفور، إذ أنّ الشُكر ليس مجرّد اذكار في اللسان بل يرتبط بمجمل حياة الانسان، وفي الآية السابعة من سورة الانسان الُمباركة يُبيّن ربّنا تعالى بعض صفات الانسان الشاكر، حيث يقول ربّنا: [يُوفُونَ‏ بِالنَّذْرِ]

اوّل صفة يبّنها ربّنا تعالى هو الوفاء بالنذر وهو يشمل الالتزام بالمواثيق الشخصية التي يعطيها الانسان، ولكن هناك معنى اوسع واشمل للوفاء بالنذر وهو ما يبيّنه الامام الرضا عليه السلام حيث يقول: «[يوفون بالنذر] الذي أخذ عليهم من ولايتنا»[1]، وعنه قال‏: «يوفون للّه بالنذر الذي أخذ عليهم في الميثاق من ولايتنا».[2]

فالوفاء بالنذر يعني الوفاء بذلك الميثاق الذي كان في عالم الذر.

المواثيق وفلسفة التاريخ

لو بحثنا في التاريخ الانساني عن سرّ نهوض الحضارات وتقدّمها أو شيخوتها و انهيارها سنجد أنّ ذلك عائدٌ الى الالتزام بالمواثيق، فحينما يلتزم مجموعة من البشر ولسبب ما بالعهود فيما بينهم أو ما يسمّى (بالعقد الاجتماعي) فإنّهم يشكّلون المُدنيات والتقدّم، وحينما تخور عزائمهم، و ينقضون العهود، ولا يلتزمون بالمواثيق، فإنّ الحضارة تشيخ وتموت.

وسبب اجتماع البشر والتزامهم بالمواثيق قد تكون الأخطار التي تُحيط بهم ويضطرّون بسببها الى التعاون والتكاتف، وهو سبب تشكّل أكثر الحضارات البشرية، أو قد يكون خطراً خارجياً من عدوٍ يريد أن يفتك بهم أو ما شابه، ولكن هناك سبب ثالث تغافل كُتّاب التاريخ عنه عمداً، وهي الحضارات التي منشئها السماء، ويأتي بها الأنبياء الى الأرض، وبالتالي المواثيق الالهية التي تكون سبباً في نشوء المدنيات والحضارات، فمع نزول أوّل البشر كانت الحضارة الإلهية حاضرة انشأها النبي آدم عليه السلام ثم استمرّت مع شيث و ادريس النبي عليهم السلام وحينما بدء البشر بالانحراف عن تلك الحضارة ارسل الله تعالى النبي نوح عليه السلام لإصلاح مسير الحضارة..وهكذا جاء الأنبياء بحضارات للبشرية لعلّ أهمّها كانت الحضارة الاسلامية التي جاء بها النبي الكريم محمد صلّى الله عليه وآله، والتي لا نشك أنّ لها أكبر الأثر في تقدّم البشرية.

ربّنا سبحانه وتعالى يقول: [يُوفُونَ‏ بِالنَّذْرِ]

وهو ذاته الميثاق الذي أخذه النبي (صلى الله عليه وآله) من المؤمنين مراراً من بيعة الشجرة والى بيعة الغدير.

ربّما يكون السبب في نقض العهود عند الناس هو انتهاء الداعي اذا كان خطراً خارجياً أو داخلياً اجتمع بسببه الناس، ولعلاج ذلك لابدّ من معرفة أن وجود العدو من طبيعة الحياة التي قال عنها ربّنا تعالى: [وَ قُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَ مَتاعٌ إِلى‏ حينٍ][3]

وبالتالي فدواعي الالتزام بالمواثيق تبقى مستمرّة.

أما الطريق الثاني الذي يكون داعياً لاستمرار الالتزام بالمواثيق حين لا يكون الداعي مرتبط بالمصالح المادّية، بل حين تكون الدوافع معنوية، وهذا ما تُبيّنه الآية الكريمة من سورة الانسان حيث يقول ربّنا تعالى: [يُوفُونَ‏ بِالنَّذْرِ وَ يَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطيراً]

فالخوف من الآخرة هو الدافع لوفاءهم بالنذر و التزامهم بالعهود والمواثيق، وخصوصاً ذلك الميثاق الذي كان في عالم الذر.

وهكذا لابدّ أن نجعل الخوف من الآخرة مِحور لثقافتنا في الحياة، وجذراً لفهم حقائق الحياة.

[وَ يَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطيراً]

الحديث عن القيامة يأتي بذكر اليوم دائماً، صحيح أنّه خمسين ألف سنة، ولكن يبقى يوماً واحداً لا استراحة فيه ولا تعطيل.

ذلك اليوم العبوس القمطرير الذي كان شرّه مسطيراً شاملاً وعظيما، وهكذا علينا أن ننُمّي في داخلنا جذر الايمان بالله والخوف من الآخرة و ليكون ذلك دافعاً للوفاء بالنذر عندنا يقول ربّنا تعالى في سورة النحل: [وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَ لا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكيدِها وَ قَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ.][4]

وبذلك يفلح المؤمن في الدارين..نسأل الله أن يوفّقنا لذلك.


[1] ( 1) نور الثقلين/ ج 5 ص 477.

[2] ( 2) المصدر/ ص 478.

[3] سورة البقرة، الآية 36.

[4] سورة النحل، الآية:  91.