تدبرات في سورة (الانسان) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (الثالث عشر)

20/05/2019 نشر في: تقريرات التدبر في القرآن، سورة الانسان

“يحبّون العاجلة”

بسم الله الرحمن الرحيم

[إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَ يَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقيلاً] (27)

صدق الله العلي العظيم

تفصيل القول

ما هو العامل الذي يجعل البشر يُفضّلون الدنيا على الآخرة، فتراهُم يُحبّون العاجلة؟ ولماذا تجد البعض على العكس من ذلك يتجاوز حدود الدنيا، فينظر الى العاقبة؟ وبالتالي كيف نُصبح نحن من الصنف الثاني؟

بين الحُر وعمر ابن سعد

لو تأمّلنا سنجد أنّ ذات العامل يجعل عاقبة الحر في أعلى علّيين حيث كان على يقين بالآخرة فقال: ((انى والله أخير نفسى بين الجنة والنار، فوالله لا اختار على الجنة شيئا، ولو قطعت وحرقت)).

بينما تجد عاقبة عمر ابن سعد في أسفل سافلين، حين انشد:

يقولون إن الله خالق جنة * ونار وتعذيب وغل يدين

فإن صدقوا مما يقولون إنني * أتوب إلى الرحمن من سنتين

 وإن كذبوا فزنا بدنيا عظيمة * وملك عقيم دائم الحجلين

 ولكنها الدنيا بخير معجل * وما عاقل باع الوجود بدين

أي انّه لم يكن على يقين من وجود الآخرة، وشكّه دفعه الى فعل تلك الجرائم.

ضعف البصيرة

الفرق الأوّل بين الصنف الأوّل والثاني أنّ الذي يؤمن بالآخرة بصيرته شفّافة فيكون بعيد المدى، ومن هنا على الانسان أن يجد في داخله تحوّلاً كبيراً من أجل تنمية البصيرة عنده.

وطريق ذلك اولاً التقريب بيننا وبين تلك الحقائق، بالحضور والاعتبار من الذين سبقونا بالرحيل عن الحياة، وترسيخ حقيقة الموت وأنّنا لاحقون بهم، وثمرة ذلك مضافاً الى امتلاك البصيرة وبُعدِ المدى، هو امتلاك الصبر على ابتلاءات الدنيا.

وهكذا علينا أن نجعل الايمان بالآخرة محور ثقافتنا، ولو تأمّلنا في خُطب نهج البلاغة سنصل الى ذلك المعنى بوضوح، أنّ امير المؤمنين عليه السلام في ايام خلافته كان يوجّه الناس الى الآخرة والعمل لأجلها، يقول عليه السلام في بعض خطبه: ((أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الدُّنْيَا قَدْ أَدْبَرَتْ وَ آذَنَتْ أَهْلَهَا بِوَدَاعٍ وَ إِنَّ الْآخِرَةَ قَدْ أَقْبَلَتْ وَ آذَنَتْ‏ بِاطِّلَاعٍ أَلَا وَ إِنَّ الْمِضْمَارَ الْيَوْمَ وَ السِّبَاقَ غَداً أَلَا وَ إِنَ‏ السَّبَقَ‏ الْجَنَّةُ وَ الْغَايَةَ النَّارُ أَلَا وَ إِنَّكُمْ فِي أَيَّامِ‏ مَهَلٍ‏ مِنْ وَرَائِهِ أَجَلٌ يَحُثُّهُ عَجَلٌ فَمَنْ عَمِلَ فِي أَيَّامِ مَهَلِهِ قَبْلَ حُضُورِ أَجَلِهِ نَفَعَهُ عَمَلُهُ وَ لَمْ يَضُرَّهُ أَمَلُه.‏‏))[1]

ضعف هذا المحور في الثقافة الدينية يؤثّر بشكلٍ كبير على كافّة سلوكيات الانسان، وسرعان ما يسقط هؤلاء في امتحانات الحياة.

يقول ربّنا تعالى[إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَ يَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقيلاً]

ومن الآية نفهم أنّ حبّ الدنيا هو الحجاب الذي يحول بين الإنسان و بين الإيمان بالآخرة، و أنّ الطريق لخرق هذا الحجاب هو حضور يوم القيامة العصيب في وعيه بتذكّر مواقفه الرهيبة و مشاهده الثقيلة.

فما دُمنا نواجه امامنا يوماً ثقيلاً، لابدّ أن نتجاوز صعوبات الحياة الدنيا، بينما من يجعل الايمان بالآخرة محور حركته في الحياة يسعد في الدارين.

بغير حساب

جاء في الرواية عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاقِرِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، عَنْ آبَائِهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، قَالَ: ((إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ جَمَعَ اللَّهُ الْخَلَائِقَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، وَ يُنَادِي مُنَادٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، يُسْمِعُ آخِرَهُمْ كَمَا يُسْمِعُ أَوَّلَهُمْ، يَقُولُ: أَيْنَ أَهْلُ الصَّبْرِ فَيَقُومُ عُنُقٌ مِنَ النَّاسِ‏[2]، فَتَسْتَقْبِلُهُمْ زُمْرَةٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ فَيَقُولُونَ لَهُمْ: مَا كَانَ صَبْرُكُمْ هَذَا الَّذِي صَبَرْتُمْ فَيَقُولُونَ: صَبَّرْنَا أَنْفُسَنَا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ، وَ صَبَّرْنَاهَا عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ. قَالَ: فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ: صَدَقَ عِبَادِي، خَلُّوا سَبِيلَهُمْ لِيَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ.

قَالَ: ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ آخَرُ، يُسْمِعُ آخِرَهُمْ كَمَا يُسْمِعُ أَوَّلَهُمْ، فَيَقُولُ: أَيْنَ أَهْلُ الْفَضْلِ. فَيَقُومُ عُنُقٌ مِنَ النَّاسِ، فَتَسْتَقْبِلُهُمْ زُمْرَةٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، فَيَقُولُونَ: مَا فَضْلُكُمْ هَذَا الَّذِي نُودِيتُمْ بِهِ فَيَقُولُونَ: كُنَّا يُجْهَلُ عَلَيْنَا فِي الدُّنْيَا فَنَحْتَمِلُ وَ يُسَاءُ إِلَيْنَا فَنَعْفُو. قَالَ:

فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ (تَعَالَى): صَدَقَ عِبَادِي، خَلُّوا سَبِيلَهُمْ لِيَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ.

قَالَ: ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ (عَزَّ وَ جَلَّ)، يُسْمِعُ آخِرَهُمْ كَمَا يُسْمِعُ أَوَّلَهُمْ، فَيَقُولُ: أَيْنَ جِيرَانُ اللَّهِ (جَلَّ جَلَالُهُ) فِي دَارِهِ فَيَقُومُ عُنُقٌ مِنَ النَّاسِ، فَتَسْتَقْبِلُهُمْ زُمْرَةٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، فَيَقُولُونَ لَهُمْ: مَا ذَا كَانَ عَمَلُكُمْ فِي دَارِ الدُّنْيَا فَصِرْتُمْ بِهِ الْيَوْمَ جِيرَانَ اللَّهِ (تَعَالَى) فِي دَارِهِ فَيَقُولُونَ: كُنَّا نَتَحَابُّ فِي اللَّهِ (عَزَّ وَ جَلَّ). وَ نَتَبَاذَلُ فِي اللَّهِ، وَ نَتَوَازَرُ فِي اللَّهِ. فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ: صَدَقَ عِبَادِي خَلُّوا سَبِيلَهُمْ لِيَنْطَلِقُوا إِلَى جِوَارِ اللَّهِ فِي الْجَنَّةِ بِغَيْرِ حِسَابٍ. قَالَ: فَيَنْطَلِقُونَ إِلَى الْجَنَّةِ بِغَيْرِ حِسَابٍ.

ثُمَّ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): فَهَؤُلَاءِ جِيرَانُ اللَّهِ فِي دَارِهِ، يَخَافُ النَّاسُ وَ لَا يَخَافُونَ، وَ يُحَاسَبُ النَّاسُ وَ لَا يُحَاسَبُونَ.))[3]


[1] الغارات (ط – القديمة)، ج‏2، ص: 436.

[2] ( 1) أي جماعة من الناس.

[3] الأمالي (للطوسي)، النص، ص: 103.