تدبرات في سورة (القيامة) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (الاول)

23/05/2019 نشر في: سورة القيامة

“لا أُقْسِمُ‏ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ”

بسم الله الرحمن الرحيم

[لا أُقْسِمُ‏ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ (1)وَ لا أُقْسِمُ‏ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2)أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ‏ (3) بَلى‏ قادِرينَ عَلى‏ أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ‏ (4)بَلْ يُريدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ]

صدق الله العلي العظيم

تفصيل القول

محكمتان أمام الانسان، لو فكّر بها جيّداً لجعل كلّ حياته تنتظم وفقهما، المحكمة الأولى هي محكمة العدل الالهي في يوم القيامة، حيث يقول ربّنا تعالى: [وَ نَضَعُ الْمَوازينَ‏ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَ إِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَ كَفى‏ بِنا حاسِبينَ][1]

فكلّ الأفعال سواءاً كانت صغيرة او كبيرة احاصها الرب تعالى حتّى لو نساها الانسان، وفي يوم القيامة يُحاسب عليها.

أمّا المحكمة الأخرى فهي النفس اللوامة التي هي بخلاف النفس الأمّارة بالسوء في داخل الانسان تلومه وتدفعه الى المزيد من فِعل الصالحات واجتناب المُحرّمات ومن هنا يجد الانسان في داخله التناقض الدائم بين الهوى (النفس الأمّارة) والهدى (النفس اللوامة) التي تكون حُجّة على الانسان لا يستطيع نكرانها أبداً.

ومن هنا تجد المؤمنين يُنظّمون حياتهم وفق هاتين المحكمتين، فما من موقف يمرّ فيه الّا ويتبّصر بما يُرشده عقله ويتذكّر وقوفه أمام خالقه وبالتالي يتّخذ الموقف الصحيح

 ومن هنا يقول ربّنا تعالى في سورة القيامة: [لا أُقْسِمُ‏ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ (1)وَ لا أُقْسِمُ‏ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ]

قيل أنّ لا نافية، أو زائدة، أنّها تفيد معنى القسم، و أنّ ما يليها من كلام/ 143 في منزلة من الوضوح لا داعي معها إلى القسم‏[2] أو أنّ ما وراءها من حقيقة نقسم بها عظيمة نجلّها عن القسم، و هما معا يفيدان معنى التفخيم.

‏لكنّ السؤال عن الثمرة المترتّبة عن الايمان بالمحكمة الالهية سواء في داخل الانسان أو في يوم القيامة؟

في الجواب على ذلك نقول:

أولاً: من يؤمن بمحكمة الذات فإنّه يبلورها، وطريق ذلك هو اتّباعها، فكلّما اتّبع الانسان جانب النور في داخله و صغى الى نفسه اللوامة، بلورها، جاء في الحديث عن أمير المؤمنين عليه السلام: ((مَنْ غَلَبَ‏ عَقْلُهُ‏ هَوَاهُ‏ أَفْلَحَ مَنْ غَلَبَ هَوَاهُ عَقْلَهُ افْتَضَحَ.))[3]

 ثانياً: بالنسبة الى يوم القيامة على الانسان استحضارها، لما آتاه الله من القدرة على التخيّل, لأجل ترسيخها في الوجدان.

ومن هنا تجد اولياء الله تعالى يستحضرون الآخرة دائماً، إن كان بتمرغهم على الرمال الحارقة كما كان يفعل ابوذر الغفاري، أو بحفر قبورهم و ما اشبه، كلّ ذلك يأتي في سبيل استحضار الحساب الالهي.

ونتيجة الايمان بالمحكمة الالهية هو تحمّل المسؤولية، والانضباط وِفق السُنن الالهية والنظام الكوني الجاري في الخليقة، ومن هنا نجد أنّ ذات السبب أي عدم تحمّل المسؤولية هو سبب الكفر بالآخرة عند غير المؤمنين، ظنّاً منهم أنّ ذلك يُلقي بالمسؤولية عنهم، والحال أنّ عدم الاعتراف بالمسؤولية هو جريمة يستحقّ مرتكبها عذاباً مُضاعفاً، مرّة لعدم العمل بالمسؤولية ومرّة أخرى لعدم الاعتراف بها.

سورة القيامة المُباركة جاءت لتثبّت فكرة المسؤولية تجاه المحكمة الالهية، و ردّ الشُبهات التي يتذّرع بها البشر لعدم ايمانهم بيوم القيامة.

ومن تلك الشبهات ما اشار اليه ربّنا سبحانه بقوله: [أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ]

و جذر هذا التصور نجده حينما نبحث عنه في جهل الإنسان بقدرة ربه التي لا تحدّ، و تقييم شؤون الخلائق بما فيها البعث و النشور من خلال قياساته الذاتية و قدراته المحدودة، دون أن يعرف أنّ للكائنات العظيمة التي خلقها اللّه من جبال و وهاد و أراضي و بحار و سموات و مجرّات .. أنّ لها مقاييس أخرى لا تقاس بذاته.

و لهذا فإنّه حيث يجد نفسه عاجزة عن جمع عظام الموتى يحسب الأمر مستحيلا، أمّا لو عرف ربّه لتغيّر تصوّره و موقفه، و آمن بالآخرة.

[بَلى‏ قادِرينَ عَلى‏ أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ‏]

ليس فقط العظام الصلبة بل حتّى الأجزاء الدقيقة في خلقة الانسان يُعيدها الرب، وكلمة: [نُسَوِّيَ] للتدليل على الانتهاء من الشيء بكلّ تفاصيله.

[بَنانَهُ‏]

سعى علماء البشر كثيراً ليصنعو يداً تشبه يد الانسان، في امكانية تفاعلها مع مختلف المؤثرات، لكنّهم عجزوا فاصبع الانسان الذي يتعامل مع ادقّ الامور، هي تمسك الامور الكبيرة أيضاً، ومن عظمة الخِلقة أيضاً أنّ عدم التشابه بين بصمات البشر بتاتاً إذ أنّ لكلّ شخص بصمته الخاصّة.

لكنّ مشكلة البشر الكبرى هو أنّه يريد اتباع هوى نفسه، وهو السبب الذي يدعوه لعدم الايمان بالآخرة.    


[1] سورة الانبياء، الآية: 47.

[2] ( 1) راجع سورة الواقعة عند الآيتين( 75- 76) و ما يليها.

[3] مستدرك الوسائل و مستنبط المسائل، ج‏11، ص: 212.