تدبرات في سورة (القيامة) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (الحادي عشر)

04/06/2019 نشر في: تقريرات التدبر في القرآن، سورة القيامة

“يُحْيِيَ الْمَوْتى”

بسم الله الرحمن الرحيم

[أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً (36) أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى‏ (37) ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (38) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَ الْأُنْثى‏ (39) أَ لَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى‏ أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى‏] (40)

صدق الله العلي العظيم

تفصيل القول

لا وجود لشيء عبثي في الحياة، سواءاً في خلقة الانسان أو في الارض والسماوات، هكذا وصل اليه العلم الحديث أنّ لكلّ شيء هدف مترابط مع سائر الخليقة، واذا كان ادقّ الاعضاء في الانسان لم يخلق عبثاً، فهل يمكن أن تكون كلّ خلقة الانسان عبثية؟! يقول ربّنا تعالى:

[أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَ أَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ][1]

اذن نحن لم نُخلق عبثاً خصوصاً وأنّ خالقنا المتعال حكيم ومقتدر، وقد خلقنا في مراحل عدّة حيث نقلنا من صلب آباءنا الى أرحام الامهّات وتحوّلنا من نطفة صغيرة الى علقة ومضغفة ثم الى انسان نُفخ فيه الروح بأمره تعالى كلّ ذلك ليستيقن الانسان بقدرة الرب، ثمّ أنّه تعالى جاء بنا الى الحياة دون نقصٍ أو عاهة، لنزداد ايماناً به وشكراً لنعماءه.

يُترك سُدى؟!

في سورة القيامة كما في معظم السور القرآنية هناك ترابط بين بداية السورة و نهايتها حيث يقول ربّنا في بدء سورة القيامة:[أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ]

و في النهاية يقول تعالى:  [أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً]

احد طرق ابليس لاغواء البشر هو جعله يستهين بنفسه، ولا يُقدّر أهميّته، ونتيجة ذلك الشعور هو التحلّل من المسؤولية، بخلاف الآيات القرآنية التي تؤكّد أهميّة الانسان والتدقيق في خلقته:

[أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى‏ (37) ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى]

و كما أنّ هذه المراحل حتمية بالنسبة للإنسان فإنّ الآخرة هي الأخرى حتمية، و الفكرة هذه تفسّر ربط القرآن الدائم بين الحديث عن الآخرة و الحديث عن مراحل خلقة الإنسان و أطواره، التي يهتدي المتدبر فيها إلى معرفة ربه حيث هي آيات لطفه و حكمته و قدرته. و بعد تفكّر البشر في نفسه و خلقه يجب أن يطرح على نفسه هذا السؤال الحاسم:

[فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَ الْأُنْثى‏]

فمن مصنعٍ واحد يُخرج الذكر والأنثى برغم الاختلاف الكبير الموجود في خلقتهم، وحكمة الاختلاف ايضاً هو التكامل، لأنّ كلّ جنس محتاج الى الآخر وعند الزواج يتكاملون.

فالله الذي بيّن لنا قدرته و خلقنا بمراحل، و في كل مرحلة بين لنا خكمته, وجلاله و كماله ألا يستطيع ان يبعثنا بعد موتنا؟

[أَ لَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى‏ أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى‏] (40)

من اكبر العقبات التي تحول دون ايمان الانسان بالآخرة هو التشكيك في امكانية المعاد، والقرآن الكريم يعالج تلك الاشكالية ببيان المزيد من آثار قدرة الله تعالى، سواءاً في خلقة الانسان، أو في خلق سائر الموجودات، يقول تعالى في سورة الحج:

[يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَ لَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَ إِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَ الْمَطْلُوبُ][2]

فكلّ من يتقدّم بالعلم يتبيّن له عجزه عن المعرفة والاحاطة بالحقائق فضلاً عن خلق حتّى الذباب!

عدالة الله

وهكذا فوجود المعاد ضرورة لتحقيق العدالة الالهية، ففي وجدان الانسان ان العالم باكمله موجود على اساس الحق و العدل, ولكنه بذات الوقت يجد الظلم، والاضطهاد، فلابدّ إذن من وجود المعاد لجريان عدالة الرب المُتعال.

صبغة الهية

البصيرة الأخرى التي نستفيدها من الآيات الأخيرة من سورة القيامه هو اننا بعد الايمان بالرب تعالى وأنّه لم يخلقنا عبثاً، و ايماننا كذلك بيوم القيامة والمعاد، وأنّ الرب تعالى شاهدٌ علينا ورقيب على اعمالنا، اقول بعد أن يؤمن الانسان بذلك لابدّ أن تصبح حياته الهية، ولا ينحرف عن الصراط القويم يقول أمير المؤمنين عليه عليه السلام في وصيته لكميل:

((إِنَّ هَذِهِ الْقُلُوبَ أَوْعِيَةٌ فَخَيْرُهَا أَوْعَاهَا احْفَظْ عَنِّي مَا أَقُولُ لَكَ النَّاسُ‏ ثَلَاثَةٌ عَالِمٌ رَبَّانِيٌّ وَ مُتَعَلِّمٌ عَلَى سَبِيلِ النَّجَاةِ وَ هَمَجٌ‏ رَعَاعٌ‏أَتْبَاعُ كُل‏ نَاعِقٍ يَمِيلُونَ مَعَ كُلِّ رِيحٍ لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِنُورِ الْعِلْمِ فَيَهْتَدُوا وَ لَمْ يَلْجَئُوا إِلَى رُكْنٍ وَثِيقٍ فَيَنْجُوا.))[3]

فالهمج الرعاع لم يعرفو حكمة الله من الخلق، وعاشو حياتهم بعيدين عن الله سبحانه و تعالى.

بالمقابل اذا نفذت حقائق القرآن في قلوبنا حينذاك سنكون ثابتين و لا نميل مع كل ريح.

فالايمان بالله يكون منطلق لكلّ حياتنا وتحرّكاتنا في الحياة.


[1] سورة المؤمنون، الآية: 115.

[2] سورة الحج، الآية: 73.

[3] تحف العقول، النص، ص: 170