شهر القرآن والصيام.. فرصة الأمة للعودة الى رشدها

18/07/2013 نشر في: الاخبار الثقافية، المحاضرات والدروس

بسم الله الرحمن الرحيم

“شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ “. (186/ البقرة)

 حينما صاغت يد الرسالة الأمة الاسلامية، وجعلها الله تعالى خير امة اخرجت للناس و شاهدة على سائر الامم، وضع سبحانه لهذه الامة محطات تعيدها الى صياغتها الاولى، كلما عصفت بها عواصف الفتن التي تفصلها عن مسارها قليلا او كثيرا.

 فالحج مثلا هو من المحطات الاساسية التي تعيد الامة الى تلك الصياغة.. والقران الكريم بذاته يقيم الامة ويعيدها كلما انحرفت عن مسارها، وكذلك شهر رمضان، فالصيام في واجب شرعي كتبه الله، ولكن شهر رمضان بالذات، كشهر الله، وكشهر الامة الإسلامية، يتميز بمميزات لو انتـُبهت الأمة اليها لأسطاعت ان تستفيد منها وتعود الأمة بها ومن خلالها الى توازنها و عنفوانها و قدرتها الاولى، وربنا تعالى وبكل وضوح يبين هذه الحقيقة حينما يقول: (شهر رمضان الذي انزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان). فالقرآن رسالة الامة وبوتقتها التي لابد ان تنصهر كل عناصر الامة فيه، وشهر رمضان استمد من القرآن الكريم قيمته، لذلك جاء في الحديث الشريف أن شهر رمضان ربيع القرآن.

 وبالفعل ترى المسلمين حينما يحل هذا الشهر الكريم يقبلون على القران الكريم يتلون آياته، يتدبرون في كلماته، ويستفيدون من بصائره ويحاولون صياغة انفسهم حسب مقاييسه التي هي مقايس الحق.. واهم ما في القرآن الكريم انه يهدي الناس، فكما ان كل انسان يتوجه الى الشمس يقتبس منها النور والدفئ والحيوية، كذلك القرآن، ومع أنه لايزيد الظالمين الا خسارا وطغيانا، إلا أن كل انسان ـ وحتى لو لم يكن يؤمن سلفا بإنه كتاب منزل من السماء ـ لو توجه الى القران الكريم من دون حجاب استفاد منه هدى ولذلك يقول ربنا سبحانه: (هدى للناس) و لا يقول هدى للمؤمنين او المتقين فحسب.

 ثم يقول تعالى: (وبينات من الهدى والفرقان)، فهناك من يستفيد من القرآن المزيد من البينات، أي من وضوح الرؤية، من الكلمات الواضحة، وكذلك مما يميز به الحق والباطل، فرقانا يفرق بين الحق والباطل، فالانسان الذي يأخذ القرآن ميزانا يزن به الحقائق، و بصيرة يكتشف بها الحقائق، يفرق دائما بين الحق والباطل، بين ما يصلحه وما يضر به، بين الصديق والعدو، وكما العين تكشف للانسان الطريق كذلك القران يكشف الطريق، ولإن القرآن قد نزل في شهر رمضان علينا ان نحتفي في هذا الشهر بالقرآن فنصوم شهر رمضان، فهذا نوع تحية من الانسان المؤمن للقرأن الكريم، نوع من اجلال واكرام الانسان للقران الكريم، نوع من الشكر لله الذي انزل علينا القران، فنحن نصوم شكرا له ولفضله ولفضل القران علينا وهو كتاب ربنا تعالى.

 فرصة لعودة الأمة الى رشدها

إن القرآن الكريم وشهر رمضان المبارك، نعمة كبرى يجب شكر الله عليها، و محطة ايمانية علينا أن نتزود منها وانها فرصة ذهبية للمسلمين ليعودوا الى رشدهم.. إن كانت هناك صراعات وحروب وعنف في بلاد المسلمين فليتوقف ذلك، أن تلتقطوا انفاسكم، ان تضمددوا جرحاكم، ان تأبنوا موتاكم، ان تصلحوا بعض ما افسدته الصراعات والعنف و الحرب في بلادكم، ولعل الهدنة في شهر رمضان تكون بداية للهدنة الدائمة، للعودة الى الرشد، انتم اخواننا في كل مكان و لا اخص بلدا اسلاميا دون غيره، فمع الاسف الشديد البلاد الاسلامية كلها تتعرض اليوم لموجات من العنف والعصبية والصراعات السياسية التي غـُلـّفت مع الاسف الشديد بهالة من الحالة الدينية.

العودة الى القرآن.. عودة الى السلام والأمن

يجب أن نجعل القرآن هو المقياس، هو الميزان و الفرقان، تعالوا ايها المسلمون عودوا الى كتاب ربكم، عودا الى الى هداه، عودوا الى رشدكم، الى ما يوحدكم، وستجدون في كهف القران ما يؤتيكم ما يظللكم بظلال من السلام والأمن والراحة النفسية، أولم يقل ربنا: (يا ايها الذين امنوا ادخلوا في السلم كافة).

هناك حروب واقتتال وصراعات في بلاد كثيرة، وللاسف لانأخذ العبر مما جرى على شعوبنا وبلداننا في عهود وتجارب سابقة، فقد كانت حروب اهلية في لبنان وأفغانستان والصومال وبلدان أخرى، ولكن الى اين انتهت؟ وكنا نقول في تلك الايام للاخوة في تللك المناطق أن المنتصر في الحرب الاهلية خاسر فكيف بالمنهزم؟ ننتصر على من؟ على اخواننا وبعضنا البعض؟!

آفة العصبيات الجاهلية

ومن هذا المنطلق ارجوا من الله تعالى ان يبعد شبح الاقتتال و الحرب الاهلية عن مصر ويجعل حكماء مصر يعتبرون بما جرى في الصومال وما جرى ولا يزال في سوريا.

اخواني دعوا العصبيات فهي نفثات الشيطان وتراث الجاهلية، فهي دمرت شعوب وابادت حضارات، اتركوا العصبيات و ارجعوا الى الرشد، اسمعوا كلام الحكماء و ليس كل من هب ودب وكل من صاح وناح يصبح حكيما او عالما.

 إن الازهر الشريف في مصر يقوم الآن بدور في لملمة جراح المصريين، كما تقوم في العراق الحوزات العلمية المراجع و العلماء بهذا الدور العظيم، يريدون للناس الالتئام والتعاون ولكن لماذا يحارب البعض هذه الحوزات و يحارب العلماء الذين ينادون بالسلام؟

الأصلاح.. ادوار ومسؤولية مشتركة

إن على الخطباء في هذا الشهر الكريم ان يعالجوا مشاكل الأمة، نحن كبشر علينا ان نتقيد بحدود الشرع، بالخلق الفاضل الذي بينه الدين، كل واحد منّا يصوم ويصلي ويحج ويقوم بدور، كإنسان متكامل بقدر ما يستطيع، ولكن ذلك لا يكفي لأن أكثر المشاكل ليست مشاكل افراد، بل هي مشاكل مجتمع وامة، هناك نظام اخلاقي فاسد في المجتمع يجب ان نتعاون في اصلاحه، هناك وضع سياسي خاطئ يجب ان نتعاون في اصلاحه، وعلى العلماء والخطباء والذين يستطيعون ان يقوموا بدور التوجيه سواء عبر القلم او عبر البيان، على هؤلاء جميعا ان يعالجوا مشاكل الأمة، وعلى أقل تقدير إن لم يستطعوا معالجة هذه المشاكل أن ينبهوا الامة اليها ويذكروا الأمة بما يصلحها.

نحن في العراق مثلا بحاجة اليوم الى ان نتواصى ونتعاون من اجل بناء العراق، فعلى سبيل المثال قد يقوم جهاز حكومي بإلقاء اللائمة على الناس في تدهور و قلة الكهرباء، ويبرر ذلك بإن هناك تجاوزات من الناس على شبكة الكهرباء.. وهذا كلام ولوم في غير محله، فمن يتجاوز ليس لديه عقدة او تعمد بألحاق ضرر بشبكة الكهرباء وبالاخرين، بل هو مواطن لديه حاجة لهذه الخدمة كما الاخرين، وعلى هذا الجهاز او تلك الجهة المختصة أن تؤمن له هذه الحاجة وتوفر له هذه الخدمة، لاسيما في ظل هذا الارتفاع المتنامي سنويا في درجات الحرارة لتي تجتاح بلادنا في كل صيف، لإن عدم قيام الجهة المسؤولة بتأمينها وتوفيرها له يضطره بالتالي الى الحصول عليها بطريقة تعتبرها الجهة الرسمية تجاوزا، بينما يعتبرها هو حقا من حقوقه..

 وهكذا أيضا على الناس ان لا يكتفوا بإلقاء اللّوم دائما وابداً على الحكومة، فلابد من وجود نوع من التعاون بين الناس والحكومة والكتل السياسية، أن يفتشوا عن اصلاح الوضع، لا أن يكون هم كل انسان أن يلقي اللوم على الآخر، فهذا اسلوب عقيم لايؤدي الى نتيجة، و ربنا تعالى امرنا بالتواصي والتشاور والتعاون فيما بيننا، أمرنا بالإحسان الى بعضنا، فهذه اصول التعامل المثلى.

ونحن في شهر رمضان وهو شهر مبارك ومن رحابه نؤكد مجددا أنه لابد على الجميع أن يفكروا في حل جذري لمشاكل الأمة، ليس بالكلمات وانما بالفعل والتعاون الحقيقي.. والامر كذلك فيما يرتبط بالأمن، وقد قلت مرارا واكرر الآن، أن من مسؤولية الجميع، الحكومة والشعب ومختلف الأجهزة، أن يتعاونوا على تحقيق و حفظ الأمن وفي أيجاد حالة وحس أمني في الأمة..

إن هذا الشهر الكريم حل علينا وجائنا ببركاته ونفحاته الرحمانية وكل خير، تعالوا نتوجه فيه الى الله بالدعاء بإصلاح انفسنا، بالتوبة، نتوجه الى الله بالاحسان الى الاخرين، فلو أحسنا الى بعضنا ورحمنا بعضنا فإن الله تعالى يرحمنا جميعا فهو سبحانه أولى بالرحمة من عباده، وليفكر أي إنسان في أي موقع في إصلاح نفسه أولاً، وثانياً في المساهمة في إصلاح المجتمع بأي طريقة صحيحة و ممكنة ومتاحة له ويحسب قدرته واستطاعته.

للإستماع: