تدبرات المرجع المُدرّسي في سورة (فصلت) شهر رمضان المبارك / 1436 هـ – (الدرس الأول)

20/06/2015 نشر في: الاخبار الثقافية، المحاضرات والدروس

تدبرات المرجع المُدرّسي في سورة فصلت (حم سجدة).

شهر رمضان المبارك / 1436

الدرس الاول

بسم الله الرحمن الرحيم

شرع سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدرّسي ( دام ظله) درسه السنوي في التدبر في القرآن الكريم بالتدبر في آيات سورة فصلت المباركة.

وفي بداية حديثه بين سماحته أن من كبرى النعم الالهية على الانسان هي نعمة توفيقه للشكر ، فمن انعم الله عليه بهذه النعمة ، فانه قد اعطاه واسبغ عليه سائر النعم بالتبع وبسبب هذه النعمة.

وقال سماحته: “ويجدر في هذا المجال ان اذكّر بدعاء عظيم المعاني يحتاج الى تأمل المتأملين وهو قول المعصوم : (أَسْأَلُكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَ رَسُولِكَ وَ أَنْ تُوزِعَنِي مِنْ شُكْرِ نَعْمَائِكَ مَا يَبْلُغُنِي فِي غَايَةِ رِضَاك‏)

التأمل في هذا المقطع من الدعاء يفتح للمؤمن افاقاً رحيبة ، لأن المؤمن يبحث عن رضوان الله سبحانه ، ورضا الرب عن العبد درجات ، واعلى تلك الدرجات واسناها يكون من نصيب اولئك الذين يؤدون الشكر الحقيقي تجاه النعم الالهية.

والوصول الى غاية رضا الرب سبحانه يعني الوصول الى غاية الكمال الانساني، وهل يرضى الله سبحانه غاية الرضا ،الا عن العبد الكامل؟”

وانطلاقاً من الدعاء واهمية الشكر ، شكر سماحة المرجع المُدرّسي ، الله سبحانه على توفيقه للجلوس على مائدة القرآن الكريم في ليالي شهر رمضان المبارك ، اذ ان الكثير من الناس قد انشغلوا عن القرآن بتوافه الامور ومغريات الشهوة والهوى ، وقلّ من يوفقهم الله سبحانه على امضاء لياليهم – خصوصاً ليالي شهر رمضان المبارك- بتدارس آيات القرآن الكريم.

وبعد ذلك شرع سماحته بالحديث عن السورة التي اختارها للتدبر في آياتها وهي سورة ” فصلت” او بعبارة اخرى سورة ” حم سجدة” ، وفيما يلي بيان ما أفاده سماحة المرجع المُدرّسي دام ظله.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

[حم(1)تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ(2)كِتَابٌ فُصِّلَتْ ءَايَاتُهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ(3)بَشِيرًا وَ نَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثرَهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ(4)وَ قَالُواْ قُلُوبُنَا فىِ أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَ فىِ ءَاذَانِنَا وَقْرٌ وَ مِن بَيْنِنَا وَ بَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَمِلُونَ(5)]

صدق الله العلي العظيم

 

فضيلة السورة

– روي عن النبي صلى الله عليه وآله، أنه قال:

«من قرأ هذه السورة أعطاه الله بعدد حروفها عشر حسنات ومن كتبها في إناء وغسله، وعجن به عجينا ثم سحقه، وأسفه كل

من به وجع الفؤاد، زال عنه و برى‏ء بإذن الله تعالى».

– وقال الامام الصادق (عليه السلام):

«من كتبها في إناء و محاها بماء المطر، وسحق بذلك الماء كحلا، وتكحل به من في عينه بياض أو رم، زال عنه ذالك الوجع، و لم يرمد بها أبدا، وإن تعذر الكحل فغسل عينيه بذلك الماء، يزول عنه الرمد بإذن الله تعالى

المحور والاطار

ما هو الاطار العام لهذه السورة وما هو محورها ؟

ولابد لنا قبل الحديث عن محور هذه السورة ان نبيّن ان ادراك محور السور القرآنية واطرها العامة ليس بالأمر السهل لأن سور القرآن متشابهات في مواضيعها المطروحة في الظاهر، وكما قال تعالى: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَديثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِي‏)، فقد تبدأ السورة بموضوع وتثنّي بموضوع آخر وتختتم بموضوع ثالث، ولا يبدو – في الظاهر- وجود ترابط هدفي  بينها.

 

فما هو محور سورة ” فصلت”؟

من خلال التدبر في المواضيع المطروحة في هذه السورة، ومن خلال قول بعض من فسّر هذه السورة المباركة، يمكننا القول ان محور السورة واطارها العام هو”الاستقامة”.

اننا نطلب من الله ان يهدينا الصراط المستقيم عدة مرات يومياً ، فالهداية الى الصراط امرٌ والاستقامة على الصراط المستقيم امرٌ اخر، وقد وردت اية الاستقامة في سورة هود، كما حوت سورة فصلت على آيتين في اطار الحديث عن الاستقامة.

ترى، ما هي الاستقامة وما هي شرائطها ؟ وكيف يمكن للانسان ان يكون مستقيماً؟

الاستقامة، في حقيقة امرها، هي قمة الكمال الانسان، اذ ان الوصول اليها يحتاج  الى بذل المرء الجهد وتقديم التضحيات والقيام بصعب الفعال.

“وفي هذه الليالي المباركة من شهر رمضان لابد لنا ان نسأل الله متضرعين ان يوفقنا للوصول الى مرتبة الاستقامة، بأن يطهر قلوبنا من ادران الشرك وشوائب الغفلة، التي تعد منزلق المرء في الفتن والابتلاءات.

وتطهير القلب والوصول الى مرتبة الاستقامة بحاجة الى عملٍ جاد مضافاً اليه الدعاء الخالص والتوسل الى الله سبحانه”

 

عقباتٌ في الطريق

وللوصول الى قمة الاستقامة ، لابد من اقتحام عقباتٍ أربع وتجاوزها وهي:

 

العقبة الاولى: الاعراض

(وَ ما تَأْتيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كانُوا عَنْها مُعْرِضين‏) .

يعد الاعراض اسوء مشكلة للانسان تجاه الحقائق الجليّة، فما هو الاعراض ولما يصاب به الانسان؟

قد ينغلق قلب الانسان في بعض الاحيان ولا يتصور حينذاك وجود حقيقة سوى ما يعتقد بها هو، واذا كان كذلك لا ينفتح لأي حقيقة اخرى، بل لا يستمع اليها حتى، وهذا هو الاعراض الذي يدع المرء متعصباً لبعض الافكار والمعتقدات ولا يتنازل عنها، بل ولا يستمع لما يتعارض معها.

وفي ذيل آية من سورة فصلت، قصة ذلك الرجل الذي اعرض عن الحقائق، فقد كان حاكماً يتحاكم اليه الناس في اشعارهم واقوالهم، فما اختاره منه كان هو الصائب والفائز، وهو ” الوليد بن المغيرة” ، ولكنه وبالرغم من حكمته المزعومة، كان يستهزء برسول الله، صلى الله عليه واله. وجاءوا اليه وقالوا: ” فَقَالُوا لَهُ يَا أَبَا عَبْدِ شَمْسٍ مَا هَذَا الَّذِي يَقُولُ مُحَمَّدٌ أَ سِحْرٌ أَمْ كِهَانَةٌ أَمْ خُطَبٌ فَقَالَ دَعُونِي أَسْمَعْ كَلَامَهُ فَدَنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْحِجْرِ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ أَنْشِدْنِي مِنْ شِعْرِكَ فَقَالَ مَا هُوَ شِعْرٌ وَلَكِنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ الَّذِي بَعَثَ أَنْبِيَاءَهُ وَرُسُلَهُ فَقَالَ اتْلُ عَلَيَّ مِنْهُ فَقَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ (ص)‏ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ فَلَمَّا سَمِعَ الرَّحْمَنَ اسْتَهَزَأَ فَقَالَ تَدْعُو إِلَى رَجُلٍ بِالْيَمَامَةِ يُسَمَّى الرَّحْمَنَ قَالَ لَا وَلَكِنِّي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ وَهُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ثُمَّ افْتَتَحَ حم سجدة [السَّجْدَةَ] فَلَمَّا بَلَغَ إِلَى قَوْلِهِ‏ فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ وَلَمَّا سَمِعَهُ اقْشَعَرَّ جِلْدُهُ وَقَامَتْ كُلُّ شَعْرَةٍ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ ثُمَّ قَامَ وَمَضَى إِلَى بَيْتِهِ وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَى قُرَيْشٍ فَقَالَتْ قُرَيْشٌ يَا أَبَا الْحَكَمِ صَبَأَ عَبْدُ شَمْسٍ إِلَى دِينِ مُحَمَّدٍ أَمَا تَرَاهُ لَمْ يَرْجِعْ إِلَيْنَا وَقَدْ قَبِلَ قَوْلَهُ وَمَضَى إِلَى مَنْزِلِهِ فَاغْتَمَّتْ قُرَيْشٌ مِنْ ذَلِكَ غَمّاً شَدِيداً وَغَدَا إِلَيْهِ أَبُو جَهْلٍ فَقَالَ يَا عَمِّ نَكَسْتَ بِرُءُوسِنَا وَفَضَحْتَنَا قَالَ وَمَا ذَلِكَ يَا ابْنَ أَخِي قَالَ صَبَوْتَ إِلَى دِينِ مُحَمَّدٍ قَالَ‏

مَا صَبَوْتُ وَإِنِّي عَلَى دِينِ قَوْمِي وَآبَائِي وَلَكِنِّي سَمِعْتُ كَلَاماً صَعْباً تَقْشَعِرُّ مِنْهُ الْجُلُودُ قَالَ أَبُو جَهْلٍ أَشِعْرٌ هُوَ قَالَ مَا هُوَ بِشِعْرٍ فَخُطَبٌ هِيَ قَالَ لَا وَإِنَّ الْخُطَبَ كَلَامٌ مُتَّصِلٌ وَهَذَا كَلَامٌ مَنْثُورٌ لَا يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضاً لَهُ طَلَاوَةٌ قَالَ فَكَأَنَّهُ هِيَ قَالَ لَا قَالَ فَمَا هُوَ قَالَ دَعْنِي أُفَكِّرْ فِيهِ فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ قَالُوا يَا أَبَا عَبْدِ شَمْسٍ مَا تَقُولُ قَالَ قُولُوا هُوَ سِحْرٌ فَإِنَّهُ أَخَذَ بِقُلُوبِ النَّاس‏ فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ‏ ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً وَبَنِينَ شُهُوداً إِلَى قَوْلِهِ‏ عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَر”.

الاعراض نتیجة القسوة للقلب وانغلاقه، وقد اسمت الايات القرآنية هذا الامر بتسميات عدة ( غلف القلب، واكنة، واقفال، والختم و..) وكلها تشير الى حقيقة انغلاق القلب عن الحقائق نتيجة قسوته.

فمثال قسوة القلب هو عدم التأثر بالموعظة، او الدعاء او .. وحينما لا يتأثر بالعظة يعرض مدعياً عدم جدوائية الحديث او كونه مكرراً او ..

ومن اسباب قسوة القلب المؤدية الى الاعراض، اكل الحرام ، كما ان من اسبابها الذنب فوق الذنب.

وبتجاوز عقبة الاعراض يواجه المرء بالعقبة الثانية وهي:

 

العقبة الثانية: الشك 

انطلق النبي ابراهيم، عليه السلام، الى قومه وادعى ان ربه الكوكب، وبعد افوله احال العبادة الى القمر، وبعد ذلك الى الشمس .. ترى لماذا فعل النبي ذلك؟

قام النبي ابراهيم عليه السلام بما قام به، لأن قلوب القوم كانت مغلقة فاراد ان ينقلهم من مرحلة الاعراض الى مرحلة الشك، وقد استخدم القرآن الكريم  الاسلوب ذاته مع المشركين حين قال: (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى‏ هُدىً أَوْ في‏ ضَلالٍ مُبين‏).

الشك في الحق مذموم، ولكنه مطلوب اذا كان في الباطل، لأن التشكيك به يدعو الى التأكد من بطلانه وبالتالي رفضه.

 

العقبة الثالثة: الوهم والظن

بعد الخروج من مرحلة الشك يبدأ المرء بالاعتقاد بالحق –مجملاً -، ولكنه يضيف اليه اوهامه وظنونه، فتراه – مثلاً- يعتقد بوجود الله سبحانه ولكنه يتوهمه او يجسمّه او يتخرص في صفاته.

 

العقبة الرابعة: التربص

وهي مرحلة عدم العمل بما يؤمن به، فهو قد استمع الى الحق وآمن به دونما شكٍ في حقانيته ولا يتوهم بالباطل شيئاً، ولكنه يسوّف العمل لقادم الأيام.

فيؤجل العمل الصالح لوقت آخر، ويسوّف التوبة على الذنب لمرحلة الشيخوخة و..

 

الوصول الى القمة

إن تجاوز العقبات كلها يمهد للوصول الى قمة الاستقامة المرجوّة.

ويبدو ان الحديث عن هذه العقبات وكيفية تجاوزها ومن ثم الوصول الى مرحلة الاستقامة، هو محور آيات هذه السورة المباركة.

 

استقامة الشيعة

وبمناسبة الحديث عن الاستقامة، اشار سماحة المرجع المُدرّسي ( دام ظله ) الى موضوع استقامة الشيعة على مر التاريخ وعدم خضوعهم للظروف التي احاطت بهم، وعدم انكسار شوكتهم امام التحديات.

وعزى سماحته السبب في استقامة الشيعة الى تمكسهم بروح سيدهم سيد الشهداء الامام الحسين، عليه السلام، فمنه ينتهلون دروس الاستقامة في كل الظروف، ومن ثورته يتعلمون دروس التحدي امام الباطل والتضحية في سبيل الحق.

وصلّى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين.

 

بصائر وسنن:

  • الاستقامة قمة الكمال الانساني ، والوصول اليه يفتقر الى دعاءٍ خالص من الله سبحانه ، وعملٍ جاد في اقتحام عقبات الطريق وتجاوزها وهي: الاعراض والشك والوهم والتربص.
  • محور سورة فصلت هو الاستقامة، وكيفية الوصول اليه.
  • عدم التأثر بالوعظ والدعاء والمصيبة و.. يرجع الى حالة قسوة القلب لدى الانسان.
  • الذنوب المتراكمة تسبب القسوة، وقسوة القلب يورث الاعراض عن الحق.