المرجع المدرسي: لا قيمة للأكثرية إن كانت حائدة عن الصراط المستقيم

23/06/2015 نشر في: الاخبار الثقافية

في الليلة الرابعة من سلسلة دروس التدبر في سورة فصلت المباركة التي يلقيها سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي (دام ظله) على جمع من العلماء وطلبة العلم في الجمهورية الإسلامية الإيرانية بمناسبة حلول شهر رمضان المبارك؛ اعتبر سماحته ان العترة الطاهرة المتمثلة بـ “فاطمة سلام الله عليها وابوها وبعلها وبنوها” هم محور الخلق والوجود.

ورأى سماحته في جانب من حديثه خلال الدرس أن، “لا قيمة للأكثرية إن كانت حائدة عن الصراط المستقيم”.

واعتبر الشجاعة والثقة بنعم الله  والتوكل عليه سبحانه من أهم الشروط الموضوعية للمؤمن في مواجهة ضغط الاكثرية الضالة.

هذا ودعا سماحة المرجع المدرسي إلى “ان لا يتحول الاختلاف النظري الى نزاع فعلي وشخصي”.

وفي ما يلي النص الكامل للدرس الرابع من سلسلة دروس التدبر في سورة فلصت المباركة:

 

 

تدبرات المرجع المُدرّسي في سورة فصلت (حم سجدة).IMG_9593

شهر رمضان المبارك / 1436

الدرس الرابع

بسم الله الرحمن الرحيم

[بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثرَهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ(4) وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فىِ أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفىِ ءَاذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَمِلُونَ(5)]

صدق الله العلي العظيم

بصيرتان هامتان في هذين الآيتين نسعى لبيانها والانتفاع بها في حياتنا.

البصيرة الاولى: الحق؛ بين الكثرة والقلة

ما هو الأهم في عالم التكوين ؟ هل الأساس في المخلوقات كثرتها وكميتها، ام نوعها وكيفيتها ؟ فلو ذهب احدنا الى صحراء فهل سنتوجه الى الملايين من الأحجار ام نلتفت الى قطعة الماس الموجودة بينها، هل نهتم بالتراب ام الى الذهب المتستر فيه.

بالتأكيد سيصب اه
تمامنا تجاه الكريم من الاحجار والنفيس من المعادن دون الاكتراث الى كثرة ذرات التراب او الحصاة والرمال.

وقد يعجب البعض من القول بأن اكثر الناس هم اهل جهنم ولا يستحقون ما يهبهم الله في هذه الدنيا، بل خلق الله الكون وما فيه لمجموعة قليلة من البشر، والحال ان الواقع هو كذلك، ولا اشكال فيه أبداً..

ارأيت سلسلة الجبال .. كلها تتصل ببعضها البعض لتكون بينها قمةً واحدة لا اكثر، وما في السلسلة من جبال انما هو بخدمة تلك القمة ومقدمة لها، وكذلك كان الثلة الخالصة المؤمنة هي المقصودة من خلقة الوجود بأسره، خلقها الله وخلق من اجلها العوالم بأمره الذي هو بين الكاف والنون، وهم النبي صلى الله عليه واله واهل بيته، الذين قال الله عنهم في حديث الكساء: (يا ملائكتي وسكّان سماواتي، ما خلقت سماء مبنيّة، ولا أرض مدحيّة، ولا قمر يسري، ولا فلك يجري، إلّا لأجل الخمسة الذين تحت الكساء)[1]

فلا اهمية للكثرة عند الله سبحانه وتعالى، فيباهي الله سبحانه برجلٍ واحد امام ملائكته، لأنه سار في الطريق الصحيح، وهو أمير المؤمنين، عليه السلام،  حيث أَوْحَى اللَّهُ (عَزَّ وَجَلَّ) إِلَى جَبْرَئِيلَ وَمِيكَائِيلَ (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ) أَنِّي قَدْ آخَيْتُ بَيْنَكُمَا وَجَعَلْتُ‏ عُمُرَ أَحَدِكِمَا أَطْوَلَ‏ مِنْ عُمُرِ صَاحِبِهِ فَأَيُّكُمَا يُؤْثِرُ أَخَاهُ فَكِلَاهُمَا كَرِهَا الْمَوْتَ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِمَا: عَبْدِي أَلَّا كُنْتُمَا مِثْلَ وَلِيِّي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، آخَيْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَبِيِّي فَآثَرَهُ بِالْحَيَاةِ عَلَى نَفْسِهِ، ثُمَّ ظَلَّ- أَوْ قَالَ: رَقَدَ- عَلَى فِرَاشِهِ يَفْدِيهِ بِمُهْجَتِه‏)[2].

ومن هنا، علينا ان لا نكترث – في سبيل الحق – بالاكثرية إن كانوا اهل ضلالة، ولا يجوز أن يجعل المرء قياده بيد الناس باعتبارهم الاكثرية، انطلاقاً من شعار “حشرٌ مع الناس عيد “، لأن الحشر مع الناس قد يكون – كما هو في اكثر الاحيان – الى نار جهنم.

إن تحديد الناس الذين يصلحون للاتباع ينبغي أن يكون ضمن الموازين الحقيقية، لا الكمية والطبقة و.. ، وقد ورد في الحديث: ” نحن الناس وشيعتنا أشباه الناس وسائر الناس نسناس” [3] ، مما يشير الى ان اهل البيت، عليهم السلام، هم اهلٌ للاتباع والانقياد وإن كانوا قلّة من حيث العدد.

وفي الجهة المقابلة نجد ان الاقلية كانت هي المتميزة في كل المجالات، فالمتفوقون علمياً او سياسياً او اقتصادياً او.. ، هم الأقل الاقل من ابناء البشرية، وكذلك في اتباع الحق والسير في المسير الصحيح.

فإذا اراد امرء ان يسير باتجاه الكمال فلابد ان يعي مسبقاً بأنه يسير في طريق لا يطرقه الكثيرون، بل الاقلية هي التي تسير في هذا الطريق مما يجعله موحشاً، فهو يريد ان يكون الذهب بين ذرات التراب، والمؤمن بين عامة الناس، وكما في دعاء المؤمنين: .. (وَ اجْعَلْنا لِلْمُتَّقينَ إِماما)[4]

وهذه الحقيقة – معيارية الحق لا الكثرة – تؤكدها آيات القرآن الكريم في اكثر من مناسبة، عبر بيان ضلالة الاكثرية واحقية الأقلية من الناس، ومنها هذه الآية المباركة حيث يقول سبحانه:

[ فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون]

فديدن الاكثرية هو الاعراض عن الحق والهدى، واتباع الهوى، وعدم الاستماع الى بصائر الوحي ومواعظ الرسول.

في مواجهة الاكثرية

إن التخلص من اغلال التبعية للاكثرية من الناس، سيدخل الانسان في مواجهتهم، فكيف السبيل الى مقاومة ضغوطهم وعدم التأثر بوسائلهم، وبعبارة اخرى ما هي الصفات التي يجب ان يتحلى بها المؤمن لمقاومة الاكثرية الضالة؟

1/ على الانسان ان يعرف قدر نفسه، ويثق بما اعطاه الله سبحانه من قدرات هائلة، فقد كرّم الله الانسان وسخّر له ما في السماوات والأرض، فلابد ان يكون قوياً مستفيداً من هذه النعم الالهية، فلا يكترث الى محاولات الشيطان لتخويفه وتضعيف نفسيته، فالشيطان يعد الانسان الفقر ويخوفه من المستقبل والناس و.. ، ولكن الله سبحانه يعده كل خير، ولا يخلف الله وعده.

وللوصول الى معرفة الذات على الانسان ان يكثر قرائة ادعية اهل البيت، عليهم السلام، فهي كنوزهم التي يبني الانسان من خلالها شخصيته الايمانية، فليست الادعية مجرد كلمات لطلب الحاجات من الله، فهي مضافاً الى ذلك معارف وعلوم اختزنها المعصومون، عليهم السلام، في قوالب مناجاة وادعية وزيارات.

” ومن هنا فإني اوصي بقراءة الادعية المختلفة في كل زمان ومكان، فلا ينتظر احدنا ليلة القدر لقرائة دعاء الجوشن الكبير، او يؤجل قرائة دعاء الامام الحسين، عليه السلام ، في يوم عرفة الى يوم ذهابه الى الحج و..”ان وهن الكثير من الناس امام ضغط الاكثرية – رغم معرفتهم بضلالتهم – يعود الى اننا تركنا حكماً واحداً من الاحكام الشرعية، وهو حكم وجوب معرفة اصول الدين والاعتقاد بها بالادلة والبراهين العقلية والوجدانية والنقلية، على كل مكلّف، وقد اجمع الفقهاء على عدم جواز التقليد في اصول الدين.

اقول: ان ترك هذا الواجب الشرعي، جعل المرء هزيل المعرفة، يهتز امام رياح الابتلاء والفتن.

اذن، فإن اول خطوة في طريق مواجهة امواج الاكثرية، ان يؤمن المؤمن بنفسه وبما يملك من نعم الهية مثل العقل والوعي والحرية والارادة و..

2/ التوكل على الله سبحانه  وتصديق وعده، فمن توكل على الله وعلم ان وعده حق وصدق لا خلف فيه، فإنه يستغني بالله عن الخلق ولا يخاف احداً ابدا، قال الله سبحانه: (ُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدْرا)[5].

“علينا ان نستغل فرصة شهر رمضان المبارك لنقترب الى الله سبحانه وتعالى، لانا ابتعدنا عن بارئنا باعمالنا وانشغالنا عن ذكره، حتى نسي الواحد منا ان له ربّا قادراً على كل شيء، فيلتجئ الى المخلوق متوكلاً عليه، بدل الله سبحانه وتعالى..”

ادعاء الجبر

[وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فىِ أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفىِ ءَاذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَمِلُونَ(5)]

البصيرة الثانية في هذه الآية، ان المجرمين والكافرين، يبررون جرائمهم وانحرافاتهم وكفرهم، بأنهم مجبرون عليها ، فتارةً يلقون باللوم على الآباء واخرى على المجتمع وثالثة على الظروف و.. و يبررون انحرافهم وكفرهم احياناً بأن الله اجبرهم على ما يفعلون – سبحانه وتعالى عما يصفون-.

وبذلك يظنون انهم  يبرئون انفسهم مما فعلوا ، ويتهربون من مسؤولية صنيعهم وانحرافاتهم.

وقد حارب الاسلام هذه العقيدة الفاسدة اشد محاربة، ففي الحديث النبوي:” صِنْفَانِ مِنْ أُمَّتِي لَيْسَ لَهُمَا فِي الْإِسْلَامِ نَصِيبٌ الْمُرْجِئَةُ وَ الْقَدَرِيَّةُ” [6] ، وقال ابو عبد الله، عليه السلام: ” النَّاسُ فِي الْقَدَرِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ رَجُلٍ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَجْبَرَ النَّاسَ عَلَى الْمَعَاصِي فَهَذَا قَدْ ظَلَّمَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فِي حُكْمِهِ وَهُوَ كَافِرٌ…[7]>

الاعتقاد بهذه العقيدة الفاسدة تدع المرء يغوص في حضيض الجرائم، حيث نجد تاريخياً انحراف الحكام الامويين والعباسيين، وتبريرهم – افعالهم الشنيعة- بأن الله اراد ذلك وأجبرهم عليها، او يقتل المرادي وصي رسول الله، صلى الله عليه واله، امير المؤمنين عليه السلام، ثم يدعي انه كان مجبراً في فعله، وهذا ما قاله بمحضر الامام علي، عليه السلام، بعد القيام بجريمته: ( يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ‏ أَ فَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّار)[8]

وعلى المؤمن ان يحذر من الابتلاء بهذا المرض، ولكن كيف؟

العقل هو جوهر الانسان واصله، فمن يجد نور عقله ويثق به، يتبعه ويتحمل مسؤوليته، ويجد بأنه قادرٌ على الاختيار فيما يريد، فلا يفرض عليه احدٌ فعلاً او تركا.

[وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فىِ أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ]

ادعى المشركون ان الله قد جعل قلوبهم في اغطية مستورة، فلا يدخل اليها نور الوحي، بل اكثر من ذلك فقالوا:

[وَفىِ ءَاذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ]

فادعوا ايضاً ان اذانهم اصيبت بثقل يمنعهم من الاستماع، وفي اعينهم حجب تمنعم من الرؤية، كل ذلك هرباً من الهداية.

[فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَمِلُونَ]

من مشاكل البشر في مسألة النصح، انه يحول القضية من قضية نصح ووعظ الى مسألة حرب وتحدي بينه وبين شخص الناصح، والحال ان الاختلاف النظري يجب ان لا يتحول الى نزاع فعلي وشخصي، فالكفار اتهموا النبي، صلى الله عليه واله، الذي جاء ناصحاً لهم ، ومخلصهم مما هم فيه.

وقيل ان هذه العبارة بمثابة تهديد للنبي الاكرم، صلى الله عليه واله، اذ ان لحن خطابهم – حسبما يبدو- اختلف، فهم بعد امتناعهم عن استماع النصيحة وتلقي الهداية، بدأوا بمهاجمة الناصح وتهديده.

وصلاة والسلام على سيدنا محمد وأله الطيبين الطاهرين

 

  • خلق الله سبحانه الخلق من أجل ثلّة من المؤمنين، وهم فاطمة سلام الله عليها وابوها وبعلها وبنوها.
  • في مسألة اختيار الحق واتباع الهدى، لا قيمة للاكثرية إن كانت حائدة عن الصراط المستقيم.
  • الشجاعة والثقة بنعم الله  والتوكل على الله سبحانه، تعد شروطاً موضوعية للمؤمن في مواجهة ضغط الاكثرية الضالة.
  • يتهرب المجرم من جرائمه عبر القاء اللوم على كل شيء، حتى يصل به الامر الى اتهام الله سبحانه باجباره على ارتكابه للموبقات والجرائم.
  • الاختلاف النظري يجب ان لا يتحول الى نزاع فعلي وشخصي، فنصح الناصح لا يبرر شنّ الحروب ضده لمجرد كونه ناصحاً.

 

[1] غرر الاخبار: ص 298

[2] الآمالي ( للطوسي) : 469

[3] تفسير الصافي: ج1 ،ص 460

[4] سورة الفرقان : الاية 74

[5] سورة الطلاق: الاية 3

[6] بحار الانوار: ج5 ،ص 7

[7] المصدر السابق: ص 9

[8] المصدر السابق: ج42 ، ص287