المرجع المدرسي: الإنسان يهتم بالجزئيات على حساب الحقائق العظمى

24/06/2015 نشر في: الاخبار الثقافية

تحدث سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي (دام ظله) في الليلة السادسة من سلسلة دروس التدبر في سورة فصلت المباركة عن الآيات التي “ترتبط بتوسيع أفق الإنسان، فتذكره بمكانته وتبين له مقام خالقه” مشيراً إلى أن ” هذه الآيات تنبه الكافرين أنهم بأي اله مقتدر يكفرون وأي خالق يجحدون”.

وأشار سماحته إلى أن “الإنسان يعاني من مشكلة الاهتمام بالجزئيات والتفاصيل على حساب الحقائق العظمى” مذكّراً بأن هناك عدد كبير من “الآيات القرآنية تدفع الإنسان دوماً لتوسيع أفقه في الحياة”.

وأوضح سماحة المرجع المدرسي أن “على المؤمن ان يتأمل في آيات الله في خليقته ليزداد معرفة بالله سبحانه”.

وفي ما يلي النص الكامل من الدرس السادس من سلسلة دروس التدبر في سورة فصلت المباركة:

 

 الدرس السادس

 

بسم الله الرحمن الرحيم

[إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيرُ مَمْنُونٍ(8)* قُلْ أَ ئنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِى خَلَقَ الْأَرْضَ فىِ يَوْمَينِ وتجَعَلُونَ لَهُ أَندَادًا  ذَالِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ(9) وجَعَلَ فِيهَا رَوَاسىَ مِن فَوْقِهَا وبَارَكَ فِيهَا وقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتهَا فىِ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِّلسَّائلِينَ(10)

آمنا بالله صدق الله العلي العظيم

 

من كبريات المشاكل التي تعاني منها البشرية، اهتمامهم بالتفاصيل الجزئية التي تفتقد للاهمية عادةً وانشغالهم بها عن الحقائق الكبرى، ومثلهم مثل من يدخل الى غابةٍ فينشغل عنها بشجرةٍ واحدة، فيخسر الاستمتاع بسحر الغابة الغنّاء والواسعة.

فترى الانسان يصرف وقته وتفكيره واعصابه على امورٍ تافهة مثل تفاصيل لون ستارة غرفة نومه او دقائق تفاصيل اثاث منزله او.. في وقتٍ خلقه الله سبحانه ليكون سيد الكون، وسخّر له ما في السماوات والارض، بل كرّمه الله في الدنيا والآخرة، حيث مكنّه مما في الأرض ليهب له حياةً كريمة في الآخرة (في‏ مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَليكٍ مُقْتَدِر)[1].

والقرآن الكريم يدفع الانسان دوماً للتوجه الى الحقائق الكبرى، والى الالتفات الى العالم كله وما فيه من دلائل عظمة الله سبحانه وتعالى، فتراه يذكرنا في بداية القرآن الكريم ان الله الذي ندعوه هو ربٌ للعالمين جميعاً (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمين‏)[2].

” والآيات التي سنتحدث عنها الليلة في في السياق ذاته، اي انها ترتبط بتوسيع افق الانسان، فتذكر الانسان بمكانته، وتبين له مقام خالقه، وتنبه الكافرين أنهم بأي اله مقتدر، يكفرون! وأي خالق يجحدون!.”

” ولكن قبل ذلك يبين السياق القرآني جزاء المؤمنين الذين آمنوا بالله سبحانه، في مقابل الويل الذي سيكون من نصيب المشركين المانعين للزكاة والكافرين بيوم القيامة”.

[إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيرُ مَمْنُونٍ]

المؤمنون الذين عملوا الصالحات التي فرضها ايمانهم عليهم، يعدهم الله سبحانه بجزاء غير ممنون، ويعني الجزاء المستمر والغير مقطوع، ولكن لماذا يكون جزائهم غير مقطوع؟

لأنه اجرٌ من عند الله سبحانه وتعالى، وما اتصل بالله باقٍ لا يفنى لأنه يبقى ببقاء الله سبحانه وهو غير مقطوع.

اتخاذ الانداد في خالق العالمين

[قُلْ أَ ئنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِى خَلَقَ الْأَرْضَ]

يأمر الله سبحانه نبيه الكريم، صلى الله عليه واله،  – في سياق الرد على المشركين- ان ينبههم بما يصنعون، من كفرٍ بالهٍ خلق الأرض في يومين، واتخاذ الهة من دونه وجعلهم انداداً لله سبحانه.

وسنبين فيما يلي جانباً من عظمة ما خلقه الله سبحانه، الأمر الذي ذكرت الروايات الشريفة بعض حقائقه، وسعى البشر لاكتشاف اسرار الكون والخليقة من جهة اخرى.

فالنظريات العلمية لدى البشر عن كيفية خلق السماوات والارض والتي تبقى مؤطرة باطار النظرية دون الارتقاء الى مستوى العلم، يقول العلماء، ان قبل خمسة عشر الف مليون عام ( 15 مليار سنة) حدث انفجاراً هائلاً في الكون باسم “بيج بانج”، وكان هو السبب في نشوء العالم، ولا يزال صدى ذلك الانفجار موجوداً في الفضاء، وكان الفضاء فيه اغبرة غليظة فتشكل بعضها ببعض على مر السنين والعقود وتشكلت منها الكواكب والنجوم.

ويقول علماء الفلك ايضاً، اننا اذ نعيش في مجرة “طريق التبانة “نعايش مليارات النجوم الهائلة، ومجرتنا هي واحدة من ملايين المجرات العظيمة والواسعة.

وآخر النظريات التي توصل اليها علماء الفلك، بان العالم في حالة توسع دائم، وهذه الحقيقة تشير اليها الآية: (وَ السَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وإِنَّا لَمُوسِعُون‏)[3].

وهذه الحقيقة – حقيقة توسع الكون- تفنّد اراجيف اليهود الذين زعموا ان الله سبحانه قد استراح من الخلق في يوم السبت وغلّت يده وجف قلم التقدير، سبحانه بل هو الخالق القادر المهيمن، فهو القائل : (بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ)[4]، وكذلك يخلق ما يشاء، كيف يشاء.

وقبل أن يأتي العلماء بنظرياتهم واكتشافاتهم بقرون، وردت الايات القرآنية وروايات اهل البيت عليهم السلام، وكشفت عن حقائق الوجود والكون، مثل حقيقة كون عرش الله على ماء، او كون السماوات والارض دخاناً قبل ان يجعلها الله سبحانه على ما هي عليه.

ونشير فيما يلي الى بعض تلك الروايات:

في جواب أمير المؤمنين، عليه السلام، على اسألة اليهودي، ورد: “.. قَالَ الرَّجُلُ صَدَقْتَ فَكَمْ مِقْدَارُ مَا لَبَّثَ اللَّهُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَخْلُقَ الْأَرْضَ والسَّمَاءَ ؟

قَالَ: أَ تُحْسِنُ أَنْ تَحْسُبَ ؟

قَالَ نَعَمْ.

قَالَ: لَعَلَّكَ لَا تُحْسِنُ .

قَالَ بَلَى إِنِّي لَأُحْسِنُ أَنْ أَحْسُبَ.

قَالَ عَلِيٌّ، عليه السلام،  أَفَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ صُبَّ خَرْدَلٌ‏ فِي الْأَرْضِ حَتَّى سَدَّ الْهَوَاءَ ومَا بَيْنَ الْأَرْضِ والسَّمَاءِ ثُمَّ أُذِنَ لِمِثْلِكَ عَلَى ضَعْفِكَ أَنْ تَنْقُلَهُ حَبَّةً حَبَّةً مِنْ مِقْدَارِ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ ثُمَّ مُدَّ فِي عُمُرِكَ وأُعْطِيتَ الْقُوَّةَ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى تَنْقُلَهُ وأَحْصَيْتَهُ لَكَانَ ذَلِكَ أَيْسَرَ مِنْ إِحْصَاءِ عَدَدِ أَعْوَامِ مَا لَبِثَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَخْلُقَ الْأَرْضَ والسَّمَاءَ وإِنَّمَا وَصَفْتُ لَكَ بِبَعْضِ عُشْرِ عَشِيرِ الْعَشِيرِ مِنْ جُزْءِ مِائَةِ أَلْفِ جُزْءٍ وأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنَ الْقَلِيلِ فِي التَّحْدِيدِ.

قَالَ فَحَرَّكَ الرَّجُلُ رَأْسَهُ وشَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ[5].

        قیل لأمير المؤمنين عليه السلام: يَا أَبَا الْحَسَنِ أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ [تَعَالَى فِي كِتَابِهِ‏] وكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا !

قَالَ [أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ‏] عَلِيُّ [بْنُ أَبِي طَالِبٍ‏] علیه السلام: نَعَمْ كَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ حِينَ لَا أَرْضٌ مَدْحِيَّةٌ ولَا سَمَاءٌ مَبْنِيَّةٌ ولَا صَوْتٌ يُسْمَعُ ولَا عَيْنٌ تَنْبُعُ ولَا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ ولَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ ولَا نَجْمٌ يَسْرِي ولَا قَمَرٌ يَجْرِي ولَا شَمْسٌ تُضِي‏ءُ وعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ غَيْرَ مُسْتَوْحِشٍ إِلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ يُمَجِّدُ نَفْسَهُ ويُقَدِّسُهَا كَمَا شَاءَ أَنْ يَكُونَ [كَانَ‏] ثُمَّ بَدَأَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ فَضَرَبَ بَزَارِخَ الْبُحُورِ فَثَارَ مِنْهَا مِثْلُ الدُّخَانِ كَأَعْظَمِ مَا يَكُونُ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ فَبَنَى بِهَا سَمَاءً رَتْقاً ثُمَّ دَحَى [انشق‏] الْأَرْضَ مِنْ مَوْضِعِ الْكَعْبَةِ وهِيَ وَسَطُ [الْأَرْضِ‏] فطيقت [فَطُبِّقَتْ‏] إِلَى [عَلَى‏] الْبِحَارِ ثُمَّ فَتَقَهَا بِالْبُنْيَانِ وجَعَلَهَا سَبْعاً بَعْدَ إِذْ كَانَتْ وَاحِدَةً ثُمَّ اسْتَوى‏ إِلَى السَّماءِ وهِيَ دُخانٌ‏ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ الَّذِي أَنْشَأَهُ مِنْ تِلْكَ الْبُحُورِ فَخَلَقَهَا سَبْعاً طِبَاقاً بِكَلِمَتِهِ الَّتِي لَا يَعْلَمُهَا غَيْرُه‏..[6]

انها ايات قدرة الله سبحانه، ومظاهر عظمته في خلقه للسماوات والارض، وبالرغم من ذلك ترى الانسان يتسافل الى حضيض الكفر بالله وانكاره.

[فىِ يَوْمَينِ]

تم خلق الأرض في يومين، فما يعني ذلك؟

اليوم في اصل اللغة العربية يدل على البرهة الزمنية، دون تحديده بالساعات الاربع والعشرين، مثل ما تدل “الساعة” على مقدار من الوقت.

ويبدو ان المراد ان خلقة الأرض تم في مرحلتين، كل واحدةٍ منها استغرق برهة زمنية، فما هي ؟

المرحلة الأولى، تم فيها اصل خلقة الأرض، اما الثانية فكانت تهيئتها لعيش الأحياء فيها.

[وَتجَعَلُونَ لَهُ أَندَادًا  ذَالِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ]

في مقابل الخالق العظيم الذي خلق الارض في يومين، يجعل الكافرون انداداً لله، وهو ذاته رب العالمين الذي يعطف عليهم ويلطف بهم لحظةً بعد لحظة، ولو رفع ذلك عنهم لحظة واحدة كان مآلهم العدم.

 

[وَ جَعَلَ فِيهَا رَوَاسىَ مِن فَوْقِهَا ]

جعل الجبال الراسيات على مساحات شاسعة من الأرض، بمثابة اوتاد تحفظ الأرض من ان تتلاعب بها الغازات المحيطة بها.

[وَبَارَكَ فِيهَا]

الآية تذكرنا بإسم من اسماء الله الحسنى وهو اسم الـ “تبارك” الذي تنتهي اليه كل اسماء الافعال، مثل الخالق والرازق والمصور و..

و “بارك فيها” يعني وجود البركة الدال على استمرارية ما اوجده الله سبحانه فيها، اذ ان ما في الأرض من نعم يكفي ليعيش البشر عليها ملايين السنين دون ان تنفد نعم الله سبحانه.

ومن معاني البركة، النمو فضلاً عن الاستمرار.

[وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتهَا فىِ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ]

لا يقتصر قوت الارض على ما نعرفه من التربة والماء والهواء والمعادن و.. بل يشمل اموراً لا نعرفها حتى، بل نكتشفها بتقدم العلوم، فمثلاً ثبت مؤخراً ان الزراعة لا تتأثر بأشعة الشمس وحدها، بل تتغذى بأشعة بعض النجوم أيضاً.

ولو كانت مقتصرة على بعض تلك النعم الالهية، لكانت كثيرة وجديرة بالشكر لله سبحانه، كيف وهي كثيرة لا تحصر بعدد، ولا تحاط بعلم؟

كل ذلك بتقدير تمّ بتقدير الهي دقيق،  في أربعة أيام ( اربعة مراحل )، وقد قيل بأن هذه المراحل متداخلة مع المرحلتين المذكورتين في الأية السابقة، وقيل بأنها مستقلة عنها.

[سَوَاءً لِّلسَّائلِينَ]

فكلّ المحتاجين الى الأقوات يتساوون في الحصول عليها، لأنّها متوفّرة في كلّ مكان، فليس الهواء والأرض والمعادن قليلة حتى يستأثر بها قوم دون آخرين، بل الناس فيها شرّع سواء.

كما أنّ معرفة هذه الحقيقة متوفرة لكل السائلين.

 

” وفي سياق هذه الآيات بصيرة لنا، مفادها ان لا نغفل عن خالقنا ورازقنا، بل نجعل ايام حياتنا ايام تعرف عليه سبحانه ومعرفة به عزوجل، وكم هو معيبٌ على العبد ان يصوم ويصلي ويحج ويحضر المجالس دون ان يعرف الله سبحانه معرفةً صحيحة.

اوليس اول الدين معرفته ؟ اذ لا فائدة من دين وسلوك خالي من معرفة الله سبحانه وتعالى، ولابد لنا أن نلجأ الى الله ونتضرع اليه ليعرفنا نفسه :

“اللَّهُمَ‏ عَرِّفْنِي‏ نَفْسَكَ‏ فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي نَفْسَكَ لَمْ أَعْرِفْ نَبِيَّكَ اللَّهُمَّ عَرِّفْنِي رَسُولَكَ فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي رَسُولَكَ لَمْ أَعْرِفْ حُجَّتَكَ اللَّهُمَّ عَرِّفْنِي حُجَّتَكَ فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي حُجَّتَكَ ضَلَلْتُ عَنْ دِينِي‏”[7]

كما لابد من الالتفات الى ان الوصول الى معرفة الله لابد ان يكون من طريقه وهو طريق اهل البيت عليهم السلام، فهم الادلاء على الله سبحانه، وبهم عرف الله، كما ان بهم علمنا الله سبحانه معالم ديننا واصلح ما كان فسد من دنيانا[8].

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

 

صفوة القول

  • يعاني الانسان من مشكلة الاهتمام بالجزئيات والتفاصيل على حساب الحقائق العظمى، ولذا نجد الآيات القرآنية تدفعه دوماً لتوسيع أفقه في الحياة.
  • تمت خلقة الأرض في يومين، وبعدها قدّر الله سبحانه اقوات الأحياء فيها في أيام اربعة، قيل أنها متداخلة مع يومي الانشاء، وقيل انها لحقتها في الايجاد، ليكون المجموع ستة أيام.
  • كل اسماء الله سبحانه في الفعل تعود الى اسم واحد هو اسم “تبارك”.
  • على المؤمن ان يتأمل في آيات الله في خليقته ليزداد معرفة بالله سبحانه