المرجع المدرسي: الأمة الإسلامية أصيبت من “الانحدار والتسافل” بعد شهادة النبي (ص)

28/06/2015 نشر في: الاخبار الثقافية

 

اعتبر سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي (دام ظله) أن “كل حضارة تعود في جذورها إلى دينٍ من الأديان السماوية  سواء بوجود نبيٍ أو رسول او وصول دعوته إليهم”.

في جانب من الدرس العاشر من سلسلة دروس التدبر في سورة فصلت المباركة” رأى سماحته أن الحضارات “تتسامى حتى تسود في الأرض وحينذاك يغتر أصحابها بما يملكون فتبدأ مسيرة التسافل ومن ثم الانهيار”.

وقال سماحة المرجع المدرسي إن “بداية خطوات التسافل لتلك الحضارات هو أن يبعث الله نبياً لينذرهم مغبّة أفعالهم”، موضحاً أن ” من عادات الأمم الاغترار بما يملكون والإعراض عن دعوة النبي المبعوث  فيكون مآل أمرهم إلى الهلاك والدمار”.

و رأى سماحته أن الأمة الإسلامية أصيبت هي الأخرى بحالة من “الانحدار والتسافل بعد شهادة النبي الأكرم (ص) حيث فضلوا الجاهلية على الإيمان والضلالة على الهدى  وكان ذلك بمخطط مدروس من قبل بني أمية”.

وفي ما يلي النص الكامل للدرس العاشر من سلسلة دروس التدبر في سورة فصلت المباركة:

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الانسان بين العبادة والشرك

[ إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْديهِمْ وَ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (14)فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَ قالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَ كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (15)فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ ريحاً صَرْصَراً في‏ أَيَّامٍ نَحِساتٍ لِنُذيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ لَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى‏ وَ هُمْ لا يُنْصَرُونَ (16)]

 

ذكرنا بالأمس بعضاً من المطالب التي استفدناها من هذه الآيات المباركة ، وباعتبار وجود بطون مختلفة وجوانب متعددة لكل آية من آي الكتاب العزيز ، فانا نبين بعض المباحث الأخرى المرتبطة بهذه الآيات ، وهو موضوع العبادة.

فما هي حقيقتها ، وكيف اصبحت العبادة محور وجود جميع المخلوقات ، وكان الشرك بالله في مقابلها اصل الخبائث ؟ وهل تقتصر العبادة على السجود والركوع لشيءٍ ما ، ام تتجاوزه لتشمل معنىً اعم؟

حقيقة العبادة

كلمة العبادة ، وما يشترك معها في الاشتقاق مثل ( عبد ، تعبيد ، تعبّد ) تعني التسليم من الناحية اللغوية ، فالشارع المعبّد هو الشارع الذي يكون تسليماً لسير الانسان عليه، ويقال للعبد عبداً لأنه مسلّمٌ امره لمولاه، ويقال للانسان عبد الله ، لأنه يسلم لله سبحانه وتعالى.

وهذا المعنى هو المعنى الظاهر لهذه الالفاظ ، الذي يعرف عبر مراجعة القواميس اللغوية وتبادر المعنى حين استماع اللفظ لشياع استعماله فيه، اما تأويلها ، الذي يعني التطبيق الخارجي للكلمة ، فهو يعني : اذعان الانسان بشيءٍ ما ، وجعله طريقاً ومنهجاً في حياته بتسليمه التام له.

فعبادة الله سبحانه ، تكون عبر الاذعان بربوبيته واستبطان التسليم له سبحانه وتعالى في كل ما يأمر ، فإن علم المرء تلك الاوامر نفّذها والا سعى في سبيل معرفتها.

واذا ما زلّ عن طريق التسليم ، بأن عصى ربه ، يأنب نفسه سريعاً ويؤوب الى الله بالتوبة والاستغفار ، دون اصرارٍ على الذنب والتمادي في الغي.

اما من كان دأبه اطاعة الهوى ، والتسليم لمشتهيات الذات ، فأنه يكون ممن قال عنهم الله سبحانه : [أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَ فَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكيلا][1].

تضارب العبودية بين الظاهر والباطن

من الناس من يعبد الله سبحانه في ظاهر أمره ، و.. ، ولكنه في واقعه عبدٌ ذليل لهوى دون اعترافٍ منه بهذه الحقيقة الاليمة.

فتراه لا يصلي ثم يبرر ذلك بانكار وجوبها ، وهو يختلف عن العاصي الذي يتهاون في اداء الصلاة ولا يؤديها ، رغم اعترافه بوجوبها، فهذا يعتبر فاسقاً حين يعتبر الأول كافراً.

[ إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْديهِمْ وَ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَة]

والمثال القرآني لأناسٍ جسّدوا هذه الظاهرة في حياتهم ، هم قوم عاد وثمود وكذلك كفار قريش ، حيث بدأوا في طريق تسافلهم وابتعادهم عن العبودية لله حين لم يذعنوا بالانبياء والرسل ، وراحوا يطالبون بنزول الملائكة عليهم بحجة كون النبي بشرٌ يأكل الطعام ويمشي في الاسواق لإمرار معاشه.

وقد كان ارسال الانبياء ، عليهم جميعاً سلام الله ، بتلك الكيفية لاختبار الناس وامتحانهم ، والا لو كان النبي صاحب ثروة وسلطة وقوة ، لكان الجميع يتبعونه وحينذاك لبطل الامتحان ، كما ان الله جعل بيته الحرام في وادٍ غير ذي زرع ، ليبتلي الناس في الذهاب اليه ، وكما قال أمير المؤمنين عليه السلام : ” ..ِ وَ لَوْ كَانَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى وَضَعَ بَيْتَهُ‏ الْحَرَامَ وَ مَشَاعِرَهُ الْعِظَامَ بَيْنَ جَنَّاتٍ وَ أَنْهَارٍ وَ سَهْلٍ وَ قَرَارٍ جَمَّ الْأَشْجَارِ دَانِيَ الثِّمَارِ مُلْتَفَّ النَّبَاتِ مُتَّصِلَ الْقُرَى مِنْ بُرَّةٍ سَمْرَاءَ وَ رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ وَ أَرْيَافٍ مُحْدِقَةٍ وَ عِرَاصٍ مُغْدِقَةٍ وَ زُرُوعٍ نَاضِرَةٍ وَ طُرُقٍ عَامِرَةٍ وَ حَدَائِقَ كَثِيرَةٍ لَكَانَ قَدْ صَغُرَ الْجَزَاءُ عَلَى حَسَبِ ضَعْفِ الْبَلَاءِ “[2].

الانبياء .. بناة ومنقذي الحضارات

وكان للانبياء ، عليهم السلام ، الدور الاساس في قيام الحضارات البشرية ، رغم تكذيب الكافرين لهم.

فكل حضارة تعود في جذورها الى دينٍ من الاديان السماوية ، سواء بوجود نبيٍ او رسول ، او وصول دعوته اليهم ، وتتسامى الحضارة حتى تسود في الأرض وحينذاك يغتر اصحابها بما يملكون ، وتبدأ مسيرة التسافل ، وفي بداية خطوات التسافل يبعث الله نبياً لينذرهم مغبّة افعالهم.

وكانت عادتهم الاغترار بما يملكون ، والاعراض عن دعوة النبي المبعوث ، وكان مآل امرهم الى الهلاك والدمار ، الا قوم النبي يونس ، عليه السلام ، حين آمنوا به بعد سنين من الدعوة فنفعهم ايمانهم.

انحدار الامة الاسلامية

وحالة الانحدار والتسافل اصيبت به الامة الاسلامية بعد شهادة النبي الاكرم ، صلى الله عليه واله ، حيث استحبوا الجاهلية على الايمان ، والضلالة على الهدى ، وكان ذلك بمخطط مدروس من قبل بني أمية ، ولولا وجود الائمة المعصومون والصديقة الطاهرة عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه ، لكان المسلمون يعودون الى جاهليتهم ، وبالتالي يعودون الى التشضي والتشرذم والتناحر.

والمخطط الأموي قد عاد الى الساحة الاسلامية اليوم ، لاقتلاع جذور الاسلام من العالم ، متمثلاً بداعش التي تهدف الى تدمير الاسلام والمسلمين.

وظاهرة “داعش” ليست ظاهرة عفوية ، بل ورائها الاف الدراسات الصادرة من مراكز البحوث الغربية ، التي ترمي الى اعادة النهج الأموي لتدمير الاسلام ، بعد ان عرفوا قوة الاسلام التابع للنهج العلوي.. وقد رأينا في استعراضاتهم العسكرية تسميتهم لفصائلهم وافواجهم باسماء مثل ” الشهيد المظلوم يزيد بن معاوية ” او ” المجاهد البطل حرملة بن كاهل ” وغيرهما من الشخصيات التي يندى جبين الانسانية لما فعلوه في حياتهم.

عاد ورفض التسليم

قوم عاد ابوا التسليم للنبي ، عليه السلام ، وبالتبع رفضوا التسليم لله سبحانه وأمره ، حين قالوا:

[ فانا بما انزلتم به كافرون]

انهم اعلنوا كفرهم بكل ما اتى به النبي ، جملةً وتفصيلا.

[فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَ قالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً]

حين نسوا ربهم ، تكبروا بما يملكون من قوة ، متحدين بذلك الرسول ، عليه السلام.

[أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ]

الرؤية هنا ، ليست رؤية العين ، بل هي رؤية العقل والبصيرة ، افلا يعقل الانسان بأن الخالق الذي صنعه هو اكثر منه قوة.

[وَ كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ]

جحودهم بآيات الله ، كان بسبب قسوة قلوبهم ، فحين يقسوا قلب الانسان لا يقدر على استقبال نور الحقيقة ، ويكون قلبه كالصخرة الصلدة ينحدر الماء من صفحتها ولا يؤثر فيها شيئاً.

 

[ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ ريحاً صَرْصَراً في‏ أَيَّامٍ نَحِساتٍ ]

الصرصر هو صوت الرياح القوية والباردة ، يقال صرصرة الرياح ، وهذا هو نوع الرياح التي ارسلها الله سبحانه عليهم لتعذيبهم.

وكان عذابهم في أيامٍ نحسات ، لم يروا فيها خيراً قط ، بل كل ما كان المٌ وعذاب ، واستمر ذلك العذاب سبع ليالي وثمانية أيام ، قال الله سبحانه : [سَخَّرَهاعَلَيْهِمْسَبْعَلَيالٍوَثَمانِيَةَأَيَّامٍحُسُوماًفَتَرَىالْقَوْمَفيهاصَرْعى‏كَأَنَّهُمْأَعْجازُنَخْلٍخاوِيَة][3]

[لِنُذيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ لَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى‏ ]

كل ذلك العذاب الذي المّ بهم ، كان لاذاقتهم الخزي في الدنيا في مقابل تكبرهم بما يمتلكون من قوة ، وعذاب ذلك الذنب يكون اخزى في يوم القيامة.

[وَ هُمْ لا يُنْصَرُونَ]

اليسوا هم من راحوا يبحثون عمن هو اقوى منهم لاظهار قوتهم وشدتهم؟

بلى ؛ ولكنهم لا ينصرون في مقابل عذاب الله سبحانه في الدنيا ، فضلاً عن عذابه في الاخرة ، والعياذ الله.

نسأل الله سبحانه ان يوفقنا للتسليم التام لأمره ونهيه ، انه ولي التوفيق وصلى الله على محمد واله الطاهرين.

 

صفوة القول

  • حقيقة العبادة تتلخص في الاذعان بشيءٍ ما ، وجعله طريقاً ومنهاجاً في الحياة بتسليمٍ تامٍ له.
  • يختلف الفاسق عن الكافر بأن الاول يعترف بخطأه والثاني يبرره.
  • تعود الحضارات في جذورها الى وجود دين من الاديان السماوية ، وبالابتعاد عن تعاليمه لا يتوقف نمو الحضارة فحسب ، بل ويبدأ بالانحدار ، وحينها يبعث الله الانبياء لانقاذهم.
  • لولا وجود العترة الطاهرة لكان المسلمون يردتون الى اعقابهم بشكل نهائي.
  • يتناسب عذاب الله سبحانه ( في الدنيا والاخرة) بنوع المعصية التي كانت الامم تقترفها.

 

 

[1]سورة الفرقان : الاية 43

[2]الكافي: ج4، ص 199

[3]سورة الحاقة : الاية 7