المرجع المدرسي: العذاب الالهي في الدنيا يفند وساوس ابليس وتكذيب الجاحدين بعذاب الآخرة

29/06/2015 نشر في: الاخبار الثقافية

 

في الليلة الحادية عشر من سلسلة درس التدبر في سورة فصلت المباركة تحدث سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي (دام ظله) عن فلسفة العذاب الإلهي ووجوده الحياة الدنيا.

ورأى سماحته أن وجود “العذاب الالهي في الدنيا يفند كل وساوس ابليس وتكذيب الجاحدين بوجود عذاب الآخرة، فيما أكد أن العذاب الالهي في الدنيا – مهما بلغ في الشدة – “لا يمثل إلا جزءً يسيراً من عذابه في القيامة”.

وأشار سماحة المرجع المدرسي إلى أن “القرآن الكريم كتاب تنبع الحكمة من كل جوانبه  وفيه بيان الحقائق التي منها بيان فلسفة العذاب الالهي”.

وفي ما يلي النص الكامل للدرس الحادي عشر من سلسلة دروس التدبر في سورة فصلت المباركة:

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

[فَأَرْسَلْنَا عَلَيهْمْ رِيحًا صَرْصَرًا فىِ أَيَّامٍ نحَّسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الخِزْىِ فىِ الحَيَوةِ الدُّنْيَا  وَ لَعَذَابُ الاَخِرَةِ أَخْزَى‏  وَ هُمْ لَا يُنصَرُونَ(16) وَ أَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّواْ الْعَمَى‏ عَلىَ الهُدَى‏ فَأَخَذَتهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الهُونِ بِمَا كاَنُواْ يَكْسِبُونَ(17)]

 

القرآن الكريم كتابٌ تنبع الحكمة من جوانبه ، فيه تذكيرٌ للحقائق وبيانٌ لفلسفتها وجوابٌ للوساوس التي يلقيها الشيطان في روع الإنسان بصورة مستمرة.

ومن تلك الحقائق التي تبينها آيات عديدة من كتاب الله هي بيان فلسفة العذاب الدنيوي والاخروي ، والاجابة على وساوس ابليس التي تحوم حول هذه القضية ، منها : ( لماذا يجب أن نعذَّب؟ )

ويدخل ابليس الخط ويلقي في قلب الناس ان العذاب في الدنيا دليلٌ على عدم العدالة الالهية – والعياذ بالله – .. وإن لم تؤثر شبهته هذه يدخل من بابٍ ثان بفكرة عدم تناسب العذاب مع الرحمة الالهية العميمة ، فالله أرحم الراحمين ، ولا يتناسب العذاب مع رحمانيته ورحيميته ، فإذن كل ما يقال عن فكرة العذاب هو كذبٌ لا يصح نسبته الى الله..

” وحسب تتبعي لتاريخ الأمم ، فإن اول امة انكرت العذاب الالهي بحجة كونه رحماناً ورحيماً هم قوم نوح ، لأنهم كانوا في نعيم ورخاء كبير ، وكما يقول المؤرخون والمنقبّون أن اول حضارة في التاريخ هي حضارة بلاد الرافدين لما كانوا يملكون من نعم وامكانات .. وحيث لم يلحظوا الى جانب الرحمة والعطاء الالهيين ، فإنهم كذّبوا وجود العذاب الالهي ، وهذا ما نستفيده من قول النبي نوح ، عليه السلام ، لهم : [أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَ أَنْصَحُ لَكُمْ وَ أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُون‏][1] ، فمنها نستفيد أنهم كانوا قد نسوا جانب غضب الله سبحانه وسخطه. وتوارثوا هذا التكذيب النابع من الوساوس الشيطانية جيلاً بعد جيل حتى مرّت ثلاثة اجيال وهنالك انزل الله سبحانه عليهم العذاب الاليم.

دليل وجود العذاب

و مهما اثّرت وساوس ابليس في قلوب المشككين ، فإن الواقع غير ذلك ، فالعذاب الالهي حقيقة ، وادلّ دليل على وجوده هو وقوعه سابقاً، ووقوعه حالياً ، قال الله سبحانه : [قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى‏ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَ يُذيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُون‏][2] ، فالانواع المختلفة للعذاب في الدنيا من نزوله من السماء او بروزه من تحت الأرجل او الحروب الدموية التي تحدث بين ابناء الجنس البشري وابناء الدين الواحد ، كلها آياتٌ من عذاب الله سبحانه لعل الناس يفقهون.

فالرب في حال كونه أرحم الراحمين في موضع العفو والرحمة ، هو اشد المعاقبين في موضع النكال والنقمة ، وكما قال عز من قائل : [اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَديدُ الْعِقابِ وَ أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحيم‏][3].

وما قول بعض الصوفية من أنه يعترض على رب الأرباب في يوم القيامة واطفاءه لنار جهنم بطرف رداءه الا شطحة من الشحطات التي تنبئ عن اصابة هؤلاء بأمراض خطيرة ، لأن سيرة النبي الاكرم ، صلى الله عليه واله ، واهل بيته المعصومين ، عليهم السلام ، كانت معاكسة تماماً لهذه الافكار التافهة ، فالنبي الاكرم ، صلى الله عليه واله ، كان كثير العبادة ، طويل الركوع والسجود لله سبحانه ، يمد الحبل من السقف كي يمنعه من السقوط ارضاً حين الصلاة ، حتى قال الله سبحانه : [ طه * ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى‏][4]. هل كان فعله الا دليلاً على وجود عذاب حقيقي في يوم القيامة ؟

عذاب الأخرة أخزى

[ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الخِزْىِ فىِ الحَيَوةِ الدُّنْيَا  وَ لَعَذَابُ الاَخِرَةِ أَخْزَى]

إن عذاب الله سبحانه في الدنيا مظهرٌ مصغّر من عذابه الأخروي ، واعجب ما فيه ، ان شدة حرارة النار وظلمتها ، وعقاربها التي تبلغ حجمها الجمال او حياتها التي تشابه التلال ، ليست العذاب الأشد في الاخرة ، انما العذاب الاشد هو عذاب الخزي فيها ، وبعبارة اخرى فإن الالم النفسي الذي يصاب الكفار في نار جهنم آلم من الألم الجسدي.

” وكان احد الصلحاء واسمه ملا علي الهمداني ، يدعو ربه بعد مواعظه دوماً : (اللهم ان اردت ادخالي النار ، فاجعل ذلك بعيداً عن أعين مريدي ) لأنه لا يريد الخزي امامهم ان كان لم يعمل بما قاله للناس”.

لا ينصرون

[‏  وَ هُمْ لَا يُنصَرُونَ]

الناس في يوم القيامة ثلاثة أصناف، فمنهم من يدخل الجنة بغير حساب ، ومنهم من يدخل النار بغير حساب ، ومنهم من خلط عملاً صالحاً واخر سيئاً ، فيحتاجون الى شفاعة الشافعين لنجوا من نار جهنم ويفوزوا بالجنة والرضوان.

وقوم عاد من الصنف الثاني ، فبالرغم من وجود الشفاعة في يوم القيامة وحصول الكثير من العصاة على صكها ، الا ان هؤلاء غير مشمولين بالشفاعة ، لأنهم ممن تبوءوا مقاعدهم من النار بتحديهم لله سبحانه وآياته ورسله.

 

اتباع الهوى بعد الهدى

[وَ أَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّواْ الْعَمَى‏ عَلىَ الهُدَى‏ فَأَخَذَتهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الهُونِ بِمَا كاَنُواْ يَكْسِبُونَ]

تبين آيات الكتاب المعايير التي اودعها الله سبحانه خليقته ، والتي لابد ان يوفّق الانسان نفسه معها ، و تذكر المعايير هذه بطرائق مختلفة ، ومن تلك الطرق جعلها في قوالب القصص الواقعية ، عبر بيان قصص الاقوام السابقة التي مثّلت تلك المعايير ( سواء معايير الخير او الشر) ، وذلك يعني ان كل انسان في أي مكان يعمل بتلك المعايير قلّ او كثر ، فانه يصل الى نفس النتيجة التي وصل اليها السابقون.

وما الامر بزيارة المعصومين والسلام عليهم ودراسة سيرتهم العطرة ، الا لتجسيد تلك القيم والمعايير الايمانية التي مثلّوها في حياتهم. وفي المقابل فإن الامر بلعن الظالمين والطغاة في التاريخ ليس الا للانكار القلبي لما قاموا به في حياتهم وبالتالي عدم تكرار افعالهم المشينة على الواقع الفردي او الاجتماعي.

ومن معايير الشر التي تبينها هذه الآية هي حالة الارتداد الى حالة العمى بعد الوصول الى نور الهداية.

لماذا ينجرف الانسان الى العمى بعد قضائه برهة من العمر في دوحة الهداية؟

السبب في ذلك يعود الى ضعف ادوات الاستقبال لدى الانسان ، فالله سبحانه اودع في الانسان ادوات يستقبل بها الآيات والعلامات المودعة في الخليقة لينتفع بها ويصل عبرها الى الحقائق ، ولكنه وبسبب ضعف هذه الاجهزة او عطلها يعجز عن استقبال شيء، ويتحول قلبه الى قلب قاسٍ لا يتأثر بالهدى.

ولكن ما هي اسباب حصول هذا الأمر؟

العادة وافراغ الحق من محتواه

من تلك الاسباب اعتياد الانسان على حالة الهداية ، فتتحول سلوكيا ته كلها الى عادات تفرغ من لبابها ، فيصلي بلا توجه ، ويقرأ القرآن بلا اهتمام ، ويصوم بلا وعي ، ويقرأ الادعية والمناجاة بلا تأثر ، كل ذلك لأنه اعتاد على هذه الافعال وصارت اموراً روتينية في حياته ، قال الله سبحانه : [أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَ ما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَ لا يَكُونُوا كَالَّذينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَ كَثيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُون‏][5] .

بتحول الحق الى مجرد عادات فارغة المحتوى ، يبدأ قلب المؤمن بها بالقسوة ويفقد طراوته وخشوعه.

تخويفات ابليس ووساوسه

كما ان من الاسباب الاساسية لانحدار الكثير من الناس هو خوفهم من التحول ، ذلك الخوف الذي يلقيه ابليس في روعهم كلما اتجّه الحديث عن احداث تغيير ايجابي في الحياة ، فإن كان الحديث عن صلاة الليل يلقي اليه بالقول : ( احذر على راحتك ) .. واذا كان الحديث عن وجوب الخمس واداء الحقوق الشرعية ينبري بتخويفه على ماله .. واذا ما أٌمر بالجهاد تدخل ابليس وقال له : ( احذر على اهلك وعيالك!).. كل ذلك لابعاده عن ارتقاء سلالم الهدى والصلاح.

وقد يستعمل ابليس اسلوباً آخر معه ، عبر تهوين فعاله وتخفيف ذنوبه في عينه ، او تزيينها في بعض الاحيان ، فيذكره بنماذج ضعيفة الإيمان ليطمئنه بأنه خيرٌ منها او ذنوبه اقل من ذنوبهم او.. ، في حين لابد ان ينظر الانسان الى من هو افضل منه بالنسبة الى امور الاخرة ، وكما روي عن الامام زين العابدين ، عليه السلام انه كان يقارن عبادته بعبادة جده امير المؤمنين :” لَقَدْ دَخَلَ أَبُو جَعْفَرٍ ابْنُهُ علیه السلام عَلَيْهِ (ای الامام زين العابدين) فَإِذَا هُوَ قَدْ بَلَغَ مِنَ الْعِبَادَةِ مَا لَمْ يَبْلُغْهُ أَحَدٌ فَرَآهُ قَدِ اصْفَرَّ لَوْنُهُ مِنَ السَّهَرِ وَ رَمِدَتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْبُكَاءِ وَ دَبِرَتْ جَبْهَتُهُ مِنَ السُّجُودِ وَ وَرِمَتْ سَاقَاهُ مِنَ الْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ،  فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ عليه السلام : “فَلَمْ أَمْلِكْ حِينَ رَأَيْتُهُ بِتِلْكَ الْحَالِ مِنَ الْبُكَاءِ فَبَكَيْتُ رَحْمَةً لَهُ ” وَ إِذَا هُوَ يُفَكِّرُ فَالْتَفَتَ إِلَيَّ بَعْدَ هُنَيْئَةٍ مِنْ دُخُولِي فَقَالَ “يَا بُنَيَّ أَعْطِنِي بَعْضَ تِلْكَ الصُّحُفِ الَّتِي فِيهَا عِبَادَةُ عَلِيٍّ فَأَعْطَيْتُهُ فَقَرَأَ مِنْهَا يَسِيراً ثُمَّ تَرَكَهَا مِنْ يَدِهِ تَضَجُّراً وَ قَالَ مَنْ يَقْوَى عَلَى عِبَادَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِب‏ عليه السلام”[6].

نسأل الله سبحانه ان يجعلنا من الثابتين على خطى الايمان والهدى ، انه سميع مجيب وصلى الله على محمد واله الطاهرين.

صفوة القول

  • القرآن كتاب تنبع الحكمة من كل جوانبه ، وفيه بيان الحقائق التي منها بيان فلسفة العذاب الالهي.
  • وجود العذاب الالهي في الدنيا يفند كل وساوس ابليس وتكذيب الجاحدين بوجود عذاب الاخرة.
  • العذاب الالهي في الدنيا – مهما بلغ في الشدة – لا يمثل الا جزءاً يسيراً من عذابه في القيامة.
  • الارتداد الى العمى بعد الثبات على الهداية ، حالة قد تصيب كل من فرّغ العبادة عن محتواها بالاعتياد على فعلها ، او من استمع الى تخويفات ابليس ووساوسه.

 

 

 

 

[1] سورة الاعراف: الاية 62

[2] سورة الانعام : الاية 65

[3] سورة المائدة : الاية 98

[4] سورة طه : الاية 1-2

[5] سورة الحديد : الاية 16

[6] إعلام الورى بأئمة الهدى  ( ط. قديمة) : ص 260