المرجع المدرسي: التقوى الجانب السلوكي لإيمان القلب

01/07/2015 نشر في: الاخبار الثقافية

أكد سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي (دام ظله) أن “التقوى هو الجانب السلوكي لإيمان القلب”، مشيراً إلى ضرورة “اجتماع الإيمان والسلوك معاً كي ينجو المؤمن من عذاب الله سبحانه”.

وفي الدرس الثاني عشر من سلسلة دروس التدبر في سورة فصلت المباركة؛ قال سماحته إن، “التقوى، روحٌ يهبها الله المؤمن باسم (روح التقوى) كما يسدد الله انبياءه بروح القدس”.

 

و في ما يلي النص الكامل للدرس الثاني عشر من سلسلة دروس التدبر في سورة فصلت المباركة:

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

[وَ أَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّواْ الْعَمَى‏ عَلىَ الهُدَى‏ فَأَخَذَتهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الهُونِ بِمَا كاَنُواْ يَكْسِبُونَ(17)

وَ نجَّيْنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَ كاَنُواْ يَتَّقُونَ(18) وَ يَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلىَ النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ(19)]

آمنا بالله صدق الله العلي العظيم

المجتمع البشري ، ومنذ ان اوجدهم الله سبحانه ، كان على انماط مختلفة وانواع متعددة ، ولكل طائفة عاداتها وتقاليدها ، وسيبقى هذا التنوع الى قيام الساعة.

وفي آيات الذكر ايراد لكل انماط المجتمعات عبر بيان قصص ونماذج عن كل نمطٍ ونوع ، فيذكر عاد مثالاً لقوم استكبروا ورفضوا الاستماع الى انبيائهم منذ اول يوم ..

وثمود ؛ يذكرهم القرآن الكريم كنموذج لقومٍ هداهم الله سبحانه ثم انسلخوا عن الهداية واستحبوا بعد الضياء الظلام ، ولم يكونوا كثر من حيث الكثافة السكانية ، بل كانوا عدة بيوتات تسكن ساحل البحر ، ويبدو ان كان البحر الأحمر ، كما يستفاد ذلك من النصوص الشريفة.

كما ان بيان قصة ثمود بعد قوم عاد ، في سياق الحديث عن اعراض كفار قريش ، هو لوحدة البقعة الجغرافية بينهم جميعاً حيث كانوا – كلهم – يسكنون الجزيرة العربية ، فما كانت مشكلة ثمود؟

انهم قبلوا كلام نبيهم واتبعوه ، ولكنهم تأثروا بوساوس ابليس واغوائاته فابتعدوا عن نور الهداية شيئاً فشيئاً .. وما حدث عندهم حدث في الأمة الاسلامية أيضاً ، بعد رحيل النبي صلى الله عليه واله، فبعد استجابتهم للنبي ، والتضحيات الجسام التي قدموها في سبيل رفع راية الاسلام حتى قيل ان كل خمسة وسبعين يوم كانت للمسلمين غزوة او سرية او..

ولكنهم بعدما صنعوه اغتروا بالمال والمنصب ، واستعلوا بالذات والعشيرة ، وانحرفوا عن الهدى كل انحرافٍ ، كما حدث ذلك عند زبير بن العوام ، الذي قاتل في جبهة رسول الله ، صلى الله عليه واله ، عمراً طويلاً وكان سيفه يكشف الأذى عن وجه النبي ، ولكنه في النهاية اخلد الى الارض بسبب بريق السلطة واتباع المغرضين.

الماضي المشرق لدى المرء لا ينفعه شيئاً إن كان حاضره اسود ، فالمهم عاقبة الانسان ، وعلى ما يختتم به عمره ، وهذا كان مرض قوم ثمود الذي ابتلي – ولا يزال- يبتلي به الكثير من الناس.

[وَ أَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ]

اي انهم اهتدوا بهدى الله سبحانه وتعالى ، ولولا ذاك لما كان السياق يورد كلمة ( هديناهم) ، ولكنهم – وبسبب شقائهم- ابتعدوا عن الهدى بعد ان اوصلهم الله اليه ، وفضلّوا الضلال ، لأن من اوصله الله سبحانه الى تلك المرحلة السامية ، لا يمكن ان ينحدر الى لشقاء نفسه ، وكما نجد في الحديث النبوي عمن يحرم رحمة الله في شهر رمضان لأنه شقي : ”  فَإِنَّ الشَّقِيَ‏ مَنْ‏ حُرِمَ‏ غُفْرَانَ اللَّهِ فِي هَذَا الشَّهْرِ الْعَظِيم‏”[1].

[فَاسْتَحَبُّواْ الْعَمَى‏ عَلىَ الهُدَى‏ ]

هناك من لا يهتدي السبيل لاصابة عينه بالعمى ، اما من يملك العين ولكنه يرفض الانتفاع بها ، فإنه مصاب بعمى القلب. هؤلاء وصلوا الى مرحلة الهداية ، ولكنهم لخللٍ في قلوبهم فضّلوا العمى على الهدى.

ومن الاسباب المؤدية الى ذلك – مضافاً الى السببين الذين ذكرناهما ليلة امس- هو ما يصاب به المتدين ( المهتدي) من غرور وعجب ، فيدخل ابليس ليجره الى حضيض العمى.

[فَأَخَذَتهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الهُونِ]

الصاعقة – كما ذكرنا – هو المفاجئ من العذاب الالهي ، مهما كانت الوانه.

وما اصيبوا به كان ( عذاب الهون) اي عذاب الذل والخزي ، المتناسب مع غرورهم وتكبرهم.

[بِمَا كاَنُواْ يَكْسِبُونَ]

لابد ان يتناسب سلوك الانسان مع عقيدته ، فالاكتفاء بالايمان القلبي ، لا يغني المرء شيئاً ان لم يصدقه السلوك الخارجي له ، وهذا ما ابتلي به قوم ثمود ، فهم بعد هدايتهم لم يترجموا ايمانهم الى سلوك عملي ، الامر الذي سلخهم شعلة الايمان أيضاً.

التقوى نجاة

[وَ نجَّيْنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَ كاَنُواْ يَتَّقُونَ]

النجاة من عذاب الله ، في الدنيا والاخرة ، هو من نصيب من مزج الايمان بالتقوى، وقوله سبحانه ( كانوا يتقون) اشارة الى ان وجود التقوى عندهم كان بصورة دائمة ومستمرة ، ولكن ما هي حقيقة التقوى ؟ وكيف نكون من المتقين؟

حقيقة التقوى

يقول علماء الاخلاق: ان التقوى ملكة يكتسبها الانسان فتصل روح الانسان الى مستوى من رسوخ العقيدة ، حتى تكون افعال الخير يسيرة عليه ويأنس بها ، ويستوحش من فعال السوء والمنكر.

ذلك لأن افعال الانسان ، قد تكون لا ارادية مثل نبض القلب ، وقد تكون بارادته تماماً مثل شرب الماء ، وقد تكون حالة بين الارادة وعدمها ، مثل التنفس فهو لا ارادي ولكن يستطيع ان يتحكم به بارادته ، او السعال الذي يأخذ الانسان بلا ارادة منه ولكنه يقدر على مسكه باختياره ، ومثل هذا امتناع المرء عن الارتطام بالارض بجعل يده درعاً واقية ، بسبب اعتياده على هذا الفعل منذ نعومة اظفاره.

اعمال الخير في بدايتها تكون اختيارية ، فيختار الانسان اداء الصلاة مكرهاً نفسه عليها ، ولكنه يعتاد عليها شيئاً فشيئاً حتى يأنس بها ولا يقدر على مفارقتها.

وفي المقابل ترك الذنوب كذلك ، فترك الذنب يبدأ بلحظة عزمٍ وارادة ، فيعتزم المؤمن ترك الكذب او الغيبة ، وباستمراره على الترك يستوحش من الذنب ، بصورة شبه لا ارادية.

اترى كيف يصل بعض المؤمنين الى مراحل من التقوى ، يصعب عليهم ترك الواجبات اذا سمح لهم بذلك ، فيصعب على مريضهم ان يفطر نهار شهر رمضان ، حتى يأمره الامام بان يفطر.

” وينقل ان السيد البروجردي اصيب بمرض كانت حياته فيه ، في شهر رمضان المبارك ، وزاره طبيبه لمعاينته ، فوجده يتمشى في باحة منزله ، فلم يقطع عليه تمشيه وتفكيره ، حتى التفت اليه السيد وسمح له بفحصه ، وتعجب المريض من سوء حالة السيد وعدم افطاره في نفس الوقت ، فقال له : سيدنا انت تفتي للناس بالافطار في حالة المرض ، وانا طبيبٌ تثق به اخبرك بأن حالتك سيئة ، ثم تستمر على صيامك ، فلم تفعل ذلك؟

فاجابه السيد مبتسماً: صحيحٌ ما تقول ، ولكنّ في عرقٌ من عروق العوام يمنعني من الافطار ويخوفني منه.”

وان اردنا استبدال كلمة ” ملكة ” في تعريفنا للتقوى نقول:

ان التقوى روحٌ يهبها الله سبحانه المؤمنَ ، بإسم روح التقوى ، كما يسدد الله انبياءه بروح القدس ، ومن هنا فليست التقوى حالة يصل اليها الانسان فيثبت عليها ، كما يفهم ذلك من ظلال كلمة ” الملكة” ، بل هي عطاءٌ من الله سبحانه ، فلا يجوز لاحدٍ ان يغتر بتقواه ، لأنها ليست ذاتية له.

وهذه الروح المباركة ، تنمو حتى يصل المؤمن الى مراتب عالية من التقوى ، يتورع عن كل الوان المعاصي ، حتى يكون مهينماً على نفسه في كل الحالات ، ومستأنساً بكل الوان العبادات والطاعات لله سبحانه.

” كان الشريف الرضي كثير الانس بالصلاة ، تأسياً برسول الله ، صلى الله عليه واله ، الذي كان يعد الصلاة قرة عينه ، فكان يهرع الى الصلاة فور دخول الوقت ، وبعد سنين طويلة علم تلامذته انه بدأ باعادة جميع صلواته التي صلاها في حياته ، فسألوه عن السبب.

فاجاب: انه يشك بأن السبب الذي كان يدعوه الى اداء الصلاة هو حبه لها وانشغافه بها ، لا الامر الالهي ، ولذلك فهو يعيد صلواته ليكون مطمئناً من ان اداءه لها، اطاعة لامر الله سبحانه.

” وعلينا ان نستمثر ايام وليالي الشهر الفضيل في تنمية التقوى في قلوبنا ، ومن ثم نأخذ ذلك معنا تحفةً لسائر ايام سنتنا ، وذلك عبر المزيد من الطاعة والابتعاد عن المعاصي ، والمزيد من وقاية شح النفس بالعطاء والبذل ، فقد قال رسول الله ، صلى الله عليه واله : ” اتَّقُوا النَّارَ وَ لَوْ بِشِقِ‏ تَمْرَةٍ اتَّقُوا النَّارَ وَ لَوْ بِشَرْبَةٍ مِنْ مَاء”[2].

جزاء اعداء الله

[وَ يَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلىَ النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ]

وفي مقابل نجاة المؤمنين المتقين يحشر اعداء الله سبحانه الى جهنم وهم يوزعون ، ولكن ماذا تعني لفظة ” يوزعون”؟

قيل ان معناها ” يدفعون” ، كما في الدعاء ( اوزعني ان اشكر نعتمك) اي ادفعني الى ذلك واحملني على ذلك.

وقيل انها تدل مضافاً على ذلك على معنى الجمع ، فيوزعون يعني يجمعون بعد دفعهم.

ويبدو انه يدل على الدفع والحبس في مكانٍ واحد بشكل مهين ، كما في الحديث عن أبي جعفر عليه السلام في قوله «فَهُمْ يُوزَعُونَ» قال يحبس أولهم على آخرهم.[3]

ومهما كان،  فالآية تبين سوء عذابهم ، لأنهم بالاضافة الى العذاب الجسدي الذي ينالونه بالاحتراق في نار جهنم ، يجمعون معاً في موقف الذل وفيه من العذاب النفسي ما ليس في العذاب الجسدي.

وفي الحقيقة فإن اصعب الوان العذاب على الانسان هو ان يُجمع،  مع اعداء الله الذين كان يتبرأ منهم طيلة عمره ويلعنهم ، ويبعده الله عن احباءه الذين كان يرجو لقياهم ، وكما في دعاء الكميل: ” فَلَئِنْ صَيَّرْتَنِي لِلْعُقُوبَاتِ مَعَ أَعْدَائِكَ وَ جَمَعْتَ بَيْنِي وَ بَيْنَ أَهْلِ بَلَائِكَ وَ فَرَّقْتَ‏ بَيْنِي‏ وَ بَيْنَ‏ أَحِبَّائِكَ‏ وَ أَوْلِيَائِكَ فَهَبْنِي يَا إِلَهِي وَ سَيِّدِي وَ مَوْلَايَ وَ رَبِّي صَبَرْتُ عَلَى عَذَابِكَ فَكَيْفَ أَصْبِرُ عَلَى فِرَاقِكَ وَ هَبْنِي صَبَرْتُ عَلَى حَرِّ نَارِكَ فَكَيْفَ أَصْبِرُ عَنِ النَّظَرِ إِلَى كَرَامَتِك‏”[4].

وهذا المصير هو مصير من لا تقوى له ، نسأل الله سبحانه ان يقينا حر ناره واليم عقابه ، بحق محمد واله الطاهرين.

 

صفوة القول

  • ايات الذكر الحكيم تبين انماط المجتمعات البشرية عبر ذكر نماذج لها في قوالب قصص تاريخية ، مثل قوم عاد ( المستكبرين ) و قوم ثمود ( المرتدين عن الهدى).
  • الامور بخواتيمها ، فالماضي المشرق للمرء لا ينفعه شيئاً ان كان حاضره اسود.
  • من اسباب استحباب العمى بعد الهداية ، هو الاغترار بالايمان والهدى الذي حباه الله به ووفقه اليه.
  • التقوى هو الجانب السلوكي لايمان القلب ، ولابد من اجتماعهما معاً كي ينجو المؤمن من عذاب الله سبحانه.
  • التقوى ، روحٌ يهبها الله المؤمن باسم ( روح التقوى ) ، كما يسدد الله انبياءه بروح القدس.
  • اعداء الله ؛ بالاضافة الى العذاب الجسدي الذي ينالونه بالاحتراق في نار جهنم ، يجمعون معاً – اولهم واخرهم – في موقف الذل ، وهو اشد من العذاب الجسدي.

 

 

 

 

 

[1]  الأمالی ( للصدوق) : ص 93

[2] فضائل الاشهر الثلاثة : ص 78

[3] تفسير القمي : ج2 ،ص 129

[4] مصباح المتهجد وسلاح المتعبد : ج2 ،ص 847