المرجع المدرسي: قتال الأعداء نوع من أنواع الجهاد

03/07/2015 نشر في: الاخبار الثقافية

 

دعا سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي، دام ظله، إلى ضرورة تجاوز “عقبة رفقاء السوء” للوصول إلى قمة الاستقامة، فيما أكد أن “هذا الأمر يتطلب جهاداً من قبل المؤمن”.

وفي الدرس الرابع عشر من سلسلة دروس التدبر في سورة فصلت المباركة؛ أوضح سماحته أن الجهاد هو العمل الصالح الذي يتطلب التضحية أو ما يقوم به الإنسان حين تضيق به السبل، مؤكداً أن، ” قتال الاعداء في سوح القتال ما هو إلا نوع من انواع الجهاد”.

وشدد سماحته على ضرورة أن يسعى المؤمن إلى “رفع مستوى اعماله الصالحة لتكون جميعاً موسومة بسمة الجهاد في سبيل الله”.

و في ما يلي النص الكامل للدرس الرابع عشر من سلسلة دروس التدبر في سورة فصلت المباركة:

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

اصدقاء السوء .. عقبةٌ في الطريق

[وَ قَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْديهِمْ وَ ما خَلْفَهُمْ وَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ في‏ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرينَ (25)]

 

من العقبات التي لابد من تجاوزها للوصول الى قمة الاستقامة هي عقبة رفقاء السوء ، وهذا الأمر يتطلب جهاداً من قبل المؤمن ، كيف؟

العمل الصالح على نوعين ، فمنه ما يقوم به الانسان في الحالات الطبيعية مثل التصدق والصلاة و.. ، ومنه ما يقوم به حين تضيق السبل ويتطلب القيام به التضحية ، وهذا ما يسمى جهاداً ، وما قتال الاعداء في سوح القتال الا نوعاً من انواع الجهاد.  فحين يتحول الامر من التصدق بجزء يسير من المال الى التصدق بكل المال في سبيل الله فإنه يتبدل من عنوان العمل الصالح الى عنوان الجهاد.

وعلى المؤمن ان يسعى في رفع مستوى اعماله الصالحة لتكون جميعاً موسومة بسمة الجهاد في سبيل الله ، ليضمن لنفسه المغفرة والنجاة ، ومن ذلك أنتخابه لاخوانه ، اذ عليه ان يجتهد في سبيل انتقاءه لقرنائه واصدقاءه ، وذلك لما للقرناء من أثر خطير على مسيره ومصيره ، لأنهم من وسائل ابليس في غواية الانسان ، ففي حال عجز الشيطان عن التأثير على المرء بصورة مباشرة فإنه سيقوم بذلك بواسطة الاهل والاولاد والاخوان.

” وكما ينقل أن المرجع المجاهد ( اقا حسين القمي ) الذي كان يدير امور المرجعية في اواخر حياته من كربلاء المقدسة ، انه اختار احد تلامذته لرجوع مقلديه اليه بعد وفاته ، وكان اختيار فضلاء الحوزة مغايرٌ لاختيار المرجع ، حيث كانوا يرون تلميذاً آخر من تلامذته مؤهلاً لذلك والحال ان المرجع له ملاحظات عليه ، وكلما طرحوا على المرجع لم يقبل منهم ذلك ، حتى توسلّوا بتاجر من التجار الذي كان يدعم الحوزة العلمية في كربلاء بالأموال ، واقنعوه بالأمر ليتحدث هو مع السيد القمي ويقنعه بافضلية هذا الطالب على من اختاره المرجع.

وبالفعل قام التاجر بزيارة المرجع ، وطرح عليه الأمر وراح يحاول – بمزيد من الشرح- اقناع المرجع ، في حين التزم المرجع القمي السكوت ، ولم يعلّق على كلامه شيئاً.

وفي منتصف الليلة تلك ، استدعى المرجع القمي ذلك التاجر ، وبمجرد دخوله قال له بكلمة واحدة : ” ما طرحته عليّ من أمر فلان لا يكون ” ، ولما سئل عن سبب طرح هذا الامر في هذا الوقت المتأخر من الليل ، اجاب انه خشي على نفسه الموت ، وان يفهم سكوته ذلك بشكل خاطئ ، كما انه اعلن رفضه للامر لاقرب المقربين اليه ، لكيلا يكون – لا سمح الله-  منصاعاً لاقوال المقربين وارائهم ، لا الى ما هو مفروضٌ عليه شرعاً.”

وفي مقابل السعي للحصول على الاقران المناسبين ، على المرء – ايضاً- ان يجاهد نفسه في هذا السبيل ، إن كان له اقران سَوء في حياته بهجرهم والابتعاد عنهم ، لأن الدين اغلى من كل شيء و شخص ، فاذا ما كان الصديق يسبب في خسارة الانسان لدينه فعليه ان يهجره ، كما ان المدينة السيئة والبيئة الفاسدة والمدرسة المنحرفة ، يهجرها الانسان جميعاً في سبيل الإبقاء على دينه وايمانه.

القرين الحسن

الصديق المناسب هو من كان ناصحاً للمرء ، دالاً له على الطريق الصحيح ، زاجراً له إن حاد عنه ، فليس كل من قضى معه الانسان وقته وصحبه صحبةً جميلة ، يعد صديقاً حسناً ، لان المعيار هو النصح والغش ، وكما قال الامام الباقر  ، عليه السلام : ” اتَّبِعْ‏ مَنْ‏ يُبْكِيكَ‏ وَ هُوَ لَكَ نَاصِحٌ وَ لَا تَتَّبِعْ مَنْ يُضْحِكُكَ وَ هُوَ لَكَ غَاشٌّ وَ سَتَرِدُونَ عَلَى اللَّهِ جَمِيعاً فَتَعْلَمُونَ”[1].

ليختبر الواحد منا ، من حوله من الناس ، ليعرف الصديق الحقيقي عن غيره ، قبل فوات الأوان.

قرناء السوء

[وَ قَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْديهِمْ وَ ما خَلْفَهُمْ ]

القشرة المحيطة بالبيضة تسمى ( قيض) ، لأنها تستولي على البيضة ويحيط بها ، والتقييض يعني الإتاحة والتقدير ، بمعنى ان الله سبحانه أتاح للكافرين قرناء سوء يحيطون بهم ، فيزينوا لهم قبيح فعالهم ، سواء الماضية منها او المستقبلية. أي انهم يمدحون صنيعه السيئ في الماضي ، ويعطوه ضمانة بأن كل ما سيقوم به في المستقبل فهو حسن أيضاً ، فهم يبعدوهم عن الحق بتقوية الهوى والنفس الأمارة بالسوء فيهم.

[وَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ في‏ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ]

لقد قيّض الله سبحانه قرناء السوء لهم ، اوليس في ذلك اضلالاً لهم ؟

بلى؛ انهم بسبب سوء اختيارهم استحبوا العمى على الهدى والكفر على الايمان ، وبذلك حقّ عليهم القول ، كما هو الأمر بالنسبة للأمم السابقة التي استحقت غضب الله سبحانه ،  ولذلك يغويهم الله سبحانه ويفتنهم بقرناء السوء ، الذين يتناسبون معهم في انحرافهم وضلالتهم.

[إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرينَ]

خسروا كل شيء بابتعادهم عن الحق اولاً ، وبالانصياع لتزيين شياطين الجن والانس ثانياً.

صفوة القول

  • من العقبات في طريق الوصول الى قمة الاستقامة اصدقاء السوء للمرء ، الذين يزينون له كل قبيح.
  • العمل الصالح منه ما كون هيناً على الانسان ، ومنه ما يكون عسيراً وصعباً ، والثاني يعتبر جهاداً في سبيل الله.
  • خسارة كل شيء يهون في مقابل المحافظة على الدين ، ولا تعوض خسارة الدين بشيء.
  • على المؤمن ان يختبر من حوله من الناس ، ليميز خبيث الاقران من طيبهم.

 

 

[1] المحاسن : ج2،ص 604