المرجع المدرسي: ليس كل الناس مؤهلون لاستماع الحق كما هو قبل مرحلة من التمهيدات

08/07/2015 نشر في: الاخبار الثقافية

أكد سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي (دام ظله) أن “النفاق ‏ازدواجية بين ظاهر الانسان وباطنه، فيما أوضح أن “التقاة تعني استبطان الايمان والصلاح ‏مع عدم اظهاره للناس.”‏
جاء ذلك في الدرس التاسع عشر من سلسلة دروس التدبر في سورة فصلت المباركة التي يلقيها ‏طيلة ليالي شهر رمضان المبارك.‏
وقال سماحته، إن “مسألة التقاة ليست مسألة مقتصرة على اخفاء الحق على الاعداء الذين ‏يقتلون الانسان اذا عرفوا عقيدته.” مؤكداً أنها، ” بل يشمل حتى الاقربين من الناس.”‏
ورأى سماحته، أن “ليس كل الناس مؤهلون لاستماع الحق بما هو، بل هم بحاجة الى ‏تمهيدات”.‏
و في ما يلي النص الكامل للدرس التاسع عشر من سلسلة دروس التدبر في سورة فصلت ‏المباركة:‏

بسم الله الرحمن الرحيم ‏
‏[وَ لا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَ لاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتي‏ هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذي بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ عَداوَةٌ ‏كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَميمٌ (34) وَ ما يُلَقَّاها إِلاَّ الَّذينَ صَبَرُوا وَ ما يُلَقَّاها إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظيمٍ (35) ‏وَ إِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّميعُ الْعَليمُ (36) ]‏

آمنا بالله ، صدق الله العلي العظيم
‏” تعد اللغة العربية ادق لغة بين لغات العالم ، ومن دقتها وجود بعض العبارات المتقاربة في ‏حروفها وتركيبها والمختلفة في معانيها ، وقد تتناقض ، فكلمة ” المرحوم” تشابه كلمة ‏‏”المرحوم” في الحروف والتركيب ولكنها تناقضها في المعنى تماماً.‏
كما قد يرد لفظتان تدلان على معنىً واحد – في الظاهر- ولكنهما يتقابلان باختلاف اللحاظات ‏، ومثاله كلمتي ( النفاق و التقاة).‏
فالنفاق وجود ازدواجية بين ظاهر الانسان وباطنه، حيث يدل الظاهر على الايمان والصلاح ‏ويكون الباطن بالعكس ، اي الكفر والجحود.‏
ولكن التقاة ، بالرغم من انها تدل على ازدواجية الظاهر والباطن ، الا انها تعني استبطان ‏الايمان والصلاح مع عدم اظهاره للناس. ولكن ما هي اهمية التقاة؟
اهمية التقاة
يصل المؤمن الى قمة الاستقامة فيحمل بين جنبيه روحاً مخلصة لله ، ويقيناً بأمر الله ، وتنمراً ‏في ذات الله سبحانه ، المستوى الذي لا يتحمله المجتمع بسبب جهلهم وضعفهم ، فاذا ما اراد ‏اظهار نفسه على حقيقته للمجتمع لرفضوه وانكروا عليه.‏
وقد كانت الظروف – غالباً ما – تحتم على المؤمن ان يعيش بين الناس مع عدم اظهار نفسه ‏على حقيقتها ، علّه ينفذ في المجتمع ويغيرهم نحو الصلاح.‏
ومن هنا نعرف ؛ ان مسألة التقاة ليست مسألة مقتصرة على اخفاء الحق على الاعداء الذين ‏يقتلون الانسان اذا عرفوا عقيدته – كما كان في حادثة عمار بن ياسر رضوان الله عليهما – ، ‏بل يشمل حتى الاقربين من الناس ، كما ذهب الى ذلك بعض علماء الشيعة ، وهذا الأمر ‏صحيح لأنها سيرة انبياء الله واولياءه ، ففي الحديث عن أبي عبد الله ، عليه السلام ، قال : ” مَا ‏كَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ص الْعِبَادَ بِكُنْهِ‏ عَقْلِهِ‏ قَطُّ وَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص إِنَّا مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ ‏أُمِرْنَا أَنْ نُكَلِّمَ النَّاسَ عَلَى قَدْرِ عُقُولِهِمْ”‏ ‏.‏
وقال أمير المؤمنين ، عليه السلام ، لولده محمد بن الحنفية : ” يَا بُنَيَ‏ لَا تَقُلْ مَا لَا تَعْلَمُ‏ بَلْ لَا ‏تَقُلْ كُلَ‏ مَا تَعْلَم‏”‏ ‏>‏
اذ ليس كل الناس مؤهلون لاستماع الحق بما هو ، بل هم بحاجة الى تمهيدات.‏
قبل الدعوة
وعلى المؤمن الذي يبتغي رضوان الرب بدعوة الناس الى الحق ، أن يهتم بامرين قبل قيامه ‏بالدعوة:‏
اولاً: ماذا يقول ؟ بمعنى الافكار والبصائر التي يريد بيانها .‏
ثانياً: كيف يقول؟ فطريقة عرض الأفكار واسلوب البيان أمر هام جداً ، يجب ان لا يغفل عنه ‏الانسان في دعوته الى الله.‏
‏[وَ لا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَ لاَ السَّيِّئَةُ ]‏
المسافة بين الحسنة والسيئة هي نفسها المسافة بين الجنة والنار ، اي بين القمة وقعر الوادي ، ‏ولا يمكن بحال ان يتصور الانسان وجود تقاربٍ بينهما ، حتى لو كانت المظاهر متقاربة ‏ومتشابهة.‏
‏[ادْفَعْ بِالَّتي‏ هِيَ أَحْسَنُ ]‏
وما دامت الحسنة لا تستوي مع السيئة ، فعلى المؤمن الذي بلغ مرحلة الاستقامة ان يدعوا الى ‏الحسنة ، ولكن بأي اسلوب؟
بأحسن الاساليب ، بأن يتكلم مع الناس باحسن الوجوه ، فحتى لو كانت وجوه حسنة عدة ، عليه ‏ان يختار اسناها واعلاها ، وذلك من خلال الالتفات – اولاً- الى الحاجات المادية والنفسية ، ‏لمن يريد دعوته ، وكذا يتعرف على صفاته واخلاقياته ، وبعد ذلك يعتمد الاسلوب الانسب مع ‏الاخلاق الفاضلة ، كل ذلك في سبيل الدعوة الى الله سبحانه وتعالى. ارأيت كيف يتلطف احدنا ‏في حاجاته الشخصية ، ويضع الخطط للوصول الى مآربه ؟ كذلك يبنغي ان يكون الأمر في ما ‏يرتبط بالدين والدعوة اليه.‏
التدرج في الدعوة
ومن الاساليب المهمة في تبليغ الدين ، التدرج في بيان الحقائق ، بدءاً بما يقرب من الانسان ‏استيعابه ، لكي لا يكون وقع الحق على نفسه شديداً فيرفضه انتصاراً لذاته واهوائه ، وهذا من ‏معاني ” الانظار” في قوله تعالى : [يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَ قُولُوا انْظُرْنا وَ ‏اسْمَعُوا وَ لِلْكافِرينَ عَذابٌ أَليم‏]‏ ‏.‏
‏[فَإِذَا الَّذي بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَميمٌ]‏
وبالدفع بالتي هي احسن ، يحوّل الانسان العدو الى صديقٍ مقرب ، ومن اساليب الدفع ‏استعمال ” التقاة” ، فعن أبي عبد اللّه- عليه السّلام- في قول اللّه- تعالى-: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ ‏أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ قال: الّتي هي أحسن، التّقيّة. فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيم ‏ ‏.‏
وهكذا كان لزاماً على المؤمن ، ان ينمي الاخلاق الحسنة والصفات الطيبة في داخله ليجذب ‏الناس الى الدين ، بافعاله قبل اقواله ، وبخصاله قبل دعوته ، فالمؤمن الحقيقي هو من لا يكون ‏في بلدٍ الا وهو خيرهم واتقاهم واحسنهم خلقاً ، وكما في الحديث عن الأمام الصادق ، عليه ‏السلام : ” لَيْسَ مِنْ شِيعَتِنَا مَنْ كَانَ فِي مِصْرٍ فِيهِ مِائَةُ أَلْفٍ‏ وَ كَانَ فِي الْمِصْرِ أَوْرَعُ ‏مِنْه‏”‏
‏ متأسياً في ذلك برسول الله ، صلى الله عليه واله ، الذي كان على خلقٍ عظيم ، واهل بيته، ‏عليهم السلام ،الذين جسّدوا كل مفردات الخلق الفاضل في سيرتهم ومسيرتهم.‏

صفات الداعية الى الله
‏[وَ ما يُلَقَّاها إِلاَّ الَّذينَ صَبَرُوا ]‏
ليست الدعوة الى الله بأحسن الاساليب قضية سهلة يقدر عليها كل من بلغ درجةً من الإيمان ، ‏بل هي منزلة يوفق الله المؤمن في الوصول اليها ، شريطة توفر صفتان اساسيتان فيه :‏
اولا: الصبر ، حيث يصبر المرء على مرّ الحاضر ليصل الى الهدف ، ولكن ما هي حقيقة ‏الصبر؟
حقيقة الصبر تكمن في اختراق الحاجز الزمني للأمور ، فيعيش الصابر المستقبل ببصيرته ‏ويتجاوز بذلك الحاضر ، ارأيت كيف يتصور زارع فسيل النخلة اثمارها بعد سنين متطاولة ؟ ‏
هكذا هو المؤمن ، ينظر الى المستقبل في كل أعماله ، حتى لو تكن هناك نتائج آنية ، فترى ‏مثلاً الامام الكاظم ، عليه السلام ، بأخلاقه العالية يربي فقهياً من فقهاء الشيعة وهو سبط الدّ ‏اعداء الامام ، اي السندي بن شاهك ، حيث كان ينقل السندي مناقب الامام الى منزله ، ورغم ‏عدم تأثره بها ، الا انها اثّرت في ابنته فصارت موالية وكان ابنها من الشيعة المقربين للائمة.‏
‏” وكما فعل ذلك امير المؤمنين عليه السلام في ليلة الهرير ، حيث لم يكن يقتل الامام اي رجلٍ ‏في جبتهه نورٌ لمؤمن سيخرج من صلبه ( ولو بعد سبعة اجيال) ، ويقتل غيره”.‏
‏[وَ ما يُلَقَّاها إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظيمٍ]‏
والصفة الثانية لمن يلقّى هذه الحالة المباركة ، هي الحظ العظيم ، فما هو؟
الحظ هو النصيب من الفضل والخير ، ويتصور البعض ان الحظ الحسن والحظ السيء ‏امورٌ مقدّرة على الانسان ، ولا يستطيع تبديلها ، في حين ان هذا التصور خاطئ، ‏فالحظ ناتج من اخلاق الانسان وسلوكه ، اذ ان الاخلاق الطيبة تجلب للانسان الحظ ‏العظيم ، بعكس الاخلاق السيئة.‏
نزغُ ابليس
قد يبتلى المؤمن بحالة العجب لما يؤديه من عبادات وطاعات وتورع عن المعاصي ، ولكيلا ‏يقع المؤمن في حبائل العجب التي تخرجه من الإيمان ، يبتليه الله سبحانه بارخاء حبل التقوى ‏والورع ، فيبتلى المؤمن بترك واجبٍ او ارتكاب معصية صغيرة ( لمم) ، وبذلك يبدأ المؤمن ‏يؤنب نفسه ويوبخها.‏
ويستفيد ابليس من هذه الحالة فيحاول دفع الانسان الى المزيد من الذنوب ، وابعاده عن الله ‏سبحانه وتعالى ، ولكن الله يسدد المؤمن في مواجهته لابليس.‏
‏[وَ إِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ ]‏
النزغ هو الطعن والفساد ، فالشيطان يسعى لافساد ايمان المؤمن بدفعه الى المعاصي ‏اكثر واكثر ، وحينها لابد من الانتباه من مكائد ابليس وردها بالاستعاذة.‏
‏[ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّميعُ الْعَليمُ]‏
بالاستعاذة بالله ، الذي يسمع دعاء الانسان ويعلم ما يدور في خلده من افكار ووساس لابليس ، يقي الله المؤمن من ‏الانجرار وراء مكائد الشيطان.‏

صفوة القول
• التقاة ( التقية ) تعني استبطان الايمان واظهار ما يرضي الناس ، وهي ‏ضرورة لحفظ النفس ونشر الحق.‏
• على المؤمن ان يهتم – في سبيل الدعوة الى الحق- بما يريد قوله ، وبطريقة ‏قوله له.‏
• الصبر والحظ العظيم صفتان ، تؤهلان المؤمن ليلقّى حالة سعة الصدر والدفع ‏بالتي هي أحسن.‏
• بالاستعاذة بالله يعود المؤمن الى حصن الايمان ، بعد خروجه بسبب مكائد ‏ابليس.‏