المرجع المدرسي: الشيطان ليس هو العامل الوحيد لانحراف الإنسان

12/07/2015 نشر في: الاخبار الثقافية

أكد سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي (دام ظله) أن الشيطان ليس هو العامل الوحيد لانحراف الإنسان بل النفس الإنسانية وهواها لها الدور الاكبر.
وفي الدرس الحادي والعشرين من سلسلة دروس التدبر في سورة فصلت المباركة، قال سماحته، إن “الانسان يعيش ضغوطاً هائلة بين وساوس ابليس وأهواء نفسه” ، مشيراً إلى أن “الشياطين تغلّ في شهر رمضان – بنص الحديث- ولكن النفس الامارة بالسوء مطلقة.”
وذكر سماحته، أن “المرء مطالب بالحذر من اعدى اعدائه وهي نفسه التي بين جنبيه لكيلا تجره الى وادي المعاصي والذنوب.”
ونبه سماحة المرجع المدرسي إلى أن من مظاهر هوى النفس هو “الاستكبار على الحق” ، مبيناً أن “الانسان حين يجعل محور حياته ذاته ولا يسعى إلا من اجل الـ (انا) فإنه يسير في طريق الاستكبار المؤدي الى النار.”
و في ما يلي النص الكامل للدرس الحادي والعشرين من سلسلة دروس التدبر في سورة فصلت ‏المباركة:‏

بسم الله الرحمن الرحيم
[ فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَ النَّهارِ وَ هُمْ لا يَسْأَمُونَ (38)]

الهدى والهوى ؛ مصطلحان متقاربان في ظاهر اللفظ ، ولكن المسافة بينهما هي المسافة بين الجنة والنار .. بين النور والظلمة..
السور الختماية للقرآن الكريم تذكر الحقائق بشكل مضغوط ولكن بيان نفس الحقائق تكون في السور الطوال عبر الامثلة وبيان الاحكام والوصايا والحكم و.. ، والا فان الحقائق هي نفسها ، فنجد مثلاً آية واحدة تختزل وظيفة الانسان للوصول الى الجنة ، مثل قوله تعالى : [وَ أَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَ نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى‏ * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى‏] .
فالانسان يعيش ضغوطاً هائلة بين وساوس ابليس واهواء نفسه ، اذ ليس الشيطان هو العامل الوحيد لانحراف الانسان ، بل النفس وهواها لها الدور الاكبر .. إن الشياطين تغلّ في شهر رمضان – بنص الحديث- ولكن هل يعصم الانسان من الذنوب ؟ كلا ؛ لأن نفسه الامارة بالسوء مطلقة..
واذا الغينا دور هوى النفس فيعني ذلك وجود الجبر ، وبذلك تلغى حقيقة الابتلاء الالهي وحسابه وعقابه على فعل الانسان.
الحذر من الهوى
ومن هنا ؛ فإن المرء مطالب بالحذر من اعدى اعدائه ، وهي نفسه التي بين جنبيه ، لكيلا تجره الى وادي المعاصي والذنوب ، و بمقدار هيمنته على هوى نفسه يكون المرء قوياً ، فقد روي عن رسول الله ، صلى الله عليه واله ، قوله : ” إِنَّ الشَّدِيدَ لَيْسَ مَنْ غَلَبَ النَّاسَ وَ لَكِنَّ الشَّدِيدَ مَنْ‏ غَلَبَ‏ نَفْسَه‏” .
ويتمظهر هوى النفس في مظاهر مختلفة ، واجلى تلك المظاهر هي الاستكبار على الحق ، فحين يجعل الانسان محور حياته ذاته ولا يسعى الا من اجل الـ ( انا) ، فإنه يسير في طريق التكبر والاستكبار المؤدي الى النار ، اما من اراد الجنة فعليه بالانتصار على الـ (الانا) الموجودة في داخله ، ولكن كيف؟
على المؤمن أن يعتزم مخالفة هوى النفس دائماً ، بأن يتخذ هذا القرار الصعب في داخله ، وأن ينمّي في داخله روح التقوى ، بالعبادات والطاعات وذكر الله ، فحتى لو لم يوفق لذلك مائة بالمائة ، فإنه سينجح في السيطرة على النفس الامارة بالسوء كثيراً.
” فالصيام – مثلاً- منماة للتقوى ومضعفة – في المقابل- لهوى النفس ، فبالامتناع عن الاكل والشرب واللذات المحللة تنمو روح التقوى في داخله فيستطيع مخالفة نفسه التي تسأله الحرام “.
والا يفعل ذلك ، يكون العكس ، بحيث يتغول الهوى فيه فلا يملك في مقابله الا الانصياع لرغباته المنحطة وشهواته ورذائله.
نتيجة ضعف الهوى
وبتضعيف الهوى تتكشف الحقائق للمرء ، فلا حجاب اكبر من الهوى ؛ بين الانسان وبين معرفة الله ، بينه وبينه وبين الايمان بالاخرة ، وبينه وبين معرفة النبي والامام و..
” حین یکون الهوى مهيمناً ، يعمى الانسان عن انصع الحقائق ، اوهل كان عمر بن سعد جاهلاً عن مقام الامام الحسين عليه السلام ؟ كلا ؛ ولكن هواه بملك الري اعماه عن تبصر الطريق”.
وقد بحثت سنينَ متطاولة عن السبب الاساس ، لوقوع الانسان في الخطأ ، بالرغم من وجود نعمة العقل فيه ، فدرست كل المناهج المنطقية – القديمة منها والحديثة – الباحثة عن اجابة للسؤال : ” كيف نتجنب الخطأ؟ ” واودعت تلك البحوث في كتاب ” المنطق الاسلامي اصوله ومناهجه” ، فخلصت بعد كل ذلك الى ان السبب الاساس هو ما بينه القرآن الكريم واهل البيت ، عليهم السلام ، من ان خطأ الانسان ناشئٌ عن الهوى ليس الا.
وكلما خالف المرء هواه ، ابتعد عن الاخطاء اكثر ، بدءاً بالفكرية منها وانتهاءاً بالسلوكية ، حتى يصل –بمخالفة الهوى- الى العلم الحقيقي ، فقد روي ان الامام الصادق ، عليه السلام ، مر على قوم حلق على رجل ينبئ المغيبات ، فسأله الامام ، عليه السلام ، عن شيءٍ بيده ، فاجاب الرجل، وصدّقه الامام ولما سأله الامام عن كيفية وصوله الى هذه المنزلة ، اجاب : بمخالفة نفسه ، فكلما ارادت نفسه شيئاً خالفها .. ثم عرض عليه الامام الاسلام ، ولم يسلم الرجل ، ولما حاججه الامام بان اسلامه مخالفٌ لهواه ، قبل الرجل وخالف هواه واسلم .. ثم سأله الامام ثانياً عن شيءٍ بيده ، فعجز الرجل عن الاجابة ، ولما سأل الرجل عن السبب ، قال له الامام : ان الله جازاه بمخالفته لهواه في الدنيا ، والان اجّل ذلك الى الاخرة.
التكبر مظهر الهوى
[ فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا ]
التكبر ؛ مظهر هوى النفس – كما ذكرنا- لأنه لا يرى في الوجود الا ذاته ، فلا يخضع لله سبحانه بل يتكبر عن السجود له.
وقد قال العامة ان هذه الاية هي موضع السجود الواجب ، في حين ان ما نستفيده من روايات اهل البيت ، عليهم السلام ، ان السجدة الواجبة محلّها في الآية السابقة.
[فَالَّذينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَ النَّهارِ ]
وليعلم المستكبر عن السجود لله سبحانه ، ان لله سبحانه عباداً يسبحون له ليلاً ونهارا، وهم مقربون منه ، وهل هم الملائكة ؟ ام الاولياء الصالحون ؟ ام عبادٌ مخلصون ؟ قد يكون كل اولئك ، ولكن ما معنى انهم عند الله؟
ليس المراد من ذلك القرب المكاني ، بل المراد القرب الشأني والمقامي ، فالله سبحانه اجلّ من ان يحاط بمكان ، فهو قريبٌ من عباده لا بملامسة ، بل من جهة علمه بعباده ورحمته بهم ، حتى كأنه جليسٌ لعباده الصالحين ، وكما في دعاء الجوشن الكبير ” ياجليس الذاكرين”.
من كلمة ( التسبيح) نستفيد ان تسبيح الله سبحانه وتنزيهه ، يطرد المؤمن حالة التكبر من نفسه، ذلك لأن الناس – كلهم – يتداخلهم شيءٌ من الكبر فـ ” ما من نفس إلّا و هى مضمرة ما أظهره‏ فرعون‏ من قوله‏ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى‏ و لكن فرعون وجد له مجالا و قبولا من قومه، فأظهره و أطاعوه و ما من أحد إلّا و يدعى ذلك مع عبده و خادمه و أتباعه و كلّ من هو تحت قهره و طاعته و إن كان ممتنعا من إظهاره” .
وكل تسبيحة تبعد التكبر عن الانسان ، لإنه بالتسبيح يعترف بأن الله هوالمنزه وهو القدوس وهو السبوح وليس ذاته ، فيخضع له ويخشع ، ويسجد له ويتواضع.
ولذلك كان المؤمن مسبحاً لربه ليل نهار ، ذاكراً له في كل حين ، وكما يقول سبحانه : [وَ مِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَ سَبِّحْهُ لَيْلاً طَويلا] .
كيف نطرد التكبر؟
ومضافاً الى التسبيح ، فعلى المرء ان يعترف بأنه يواجه جبلاً يسمى ” النفس الامارة” وعليه ان يسعى لدكّه بمعول العبادة والتوكل على الله سبحانه شيئاً فشيئاً ، ويقوم بما يلي :
اولاً: ان يرغم نفسه على التواضع – اكثر مما ينبغي- ، لتكون نفسه خاضعةً بيده ، لا حاكمة عليه.
ثانياً: من التواضع ، السلام على كل من يلقاه في طريقه ، وقد امرت الروايات الشريفة ، بالسلام على الناس ، كما كان يفعل النبي واهل بيته ، عليهم السلام ، حتى انهم كانوا يسلمون على الصبية في الطرقات.
ثالثاً: ان يتحمل الانسان ما يلقاه من الاخرين من اذى وشديد الكلام ، فيتلقى ذلك دون ثأرٍ للذات ، اعلاناً منه لها بأنها لا تستحق الثأر .
[وَ هُمْ لا يَسْأَمُونَ]
الذين عند الله سبحانه ، لا يملّون من عبادته وتسبيحه ، ولا يتعبون .. وهذا شأن المتقرب الى الله سبحانه وتعالى ، لا يتعب من العبادة ، بل يستأنس بذكر ربه ، وكما في الدعاء : ” يَا خَيْرَ ذَاكِرٍ وَ مَذْكُورٍ يَا خَيْرَ شَاكِرٍ وَ مَشْكُورٍ يَا خَيْرَ حَامِدٍ وَ مَحْمُودٍ يَا خَيْرَ شَاهِدٍ وَ مَشْهُودٍ يَا خَيْرَ دَاعٍ وَ مَدْعُوٍّ يَا خَيْرَ مُجَابٍ وَ مُجِيبٍ يَا خَيْرَ مُونِسٍ‏ وَ أَنِيسٍ‏ يَا خَيْرَ صَاحِبٍ وَ جَلِيسٍ يَا خَيْرَ مَقْصُودٍ وَ مَطْلُوبٍ يَا خَيْرَ حَبِيبٍ وَ مَحْبُوب‏” .
فذاك امير المؤمنين ، عليه السلام ، يصلي لربه الف ركعة في كل ليلة ، وكذا كان ابناؤه عليهم السلام ، حيث يمضون نهارهم بالصيام وليلهم بالقيام ، فهم لا يملّون الذكر والدعاء والعبادة.
نسأل الله سبحانه ان يوفقنا لعبادته وذكره ، انه ولي التوفيق وصلى الله على محمد واله الطاهرين.
صفوة القول
• الهدى والهدى قريبان في اللفظ بعيدان في الواقع.
• سور القرآن تصدق بعضها بعضاً ، فبعضها تفصل الحقائق واخرى تختزلها.
• يتمظهر هوى النفس في مظاهر مختلفة ، اجلاها الاستكبار على الحق وعدم الخضوع لله.
• على المؤمن ان يضعف نفسه الامارة بالسوء ليستطيع ادراك الحقائق الكبرى.
• بالتسبيح يطرد المؤمن الكبر عن ذاته ، فهو تنزيه الله واتهام النفس.