المرجع المدرسي: الأمة تعيش الحروب والتخلف بسبب ابتعادها عن القرآن ولابد من إعادة هيكلة الجامعات الأكاديمية

14/07/2015 نشر في: الاخبار الثقافية

 

دعا سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي (دام ظله) إلى ضرورة عودة المجتمعات الإسلامية إلى ثقافة القرآن الكريم وكلمات أهل البيت عليهم السلام، فيما أكد أن الأمة تعيش الحروب والتخلف والفقر والاضطهاد بسبب ابتعادها عن “القرآن والعترة”.

وفي جانب من الدرس الثالث والعشرين من سلسلة دروس التدبر في سورة فصلت المباركة؛ قال سماحته، إن “هناك حاجة ملحّة لإعادة القرآن الكريم الى الحوزات العلمية.”

ودعا سماحته، إلى “اعادة هيكلة الجامعات او تأسيسها من جديد على أسس مبنية على قيم الدين الحنيف.” مشيراً إلى أن “الجامعات الحالية تأسست على اسس العلمانية الكافرة بالله.”

وشدد سماحته على أهمية أن يكون القرآن الكريم محور حركة مؤسستي الثقافة والإعلام في البلدان الإسلامية، منوهاً بأهمية أن يكون كل ما يرتبط بالثقافة والإعلام “منطلقاً من القرآن الكريم وقيمه وتعاليمه.”

و في ما يلي النص الكامل للدرس الثالث والعشرين من سلسلة دروس التدبر في سورة فصلت ‏المباركة:‏

 

بسم الله الرحمن الرحيم

[إِنَّ الَّذينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ وَ إِنَّهُ لَكِتابٌ عَزيزٌ (41) لا يَأْتيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزيلٌ مِنْ حَكيمٍ حَميدٍ (42)]

آمنا بالله ؛ صدق الله العلي العظيم

 

” ابتدئت سورة فصلت بالحديث عن القرآن الكريم ، وبعد ذلك كان الحديث عن محور السورة المتمثل بالاستقامة وضرورة تجاوز العقبات الموجودة في الطريق ( مثل الشك والاعراض والظن و..) وبالوصول الى مستوى الاستقامة تبدأ المسؤولية الثانية التي تتمثل بالدعوة الى الله سبحانه مع بيان شرائط الدعوة.

وبعد ذاك اتجه الحديث نحو السجود لله سبحانه الذي يعتبر مظهر القرب من الله سبحانه ، وفي مقابل السجود يكون الالحاد في ايات الرب والتكبر على الحق.”

وقد يتجاوز البعض حدود الالحاد في ايات الله ليصل الى الكفر الصريح بالذكر ، فلا يميل عنها ولا يحيد ، بل يكذبها ويكفر بها جميعاً. وكفر هؤلاء بكتابٍ عزيز لا يأتيه الباطل وفيه دلائل على صدقه وحقانيته،  انما هو بمثابة كفر الانسان بالشمس في رابعة النهار.

ومن اللطائف اللغوية في الآية ، ان فيها مبتدأ دون ذكر الخبر ، ولكن لماذا؟

يبدو ان السبب في ذلك ، هو وضوح الخبر الى درجة لا يحتاج الى التصريح به ، وكما يقال ( الكناية ابلغ من التصريح) ، فالكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، والذي جاء به المذكّر من عند الله سبحانه .. فهل يعقل ان يكفر به الانسان؟.. وهو شبيه بالاية [وَ لَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى‏ بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَميعا][1]حيث لا جواب لحرف الشرط ( لو).

 

القرآن حقٌ لا باطل فيه

تصرح الاية المباركة بعدم كون الكتاب العزيز باطلاً او فيه ما هو باطل ، لماذا؟

اولاً: الباطل يعني الكذب ، او ما يخالف السنن الالهية المستتبع للعاقبة السيئة ، ولا كذب في كتاب الله سبحانه لانه من عند الله الصادق في قوله ووعده ، وهو يتناسب مع السنن الالهية في الخليقة ، سواء في ذات الانسان او في الطبيعة او في القوانين الاجتماعية او..

ثانياً: إن القرآن حقٌ يزيح الباطل والجهل والعصبية ، فالذي يأنس بالقرآن الكريم تنزاح عن عينه الغشاوة بمرور الايام ، ويزول الوقر عن اذنه ، وتفتح اقفال قلبه ، لأن فيه التزكية والشفاء للصدور ..

فهو ليس كتاب حقٍ فحسب ، بل هو مزيل لباطل الانسان في تفكيره او سلوكه ، فترى ان مجرد قرائة القرآن بتدبر ووعي يحمل الإنسان على العمل به ، فنحن لا ندعوا الى العمل بالقرآن ، بل ندعوا الى قرائته والتدبر فيه ، الأمر الذي يؤدي طبيعياً الى العمل بالآيات الكريمة. بلى؛ إن من حجب قلبه عن النور ، وقسى قلبه فكان كالحجارة ، فإنه خارجٌ عن هذه القاعدة .

من الحكيم الحميد

من أين جاء القرآن؟

نزل الكتاب من عند الحكيم الحميد ، ولأن الكتاب نزل من عند الحكيم ، فهو كتاب حكمة ، ارأيت كيف يختلف مستوى الحديث تبعاً لاختلاف مستوى المتحدث؟ وهكذا لما كان الكتاب من عند الرب الحكيم فتصير كل اياته آيات حكمة.

وهو سبحانه يستحق الحمد والشكر على هذا الكتاب الذي ينير الدرب للمؤمن في كل مناحي حياته ، فهو الحميد.

[إِنَّ الَّذينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ ]

التذكر هو العودة الى العلم الذي طرأ عليه النسيان ، والذكر هو ما يعيد الانسان الى ذلك العلم المنسي ، كيف؟

ان الله سبحانه خلق الانسان وفطره على المعرفة ، ولكن ينسى الناس تلك المعرفة بغفلتهم عن الفطرة ، فيرسل الله سبحانه رسله وانبياءه ليذكروهم منسي نعمته.

وغاية الحمق ان يكذب المرء بالتذكير بما كان يعلمه هو من قبل بفطرته ، الأمر الذي قام به الكافرون بالقرآن الكريم ، حيث كفروا بالذكر الذي جاء به النبي الاكرم ، صلى الله عليه وآله ، وتحمل في سبيله الأذى والمشقة والمحاربة ، دون ان ينثني عن مسؤوليته في التذكير بالحق.

ويبقى الإنسان هو المسؤول في نهاية المطاف عن هدايته ، بعد توفير الله سبحانه كل الفرص لها من فطرةٍ نقية ، وانبياء يذكرونه ، وعقلٍ يميز به بين الحق والباطل و.. ليكون هو من يختار طريق الجنة دون ان يجبر عليها.

[وَ إِنَّهُ لَكِتابٌ عَزيزٌ ]

العزة هي القدرة المستعملة خارجاً ، فاذا لم تستعمل لم تكن عزة ، ولكن بتحولها الى واقع خارجي تسمى عزة ، والقرآن الكريم ، كتابٌ عزيز يقهر كل من وقف أمامه وتحداه ، منذ ان أنزله الله سبحانه والى اليوم.

ورغم كل الجهود التي بذلها الكفار والمنافقون في وأد القرآن الكريم ، بقي كتاب الله محفوظاً من الاندثار ومصوناً من تحريف حروفه وكلماته.

[لا يَأْتيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ]

ويعني ذلك – فيما يعني – ان ما اخبر به القرآن الكريم عن الأقوام السابقة لم يكن كذباً ، فلم يكذب احد اخبار القرآن.

وكذلك فما انبأ به القرآن عن المستقبل ، حقٌ وصدق ، ولا يأتيه الباطل.

[تَنْزيلٌ مِنْ حَكيمٍ حَميدٍ]

الحكمة هي العلم المرتبط بالعمل والسلوك ، فالقرآن الكريم النازل من عند الحكيم ، كتابٌ يبين الطريق للانسان.

والحميد يعني المحمود ، الذي يحمد على نعمائه.

ومن يتبع سبيل القرآن الكريم ، يصل الى الحكمة و يصل ايضاً الى المنافع التي جعلها الله سبحانه لمن تبع الكتاب العزيز.

الأمة والقرآن

فالعرب كانوا قبل الاسلام ، في وادٍ سحيقٍ من التخلف والتقهقر ، اذ لم يكونوا يملكوا أي شيء يفتخرون به سوى مجموعة من اشعار الغزل الفاحش ، استطاعوا – بعد عقدين من الزمن- الهيمنة على امبراطوريتي الفرس والروم ، كل ذلك كان بفضل العمل بتعاليم القرآن الكريم وتطبيق آياته ، والانصياع لأوامر المبين للقرآن الكريم ( النبي الاكرم ، صلى الله عليه واله).

وقبيل رحيله ، اعلن النبي ، صلى الله عليه واله عن تركه للثقلين ( القرآن والعترة) كضمانة لعدم الانحراف من جهة ، ووسيلة للتقدم من جهة اخرى.

وبقي كتاب الله سبحانه حتى يومنا هذا ، كما بقيت العترة بالامام الحجة المنتظر، عجل الله فرجه الشريف ، وكذا بالنصوص التي وصلتنا من اهل البيت عليهم السلام ، تلك النصوص التي لو وعاها شخصٌ لعلا في الفضل والعلم اكثر اصحاب الائمة ، عليهم السلام ، لأن اولئك كانوا يستنيرون بنور امام زمانهم ، والحال ان روايات جميع الائمة ، عليهم السلام ، موجودة اليوم بين أيدينا.

ولكن ، وبالرغم من اننا نعيش اليوم بين هذين النورين النيريّن ، الا اننا نجد انفسنا تائهين في المشاكل المحيطة بنا من كل جانب ، مثل الحروب والتخلف والفقر والاضطهاد و… ترى ؛ ما السبب في ذلك؟

السبب في كل ذلك ابتعادنا عن القرآن والعترة ، وعدم الأخذ بهما كما ينبغي ، وطريق العودة الى القرآن والعترة يكمن في ما يلي:

اولاً: جعل القرآن الكريم محور حياتنا في الحقول التالية :

الاول: الحوزات العلمية ، ففي يوم كان الناس يحفظون القرآن قبل تعلمهم للقرائة والكتابة ، لم تكن ثمة حاجة الى دراسة القرآن في الحوزات ، ولذا كانت المناهج مبنية على ما بعد القرآن الكريم ، ولكن اليوم هناك حاجة ملحّة لاعادة القرآن الكريم الى الحوزات العلمية.

” وبالاضافة الى ذلك ، فإن طالب العلم في الحوزة ، يجب ان يشخص وهو في الخامسة من عمره ، بحيث يدخل مدارس تدرس الى جانب الدروس الاكاديمية مادة حفظ القرآن الكريم ، وبعد ذلك يستمر في دراسته القرآنية جبناً الى جنب مع الاكاديمية ، قبل ان يدخل الى الحوزة العلمية حاملاً معه رصيداً علمياً كبيراً.”

الثاني: الجامعات ؛ وقد ذكرنا سابقاً ان الجامعات تأسست على اسس العلمانية الكافرة بالله ، ولابد من اعادة هيكلة الجامعات ، او تأسيس جامعات جديدة مبنية على اسس الدين الحنيف. ” وقد واكبت تجربة تأسيس احدى الجامعات التي اؤسست على اساس الدين والقرآن في ماليزيا قبل اكثر من عقدين ، حيث تشترط الجامعة ، على الراغبين بالدراسة فيها ( في اي حقلٍ من الحقول) ، ان يتعلموا اللغة العربية اولاً ، ويدرسوا ثانياً الدروس الدينية بجانب دروس تخصصاتهم العلمية.

الثالث: الثقافة والاعلام ، اذ لابد من ان يكون القرآن محور حركة هذين المؤسستين في عموم البلدان الاسلامية ، فكل ما يرتبط بالثقافة او بالاعلام ينبغي ان يكون منطلقاً من القرآن الكريم وقيمه وتعاليمه.

ثانياً: العودة الى العترة الطاهرة والاستنارة بنورهم في كل مناحي الحياة ، وذلك يتمثل بالتمسك بهم عبر اربعة عرى :

الاولى: عبر حبهم والولاء لهم ، فالحب للعترة عليهم السلام ، الخطوة الاساس في اتباعهم والتمسك بهم.

الثانية: دراسة احاديثهم والنصوص الواردة عنهم ، عليهم السلام.

الثالثة: دراسة سيرهم العطرة ، ومعرفة ما فعلوه في حياتهم المباركة ، والتأمل في مواقفهم المختلفة بحسب الظروف المتغيرة التي كانت تعيشها الامة الاسلامية.

الرابعة : التمسك بشعائرهم ، والاكثار من زيارتهم ، وتقوية اواصر الارتباط بيننا وبينهم.

صفوة القول

  • الكافر بالقرآن الكريم ، هو بمثابة من يكفر بالشمس في رابعة النهار.
  • القرآن الكريم كتابٌ عزيز يقهر كل من اراد محاربته او تحديه.
  • من سنن الله سبحانه ، ان يدع الانسان يختار بنفسه طريق الجنة ، ولا يكرهه عليها.
  • القرآن ليس كتاباً باطلاً ، بل هو كتابٌ يزيح الباطل عن قلب قارئه والمتدبر فيه.
  • كل إخبارات القرآن وانبائاته حقة وصادقة ، ولم يدخل الباطل في شيءٍ منها.

 

 

 

[1] سورة الرعد : الاية 31