رسالة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدرّسي إلى مؤتمر مجمع أهل البيت العالمي

16/08/2015 نشر في: الاخبار الثقافية

بعث سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدرسّي دام ظله برسالة إلى مؤتمر مجمع أهل البيت العالمي، الذي يعقد بالعاصمة الايرانية طهران.

وفيما يلي نص الرسالة التي بعثها سماحته

 بسم الله الرحمن الرحيم

قال الله تعالى:

﴿وَكَذٰلِكَ جَعَلناكُم أُمَّةً وَسَطًا لِتَكونوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ وَيَكونَ الرَّسولُ عَلَيكُم شَهيدًا﴾ سورة البقرة – الاية 143

الحمد لله وصلى الله على سيدالمرسلين و على آله الهداة الميامين.

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.

في الوقت الذي تتهاوى الحواجز المصطنعة بين شعوب العالم بفعل المزيد من سهولة التواصل و تسارع تقنية الإتصالات، وفي الوقت الذي تقترب البشرية من يوم تتحقق فيه بصيرة القران المجيد حيث يقول ربنا سبحانه: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقناكُم مِن ذَكَرٍ وَأُنثىٰ وَجَعَلناكُم شُعوبًا وَقَبائِلَ لِتَعارَفوا﴾ سورة الحجرات – الاية 13

في هذا الوقت نجد الناس ينقسمون الى ثلاث فئات مختلفة:

الف) فمنهم المتشددون الذين يتخندقون وراء متراس العصبيات الفارغة والحميّات الجاهلية، من أمثال ما يسمّى بالسلفية الجهادية، كالقاعدة وداعش و بوكوحرام.

ب ) ومنهم من ينهار امام اغراءات العصر، و يفقد حتّى مواهب الله التي اسبغها عليه من قيم سامية و تاريخ حافل، فيكون مثله كالتي نقضت غزلها من بعد قوة انكاثا، ولا يكون له اي اثر ايجابي في تطورات العصر ولا أية مساهمة في تقدم الإنسان.

ج ) ومنهم الذين يتخذون سبيلا وسطاً، وتراهم يتمسكون بشخصياتهم و بهويتهم المتميزة وبالقيم المثلى والتاريخ المجيد، وفي ذات الوقت يمدون يد المحبة إلى الآخرين ليتعارفوا و ليتعاونوا لمصلحة البشرية. وإني ارى جمعكم الميمون من هذه الفئة المباركة بإذن الله تعالى.

وهكذا و اننا نرى:

اولاً: ان تمسكنا باصالتنا لا يعني أبداً التشدد و رفض الآخر، و انّما يعني المزيد من التعاون بين ابناء الطائفة التي ننتمي إليها و نبذ كلّ ما من شأنه التاثير سلبا على وحدة الطائفة من التنابز  بالالقاب  والتشدد.

اولم يقل ربنا سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ سورة الحجرات – الاية١١

ثانياً: ان هناك ثغرات في حياة الامم و في حياة سائر الطوائف من هذه الامة المرحومة وان بامكان الطائفة التي ننتمي اليها – اشياع اهل البيت عليهم السلام – أن تجبر تلك الثغرات بما أغدق الله علينا من بصائر  وهدى وتاريخ مضيئ.

وهكذا و اننا نسعى ابدا من اجل التواصل مع سائر الامم و سائر الطوائف للتكامل البشري وللرقي الإنساني.

ثالثا: وفي اطار الامة الاسلامية التي قال الله عنها: ﴿إِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ سورة الأنبياء – الاية ٩٢

اننا نمدّ يد المحبة الى كل الطوائف لكي نتعاون في سبيل خير الامة وتقدّمها والدفاع عن مقدساتها و بالذات عن القضية المحورية للامّة وهي مواجهة الصهيونية الغاصبة لفلسطين وللقدس الشريف.

رابعا: وفي اطار المجتمع البشري اننا نرى ان صراع الحضارات اصبح قضية تاريخية، و ان حوار الحضارات أصبح مجرد خطوة على طريق تكامل الحضارات الذي ندعو إليه، ونعتقد أن تكامل الحضارت يبدأ من تكامل المذاهب والأديان.

أولم يقل ربنا سبحانه و تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّـهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّـهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ سورة آل عمران – الاية ٦٤

ايها الاخوة!

انّ العالم اليوم يئنّ تحت وطأة مشاكل ثقيلة و من دون تعاون البشرية جميعاً في سبيل حلّها فانّ عواقب كارثية تنتظر الجميع، فهناك:

اولا: الاسترسال – و بلا حدود – في سباق التسلح وصرف المليارات من أموال الشعوب في تطوير الأسلحة التقليدية بل والأسلحة التدميرية الشاملة، وهذه النفقات العبثية تتسبب في تخلف الشعوب و في إشاعة الفقر و الجوع في العالم، وأعوذ بالله من العاقبة السوئ لو أن هذه الأسلحة استخدمت يوماً، فماذا سيكون مصير العالم؟

ثانيا: ان الفجوة بين الأغنياء ودول الشمال من جهة و الفقراء ودول الجنوب من جهة تزداد إتساعاً و تسبب في شقاء ألاف الملايين من البشر.

ثالثا: الاحتباس الحراري الذي يزداد سوءاً كل يوم، انه يهدد كوكب الأرض بكارثة عظمى. كل هذه المشاكل بالإضافة إلى انتشار الظلم والطغيان و أنواع الإستعباد لا يمكن القضاء عليها الا بعمل جمعي من قبل كل أبناء البشر، و اننا إذ نتطلع انطلاقا من قيم ديننا الحنيف و من تبشير رسالات الله كلها و بالذات رسالة النبي محمد صلى الله عليه و اله و سلم و كلمات اهل بيته الطاهرين عليهم الصلاة والسلام، إلى ذلك اليوم الذي يسود العالم السلام والعدل والرفاه.

اننا و بكل وجودنا ننتظر اليوم الموعود الذي تنتظره كل النفوس الطيبة حيث يظهر إمامنا المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف لكي ينقذ العالم من الويلات. بلى و ان انتظارنا لذلك اليوم الموعود لن يكون سلبيا و انما بالعمل الجاد وبالتمهيد لظهوره عليه السلام، وبالدعاء والإنابة إلى الله لكي يعجّل ذلك اليوم.

وهكذا فإن قلوبنا و ألسنتنا تردد دائماً هذه الكلمات المضيئة:

اللهمُ اِنا نَرْغَبُ اليكَ في دولةٍ كريمةٍ تُعِزُّ بها الاسلامَ واَهلَه، وتُذِلً بِها النِفاقَ واَهله، وتَجْعَلُنا فيها من الدُعاةِ إلى طاعَتِك، والقادَةِ إلى سَبيِلِك، وترزُقُنا بها كرامةَ الدنيا والاخرة.