آخر اخبار المرجعية

تدبرات المرجع المُدرّسي في سورة (الدخان) شهر رمضان المبارك / 1437 هـ – (الدرس الرابع عشر)

21/06/2016 نشر في: المحاضرات والدروس

بسم الله الرحمن الرحيم

{وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنهَمَا لَاعِبِينَ(38)  مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقّ‏ وَلَكِنَّ أَكْثرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ(39)  إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ(40)  يَوْمَ لَا يُغْنىِ مَوْلىً عَن مَّوْلىً شَيْا وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ  (41) إِلَّا مَن رَّحِمَ اللَّهُ  إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ(42) }

صدق الله العلي العظيم

 

في سياق الحديث عن ربوبية الله سبحانه في سورة الدخان، وأنه سبحانه مستوٍ على عرش القدرة يدبر الأمر، لابد – في هذا الإطار – من إزالة بعض الحجب التي تحجب القلب عن الإيمان بربوبية الله سبحانه.

 

عدل الله في الخليقة

ومن تلك الحجب، ما يشغل بال الكثير من البشر وبصورة مستمرة عما يسمعوه ويشاهدوه مما يتعارض وعدالة الرب سبحانه، فقد يؤمن نظرياً بأن الله سبحانه عادل هو حكيم ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة، ولكنه يتداخله الشك حين يجد الظلم بين البشر، متسائلاً اليس الله بقادر على أن يأخذ بيد الظالم ويمنعه من الظلم؟ يشكك في عدل الله حين يرى الفوارق الفاحشة بين الناس، بين فقيرٍ مؤمن وبين غني فاحش الثراء ظالم، ويتسائل أين عدل الله في هذا؟

وهذه الشكوك تساير الإنسان في حياته اليومية، فالمظلوم حين يٌظلم يستائل عن علم الله وعدالته بما يجري عليه، والفقير الذي يعمل كادحاً ولا يحصل على قوته يتسائل و..، وكما يقول الشاعر:

(كم عاقل عاقل أعيت مذاهبه … وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا
هذا الذي ترك الأحلام حائرة … وصير العالم النحرير زنديقًا)

وهذه عقدة تزعج البشر، ولذلك حين نجد تأكيد القرآن الكريم على دقة صنع الله وتسييره للمخلوقات، وكيف أن الشمس قدر لها مساراً وللقمر منازل، وللسماء والأرض، حين نجد ذلك، نرى أن القرآن الكريم يؤكد على وجود حرية لدى الإنسان دون كل تلك المخلوقات، فـ: {إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُورا}[1]، ليختار بين الجنة والنار.

وبالرغم من أن الحرية محدودة زماناً وحدوداً، إلا أنها تكفي للإنسان أن يختار ما يختار ويسعى للوصول إليه.

ويجد الإنسان في داخله تنافس الخير والشر، والهوى والعقل، وتقلب قلبه بين هذه الحالة وتلك، فيومٌ يقترب إلى الله بالعبادة والاستغفار وفي آخر يتبع خطوات الشيطان ووساوسه، وهذا الإختلاف هو الآخر دليلٌ على الحرية التي منحها الله سبحانه للإنسان.

وما نراه من تفاوت أو تناحر او .. انما نجده لأن الله جعل الدنيا محلاً للابتلاء، فالفقر والغنى إمتحانٌ لكل منهما، والحاكم والمحكوم كلاهما ممتحن، وهكذا كل إنسانٍ يمتحن بما يراه الله له من إبتلاء، ليختار هو وبحريته المصير النهائي له.

ومن الناس من لا يصلح آخرتهم الا الفقر، ومنهم من لا يصلحون الا بالغنى، وقد يطغى الفقير ويخرج من الإيمان اذا ما أغناه الله سبحانه وقد يكفر الغني إذا افتقر، فالله سبحانه يبتليهم بذلك، ومنهم من ينجح ومنهم من يخسر الامتحان ويخسر بالتالي نفسه.

الخليقة بين الحق واللعب

{وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنهَمَا لَاعِبِينَ}

ولنعي هذه الحقيقة، نرى أن بداية السورة يبين القرآن حال الذين اتخذوا الدنيا محلاً للعب واللهو، حيث قال: {بَلْ هُمْ فىِ شَكٍ‏ يَلْعَبُونَ}[2]، وكأن هذه الآية جواب لاولئك، فمادامت السماوات والأرض وما بينهما لم يخلقها الله لعباً، فالإنسان هو الآخر لم يخلق لعباً، ولا يحق له أن يتخذ الحياة لعباً.

هب أن الإنسان أتخذ الحياة لعبا، فهل سيستمر اللعب؟

كلا، سينتهي اللعب ساعة إنتهاء عمر الإنسان وحريته في الإختيار، وحينها سيرى الإنسان أن الله لم يخلقه وهذا النظام الهائل من أجل اللعب والتسلية، وسيحاسبه الله سبحانه على كل أعماله، صغيرها وكبيرها، حقيرها وخطيرها، ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة، وحينها سيظهرون الندم والويل ولات حين مندم، قال تعالى:

{وَ وُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمينَ مُشْفِقينَ مِمَّا فيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغيرَةً وَلا كَبيرَةً إِلاَّ أَحْصاها وَ وَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدا}[3].

 

{مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقّ‏}

فكل شيء خلق بالحق ولهدفٍ حق، وكما بينا مفهوم الحق ومصداقه في الدرس السابق.

{وَلَكِنَّ أَكْثرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}

المشكلة، انما هي عند الإنسان الذي بإنشغاله بالدنيا وزينتها، لا يعلم هدف الخلقة وحقيقة الإبتلاء والإمتحان.

فمتي سيعرف أنه الحق من الله سبحانه ؟

{إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ}

ذلك يوم القيامة، الذي تسقط كل الحجب عن الإنسان، فيعاين الحقيقة ويلامسها بكل وجوده.

الفصل هو القطع والإبانة حتى يباعد بين المقطوع، ويوم الفصل هو يوم يتم فيه فصل الحق والباطل، ويحكم فيه الله سبحانه.

{مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ}

الميقات؛ من الوقت، وهو إسمٌ للزمان والمكان، إذ يجمع الله الخلائق في مكانٍ واحد وفي وقت واحد، ليفصل بينهم .

ويوم القيامة فيه خمسون موقفاً كل موقفٍ يطول ألف سنة، وأولى تلك المواقف تتعلق بمظالم الناس، حيث يلجم الناس العرق والشمس تصهر وجوههم لقربها، وحينها يأمر الله سبحانه بأن يأخذ كل ذي حقٍ حقه من ظالمه، فلا يجوز ذلك الموقف من كان في ذمته حقٌ أو مظلمةٌ تجاه الناس.

{يَوْمَ لَا يُغْنىِ مَوْلىً عَن مَّوْلىً شَيْا وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ}

المولى هو الذي يلي الإنسان لقربه منه، فقد يكون قريباً أو صديقاً او سيداً او عبداً او..

ورد في سورة الدخان الإشارة إلى قريش، والحديث عن قوم فرعون وقوم تبع، تلك الأقوام التي كانت في كفرها وضلالتها تعتمد على بعضها البعض، وينصر بعضهم بعضاً في مواجهة الرسالات الإلهية.

الا أن نصرتهم هذه لم تنفعهم في الدنيا أمام أمر الله سبحانه، فكيف بهم يوم القيامة، اذ لا يغني المرء أقرب الناس إليه هناك ولا يقدر على نصرته أمام الله سبحانه وتعالى، بل يهرب الأحباء من بعضهم البعض لذهولهم وإنشغالهم بأمرهم، قال تعالى:

{يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخيه‏ * وَأُمِّهِ وَأَبيه‏ * وَصاحِبَتِهِ وَبَنيه‏ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنيه‏}[4].

فلا أحد يقدر أن ينصر صاحبه أمام إرادة الله سبحانه أو يغنيه بقليلٍ او كثير

{إِلَّا مَن رَّحِمَ اللَّهُ}

تستثنى الآية مجموعة من الآية السابقة، فهم يغنون بأمر الله عن اولياءهم .

فمن هم الذين رحمهم الله؟

عن أبي اسامة زيد الشحام، قال كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) ليلة الجمعة، فقال لي:

 «اقرأ» فقرأت، ثم قال: «اقرأ» فقرأت، ثم قال: «يا شحام اقرأ فإنها ليلة قرآن». فقرأت حتى إذا بلغت يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ، قال: «هم» قال: قلت: إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ، قال: «نحن القوم الذين رحم الله، ونحن القوم الذين استثنى الله، وإنا والله نغني عنهم»[5].

فالذين رحمهم الله، وهم أهل البيت عليهم السلام، يغنون مواليهم وينصرونهم بإذن الله.

والآية – حسبما ذهب المفسرون- تشير إلى حقيقة الشفاعة يوم القيامة، والشفيع الأول هو الله سبحانه حيث يأذن لنبيه والأئمة عليهم السلام بالشفاعة في المؤمنين، وشفاعة الأطهار هي الآخرى لا تكون إلا في إطار ارادة الله سبحانه وتعالى.

ومن هنا، على المؤمن أن يزيد من إرتباطه بالائمة الطاهرين، وخصوصاً إمام زمانه عجل الله فرجه الشريف، ويعمل بما يرضيهم ويتجنب ما يسخطهم، لأن رضا الله وسخطه رضاهم وسخطهم، ويجعلهم شفعاء في كل حاجاتهم وطلباتهم في الدنيا، ليفوز بشفاعته يوم الحساب.

{ِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ}

صحيحٌ أن الله عزيز%8