آخر اخبار المرجعية

تدبرات المرجع المُدرّسي في سورة (الدخان) شهر رمضان المبارك / 1437 هـ – (الدرس الخامس عشر)

22/06/2016 نشر في: المحاضرات والدروس

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (43) طَعَامُ الْأَثِيمِ (44) كاَلْمُهْلِ يَغْلىِ فىِ الْبُطُونِ (45) كَغَلىْ‏ الْحَمِيمِ (46) خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلىَ‏ سَوَاءِ الجْحِيمِ (47) ثمُ‏ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (48) ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (49) إِنَّ هَذَا مَا كُنتُم بِهِ تَمْترَونَ (50)

صدق الله العلي العظيم

 

لأن الله أتاح للإنسان الفرصة في الحياة ليتصرف ببعض الحرية، ولأنه لا يجازيه بأفعاله مباشرةً لحكمة الإمتحان والإبتلاء، يظن الإنسان أن العالم محل لعب..

وأدى به ظنه هذا إلى أن يعيش في سباتٍ وكأنه في غيبوبة، ارأيت كيف يسيطر سكر النوم على البعض حتى لا يفقه ما يقول؟ هكذا هو حال من يرى العالم بلا هدف ومن أجل اللعب والتسلية.

وليست هذه الحالة مختصة بالكافر، بل قد يبتلى المؤمن أيضاً بحالة الغفلة والسبات، فما هو الحل للإنتباه والاستيقاظ؟

يحتاج المرء إلى صدمات  توقظه من غفلته، ومنبهات تحسسه بالحقائق، كما يتم صدْم القلب ليعود إلى الحياة، وبالرغم من أنه يعود إلى سباته فور إنتهاء مفعولها، إلا أن إستمرارها المرة تلو الأخرى يمنع من حدوث سباتٍ عميق..

فرؤية الجنازة المحمولة إلى القبر نوعُ صدمةٍ وتنبيه للإنسان لئلا يسترسل مع زخارف الحياة ولا يغتر بالماديات.

والقرآن الكريم يحوي الكثير من المنبهات في آياته الكريمة، وكثرتها انما  هو لإحداث الصدمات للإنسان بصورة مستمرة، لكي تفيقه اللاحقة بعد خموله من السابقة، ومن تلك الصدمات الحديث عن عذاب جهنم، وبيان ألوانه.

وفي آيات سورة الدخان، سبق الحديث حول جهنم عن الحديث عن نعيم الجنة، لأن تخليص الإنسان نفسه من عذابها هو الفوز العظيم الذي يستتبعه دخول الجنة، قال تعالى:

{فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ مَتاعُ الْغُرُور}[1].

 

إعقد العزم!

ومن هنا فعلى المؤمن أن يعقد العزم على الا يكون من أهل النار، وأن يتخذ القرار بالسعي للحصول على الجنة، والله سبحانه يهيء الأسباب بناءً على نية المرء.

وعقد العزم على الهدف، يجعل عقله الباطن يتحكم في تصرفاته ويرشدها وفقاً لتلك الإرادة الأساسية، فإذا واجه المرء عملاً محرماً يبتعد عنه بسبب القرار المسبق، وإن سنحت له فرصة الخير والعمل الصالح يبادر إليه لرغبته في دخول الجنة.

 

صور من عذاب الله في جهنم

في هذه الآيات حديثٌ عن أربع صور من صور العذاب، فالحديث عن طعام أهل النار وعن شرابهم، ومن ثم عن مكانهم، ثم الحديث عن عذابهم النفسي:

أولاً: طعام أهل النار

{إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الْأَثِيمِ}

الأثيم فعيل الإثم، والأثيم هو الفاجر، وهو المنحرف عن الصراط المستقيم، كيف؟

خلق الله سبحانه الإنسان وجعل له في حياته سبلاً لتلبية حاجاته من أجل الوصول إلى الأهداف الأساسية للخلقة، وتلك السبل تتوافق وفطرة الإنسان من جهة، وتتوافق مع الشرع والقانون الوضعي من جهة أخرى، والسائر على غيرها يكون أثيماً لسلوكه الطريق المنحرف.

فعلى سبيل المثال، فإن الله قد جعل لإفراغ الحاجة الجنسية سبيلاً وهو الزواج، وجعل له هدفاً سامياً هو بناء البيت الإيماني وتربية الذرية الصالحة لتكوين مجتمع صالح، ولكن من يختار الطريق الحرام لإشباع هذه الغريزة فهو منحرف عن الطريق الصحيح، قال تعالى:  {وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى‏ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبيلا}[2]، فالفاحشة ما عظم وبان قبحه، وساء سبيلاً، يعنى به العاقبة السوأى لمرتكبه .

فمن يفتش عن المرأة التي لا تحل له ليشبع حاجته الجنسية، فيذهب معها بالخفاء إلى حيث يقضي وطره في سويعات شهوة، تعقبها ندامة وكراهية متقابلة وتهرب من الآخر، أو أمراض وخزي و.. كل ذلك إثمٌ ساء سبيله في الدنيا قبل الآخرة.

ومثالٌ آخر، فإن الطريق الصحيح لإكتساب الرزق والتجارة، هو أن يتعلم المرء الحلال والحرام في التجارة، ثم يدخل السوق ويبدأ بتجارته بعيداً عن الغش والخديعة، فيكسب ثقة الناس وتزكو تجارته، ومن ثم يثق به التجار فتنمو أمواله وتكثر، هذا هو الطريق الصحيح، أما الطريق المنحرف فذاك الذي يدخل سوق التجارة بسلاح الخديعة والمكر فيغش في بيعه ويكذب في سومه، الأمر الذي يبعد الناس والتجار عنه فتبور تجارته، إنه السبيل المنحرف لكسب المال ومرتكبه يكون آثماً بفعله.

فالإثم إذاً، هو الطريق المنحرف للوصول إلى الأهداف – وإن كانت صحيحة -، إذ لابد من اختيار الطريق الصحيح رغم بعض الصعوبة فيه لأن منتهاه يؤدي إلى النتيجة السليمة.

 

جذر الإثم

فما هو جذر الإثم؟

في نهاية هذه المجموعة من الآيات تبيان لجذر الإثم، وهو الشك، فما هو الشك؟

لكل إنسان قوتان تتحكمان في قراراته وأفعاله، هما العقل والهوى، فقوة العقل تدفعه للخير والهوى أي النفس الأمارة بالسوء تحمله على اتخاذ القرارات الخاطئة المتوافقة مع الشهوة غالباً، وبالتأمل الذاتي يستطيع أن يفرّق الإنسان بين ما ينشأ من العقل وما ينشأ من الهوى، فكل ما ينشأ من الهوى سريع الزوال متغير الحال، وكما قال ربنا سبحانه:

{وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطا}[3]،

وذلك لأن اهواء الانسان متغيرة بتغير حالته ورغباته، أما ما يصدر من العقل فهو ثابت مهما تغيرت الظروف والرغبات.

والعقل والهوى ككفتي ميزان، لا يرتفع أحدهما إلا بإنخفاض أخرى، وكلما قوي الهوى في النفس زادت شكوك الإنسان تجاه الحقائق، الأمر الذي قد لا يؤثر على إيمان المرء الا إذا تعرض إلى إمتحانٍ شديد فيزلزله، مثلما يهلك الفايروس جسم الإنسان ساعة ضعفه، بعد مرور فترة طويلة على مكوثه في داخله، حيث لم يؤثر في الجسم حين كان قوياً بل أهلكه بعدما ضعف.

ومن هنا، يقوم المؤمن بمجاهدة نفسه لكيلا تطغى وتهيمن عليه فتهلكه، وكما قال أمير المؤمنين عليه السلام:

“وَإِنَّمَا هِيَ نَفْسِي أَرُوضُهَا بِالتَّقْوَى لِتَأْتِيَ آمِنَةً يَوْمَ الْخَوْفِ الْأَكْبَرِ”[4].

 

عقاب الإثيم في النار

يجوع الكافر الأثيم في النار، فما هو طعامه؟

تبين الآية أن طعامه هو ثمر شجرة الزقوم، فهي شجرة أصلها في أصل جهنم ومنها على رأس كل كافرٍ غصن، وفيها ثمرة الزقوم، كريهة الطعم والرائحة.

{كاَلْمُهْلِ يَغْلىِ فىِ الْبُطُونِ}

وبالرغم من شدة نتنها، إلا انه يأكلها – لشدة جوعه – وما ان تدخل جوفه إلا تبدأ بالغليان مثلما يغلي مذاب النحاس والرصاص (المهل)، ومن شدة حرارة ذلك تسقط أشفار عينه.

وهذا من أليم عذاب الله في الآخرة، الذي يبدو لي أنه عذابٌ كيميائي، فليس ناراً ولكن تأثيره أشد من النار في الإحراق.

{كَغَلىْ‏ الْحَمِيمِ}

يغلي في بطونهم كما يغلي الماء في القدر، ويتطاير من غليانه وشدة سخونته.

مكان الكافر

{خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلىَ‏ سَوَاءِ الجْحِيمِ}

يأمر الله زبانية العذاب أن يسحبوه (اعتلوه) دون أن يسمحوا بالوقوف على قدميه، فيجروه إلى وسط الجحيم، حيث شدة الحرارة وإحاطة النار من كل مكان.

شراب الأثيم

{ثمُ‏ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ}

ويصب على رأسه – وهو مركز أعصابه – من الحميم، الذي هو شرابه أيضاً، ويتم الصب بشكل تدريجي إمعاناً في التعذيب.

 

العذاب النفسي

{ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ * إِنَّ هَذَا مَا كُنتُم بِهِ تَمْترَونَ}

وتقريع الملائكة للكافر بكلماتهم، قد يكون أشد من العذاب الجسدي الذي يلقاه في النار، فماذا يعني هذا التقريع؟

ذهب بعض المفسرين، إلى أن هذه الجملة ردٌ على ما كان يقوله الكافر في الدنيا، حين كان يدعي العزة والغلبة، فهذا جوابٌ على تكبره.

وفي سبب نزول الآيات ورد أنها نزلت بحق أبي جهل الذي كان يستهزئ بالنبي الأكرم صلى الله عليه وآله ويدعي أنه أعز شخص في مكة، فقد روي أنه ” لقي النبيُّ صلى اللَّه عليه واله سلم أبا جهل، فقال أبو جهل: لقد علمت أني أمنع أهل البطحاء، وأنا العزيز الكريم. قال: فقتله اللَّه يوم بدر وأذَلَّه وعيَّره بكلمته، ونزل فيه: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ”[5].

وبالرغم من نزولها في أبي جهل، إلا انها لا تختص به، بل تشمل كل من يتكبر على الحق ويصور نفسه أعلى من الآخرين ويقدم الـ (أنا) على الحق.

وثمة تفسير آخر للآية مفاده، أن تقريع الملائكة هو من حيث الملامة، اذ كان من المقرر أن يكون الأنسان عزيزاً كريماً في مقعد صدق عند مليك مقتدر، ولكنه وبسبب سوء اختياره وإرتكابه الآثام وصل إلى هذا الحضيض وهذا العذاب.

وقد ورد في النصوص أن اهل النار يطلعون إلى أهل الجنة وإلى ما كان اعده الله لهم – إن كانوا من المؤمنين – فيتحسرون على تفريطهم، وفي المقابل يطلع المؤمن على الكافر المعذب فيشكر الله على إنقاذه من النار، قال تعالى:

{قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لي‏ قَرينٌ * يَقُولُ أَءِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقينَ *أَءِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَءِ[نَّا لَمَدينُونَ * قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ * فَاطَّلَعَ فَرَآهُ في‏ سَواءِ الْجَحيمِ * قالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدينِ * وَلَوْ لا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرينَ}[6].

وكل ما يلاقيه الكافر من عذاب ومهانة، هو ما كان يشكك في وقوعه (تمترون) نتيجة هيمنة الأهواء عليه.

والشك لا يمكن أن يزول بالنظريات والكلمات، بل لابد أن يزيلها الإنسان من قلبه بالمزيد من العمل الصالح والعبادات وبالتدبر في آيات القرآن الكريم والإكثار من تلاوته.

 

نسأل الله سبحانه أن يوفقنا للأعمال الصالحة وأن يجعلنا من المرحومين في هذا الشهر، أنه سميع مجيب، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  سورة آل عمران :الاية 185

[2]  سورة الإسراء : الاية 32

[3]  سورة الكهف : الآية 28

[4] نهج البلاغة : كتابه عليه السلام إلى عثمان بن حنيف الإنصاري.

[5]  اسباب نزول القرآن ( للواحدي) : ج1،ص 392

[6] سورة الصافات : الاية 51-57