آخر اخبار المرجعية

تدبرات المرجع المُدرّسي في سورة (الدخان) شهر رمضان المبارك / 1437 هـ – (الدرس السادس عشر)

23/06/2016 نشر في: المحاضرات والدروس

بسم الله الرحمن الرحيم

{إِنَّ الْمُتَّقِينَ فىِ مَقَامٍ أَمِينٍ (51) فىِ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ(52) يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبرْقٍ مُّتَقَبِلِينَ (53) كَذَالِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بحِورٍ عِينٍ (54) يَدْعُونَ فِيهَا بِكلُ‏ فَكِهَةٍ ءَامِنِينَ (55) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولىَ‏  وَ وَقَئهُمْ عَذَابَ الجْحِيمِ (56)}

صدق الله العلي العظيم

 

أولى البصائر التي يستفيدها المتدبر في الآيات التي تتحدث عن الجنة من جهة وعن النار وعذاب الله فيها من جهة أخرى، هي وجود المسافة الكبيرة بينهما والبون الشاسع بين النعيم المقيم والعذاب الأليم، بما لا يمكن للعقل أن يحيط بالمسافة علماً وإدراكاً.

ومن هنا؛ فمن الخطأ ان يكون المرء لا أبالياً بالنسبة إلى مصيره، إلى الجنة أو إلى النار، بل عليه أن يختار طريق النجاة لتخليص نفسه، ذلك لأن الله سبحانه خلق الأنسان وأكرمه، فهو مخلوقٌ عظيم، وأتاح له فرصة الاختيار بين أن يكون جليس الرب في مقعد صدق عند مليك مقتدر، أو أن يتسافل – والعياذ بالله – إلى أسفل درك في الجحيم.

وكم شهد التاريخ أناساً كانوا أخوةً من أمٍ وأب، او رفقاء دربٍ او زملاء عمل، أو ابناء منطقة واحدة، فسمى أحدهم إلى أعلى عليين، وسقط الأخر إلى أسفل سافلين، نتيجة إنتخابهم ومن ثم سلوكهم في الوصول إلى ما ابتغوه.

وقد تحدثنا ليلة أمس عن عذاب الله في سواء الجحيم، والليلة ووفقاً لسياق الآيات المباركة سنتحدث عن ما أعدّه الله سبحانه للمتقين في الجنة:

{إِنَّ الْمُتَّقِينَ فىِ مَقَامٍ أَمِينٍ}

 

فمن هو المتقي؟

في مقابل الأثيم – الذي يطعمه الله من شجرة الزقوم -، يكون المتقي، فمن هو المتقي؟

التقوى من الوقاية، والمتقي هو من يقي نفسه ويحفظها من الهلكة والأخطار، فهو يراقب نفسه دوماً لئلا تسقط في الهاوية، أرأيت كيف يحسب الماشي في حقل الألغام ألف حسابٍ لكل خطوةٍ يخطوها ؟ هكذا هو المتقي في حياته، يحسب لكل عملٍ حساباً، هل يتوافق مع الشرع أم لا ؟ هل يؤدي به هذا العمل إلى الجنة أم إلى النار؟

ولا يتوقف لحظة في حياته من مراقبة النفس، لأن الإبتلاء والإمتحان الإلهي مستمر حتى تصل الروح التراقي، ومادام الإنسان يتنفس فإن الإمتحان قائم ومستمر.

فأين هو محل المتقي؟

إنه في مكانٍ يوفر فيه الله سبحانه له كل حاجاته، وأهمها الأمن والسلام، بعيداً عن كل خوفٍ وحزنٍ وقلق.

وقد قرأ البعض المقام بالضم، ولكن الفتح أصح، لأن المقام هو المحل الثابت والدائم، بينما المُقام هو محل إقامة مؤقت.

فهو محل إقامة دائم (مقام) وفي نفس الوقت أمين لا أخطار فيه.

{فىِ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ}

مضافاً إلى الأقامة والأمانة، فهم في جناتٍ وعيون، فالجنات فيها ما لذّ وطاب من النعم الألهية، بل هي مركز الثمار والأطعمة، والعيون هي المياه الظاهرة سواءً ما نبع من الأرض أو جرى عليها.

فماءهم ظاهرٌ وكثير، وكذا طعامهم دائم ومتنوع.

 

ثياب المتقي

{يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبرْقٍ}

لماذا يلبس أهل الجنة الثياب؟ هل لدفع البرد؟

كلا، فهواء الجنة نقيٌ لا بارد ولا حار، متوافق مع طبع الإنسان، ولكن ثياب أهل الجنة هو زينةٌ لهم، ولذلك يتزينون بأجملها واسناها.

والسندس والإستبرق كلاهما من الحرير، ولكن الأول حرير ناعم لطيف، والإستبرق حرير ضخم يتلألأ، ولكلٍ جماليته وزينته.

وقد جعل الله الحرير زينة أهل الجنة، ولذلك حرمها على الرجال أن يلبسوها في الدنيا، وربما لأن الحرير يؤثر في سرعة سيلان الدم في الرجل مما يؤثر على أخلاقه سلباً فيصبح حاد المزاج .

{مُّتَقَبِلِينَ}

ومن النعم التي يلتذ بها المؤمن في الجنة جلسات أنسه مع إخوانه المؤمنين، إذ تراهم يتقابلون في مجالس الأنس لا يشوب صفاء قلوبهم حقد أو حسد أو غل أو كبر، يحادث بعضهم بعضاً ويأنس بعضهم بوجود البعض، ولكن عن ماذا يتحدثون؟

أكثر حديثهم عن الدنيا وكيف أن الله سبحانه أنقذهم من صعب الإبتلاء، ووفقهم للإيمان وأنعم عليهم بالجنة والرضوان، وكذلك يتسائلون عن الكافرين الذين عايشوهم، فيسمح لهم بالإطلاع عليهم في سواء الجحيم.

 {كَذَالِكَ وَ زَوَّجْنَاهُم بحِورٍ عِينٍ}

وليست جلسات الإنس مع الأخوان نهاية المطاف، بل يزوجه الله سبحانه من الحور العين، فكذلك تكتمل نعم الجنة بالزواج من الحور العين، والحور جمع الحوراء من بياض الوجه وجماله، والـ (عين) من العيناء أي ذات العيون الواسعة.

والعين نافذة الروح، فلسي جمالها مقتصراً على ظاهرها الأخّ%A