تدبرات المرجع المُدرّسي في سورة (الدخان) شهر رمضان المبارك / 1437 هـ – (الدرس السابع عشر)

25/06/2016 نشر في: الاخبار الثقافية

بسم الله الرحمن الرحيم

{فَضْلًا مِّن رَّبِّكَ  ذَالِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (57) فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (58) فَارْتَقِبْ إِنَّهُم مُّرْتَقِبُونَ (59)}

صدق الله العلي العظيم

 

للقرآن أساليب بيانية فريدة، التنبه لها والإلتفات إليها يسهم في تعميق فهم معاني آياته ومراداته، ومن تلك الأساليب بيان مواضيع السور بصورة مختزلة في بدايات السور وخواتيمها.

وإذ تمحور الحديث في سورة الدخان عن ربوبية الله سبحانه ولم يكن ليخلق الله الخلق ثم يتركهم سدى ويجف قلم التقدير، بل هو الرحمن على العرش استوى، ولذلك يؤكد القرآن على هذه الحقيقة المرة تلو الأخرى، ويحدثنا عن الله الذي تعرفه فطرة الإنسان النقية.

 

المعرفة الفطرية

فكل إنسان يعرف ربه بفطرته، فحين تقرأ سورة التوحيد التي هي نسب الله  – كما في النصوص – تقرأ (قل هو الله أحد)[1]، والضمير (هو) يرجع إلى ما يشار إليه، فإلى أين يعود الضمير؟

مرجعه إلى الله المعروف في فطرتك، والذي تدعوه ساعة العسرة دون الأنداد، وهو الأحد بلا شبيه أو نظير، وهو الصمد بلا تجزء أو تركيب، وهو الذي لم يلد أحداً ولم يولد من شيء كان قبله، إنه الله الذي إعترفنا بوحدانيته في عالم الذر وأشهدنا على ذلك.

وحين تدعو الله فإنك تعني الله الذي له الأسماء الحسنى، وكل صفات الجلال والكمال فيه، ومن أسماءه الحسنى تتفرع السنن الإلهية في خليقته، فمن إسم (الرحيم) كانت سنة رحمته في الخلق وتراحم المخلوقات و.. فهذه سنته في الخلق – والتي يسميها البعض القوانين والأنظمة الطبيعية – وهي بدورها مصدر الوصايا التي تنشأ منها الأحكام.

فأنت بفطرتك تعرف الله سبحانه، وكذلك أسماءه ومن ثم سننه، وبالتالي فإن الإحكام الشرعية تضحى متطابقة مع فطرته.

ولا يحتاج الإنسان بعد وجود المعرفة الفطرية، إلا إلى التذكير والتنبيه، الأمر الذي يقوم به الأنبياء والرسل، قال الله سبحانه: {فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّر * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِر}[2]،  وقال أمير المؤمنين عليه السلام: “فَبَعَثَ فِيهِمْ رُسُلَهُ وَ وَاتَرَ إِلَيْهِمْ أَنْبِيَاءَهُ لِيَسْتَأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِهِ وَيُذَكِّرُوهُمْ‏ مَنْسِيَ‏ نِعْمَتِهِ وَيَحْتَجُّوا عَلَيْهِمْ بِالتَّبْلِيغِ [3].

فليس الإنسان بحاجة إلى التعليم والمزيد من الإحتجاجات، بل يحتاج إلى إعادته إلى فطرته التي غفل عنها أو تغافل عنها، والتذكير والتذكرة والذكرى وسائر مشتقات هذه اللفظة قد وردت في آيات القرآن الكريم أكثر من أي لفظة أخرى بعد إسماء الله سبحانه.

ومعنى التذكرة، أن الإنسان كان عالماً بالشيء ثم ذهل عنه ونسيه، فيأتي المذكر ليعيد له علمه الذي كان يعرفه، ومن هنا نجد عتاب الرب في كتابه على الذين رفضوا الإستجابة للرسول، الذي يذكرهم بما يعرفوه، قال سبحانه:

{أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُون‏ * أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُون‏}[4] .

وكلما حدثهم النبي صلى الله عليه وآله المشكرين بالدين الحنيف  وتلا عليهم آياته، كان تيار النور يلف قلوبهم، الأمر الذي كانوا يرفضوه هم، فيطلبون من النبي السكوت، أو يهربون من مجالسته، لأنه كان يخاطب وجدانهم وفطرتهم، وهكذا يأمر الله نبيه بترك من لا يستجيب له، حيث قال:

{قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ في‏ خَوْضِهِمْ يَلْعَبُون‏}[5].

ويروى أن بعض المشركين كانوا يتسللون ليلاً إلى حيث يجلس رسول الله صلى الله عليه وآله ويستمعون خفيةً إلى تلاوته للقرآن الكريم، لأنهم كانوا يعرفون حقانيته في داخلهم رغم إظهار الخلاف تكبراً منهم على الحق.

{فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}

وهكذا يسّر الله كتابه على لسان نبيه، علّهم يرجعوا إلى فطرتهم ويتذكروا ما آمنوا به من قبل.

الذي يرى الشمس عليه أن يستفيد منها لا أن يغمض عينيه ويسدل نوافذ حجرته لكيلا يدخل الضياء غرفته، وكذلك الذي يقرأ القرآن، عليه ألا يحجر عقله مدعياً أن القرآن لا يمكن فهمه، وبذلك لا يقرأهه أو يقرأه هذرمةً، بل عليه أن يستفيد من آياته ويتدبر فيها للتذكرة.

فمن الممكن أن يفهم الإنسان القرآن، لانه قد يسّر للأفهام، ولا يعني ذلك أن يحمل المرء أفكاره المسبقة على آي القرآن، او يفسّره بأراءه الشخصية، بل يعني أن يستفيد من آياته بما آتاه الله من العقل والفهم والوعي، وهو القائل:

{أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى‏ قُلُوبٍ أَقْفالُها}[6].

 

وفي الآية الكريمة بصائر:

أولاً: نحن لا نعرف الله سبحانه إلا بما عرفنا نفسه وبث في الآيات دلائل تدل عليه، ورغم ذلك لا يمكن معرفته كنه معرفته، وكذا هو الأمر بالنسبة الى صفاته، ولكنه سبحانه سهل كلامه ويسّره لنفهمه ونعيه نحن، فقد ورد في الحديث المأثور عن الامام الصادق عليه السلام:

«لولا تيسيره لما قدر أحد من خلقه أن يتلفّظ بحرف من القرآن، وأنّى لهم ذلك وهو كلام من لم يزل ولا يزال»[7] .

والتيسير لا يعني التفهيم المفصل، بل الإفهام المجمل للحقائق، وهكذا يستفيد المرء من الآية الواحدة شيئاً ثم يستفيد في وقت آخر من الآية ذاتها حقيقةً أخرى، لأن مثل الكتاب كمثل البحر لا ينضب بإغتراف المغترفين منه، ولذلك لا تنقضي عجائبه كما في النصوص الشريفة.

وحتى المعصوم يفكّر في الآية الواحدة أكثر من مرة، وكما روي أن الإمام الرضا عليه السلام كان يختم القرآن في كل ثلاثة أيام، وكان عليه السلام يقول:

“لَوْ أَرَدْتُ أَنْ أَخْتِمَهُ‏ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ لَخَتَمْتُ وَلَكِنْ مَا مَرَرْتُ بِآيَةٍ قَطُّ إِلَّا فَكَّرْتُ فِيهَا وَفِي أَيِّ شَيْ‏ءٍ نَزَلَتْ وَفِي أَيِّ وَقْتٍ فَلِذَلِكَ صِرْتُ أَخْتِمُ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ‏”[8].

ثانياً: القرآن الكريم يسّره الله بلسان النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، فماذا يعني ذلك؟

يعني ذلك أن القرآن بحاجة إلى مبين ومفسر، فليس فهم القرآن ميسراً دون وجود مبين له، وذلك المفسّر هو النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وأهل بيته الطيبين الطاهرين.

القرآن الكريم قابل للفهم ولكن عن طريقه، وطريقه هو أهل البيت عليهم السلام، ولا يمكن لأحدٍ أن يفهم القرآن بالصورة الصحيحة بعيداً عنهم عليهم السلام، بل لا ينفتح القرآن لمن لا يوالي النبي وأهل بيته صلوات الله عليهم، وقد قال النبي الأكرم صلى الله عليه وآله:

“إِنِّي تَارِكٌ‏ فِيكُمُ‏ الثَّقَلَيْنِ‏ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي كِتَابَ اللَّهِ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِّي فِيهِمَا”[9].

{فَارْتَقِبْ إِنَّهُم مُّرْتَقِبُونَ}

 

يأمر الله النبي بالصبر والترقب، لأن الزمن ركنٌ للحصول على النتائج.

فالخلق كله بني على ركيزتي الحق والزمان (أجلٍ مسمى)، فلا يمكن أن يغفل أحدٌ عن عامل الزمان في الاحداث والأعمال.

ومن ذلك – مثلاً- إصلاح المجتمعات، فلا يمكن أن تكون بين ليلة وضحاها، بل هي بحاجة إلى زمانٍ وقبل ذلك بحاجة إلى التخطيط وفق المدة الزمنية.

وكذلك بالنسبة في مواجهة الأعداء وما يواجهه المؤمنون من حروب وضغوطات، لابد ألا ييأس المؤمن من الإنتصار، بل يصبر ويرتقب دوماً تحقيق الوعد الإلهي، لأن الله قد وعد اولياءه بالنصر، وهو القائل: {فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقين‏}[10].

 

ويتحقق وعد الله سبحانه عند ظهور المصلح والمنقذ، الإمام الحجة بن الحسن العسكري عجل الله تعالى فرجه الشريف نسأل الله سبحانه أن يعجل في فرجه ويجعلنا من أنصاره وأعوانه والمستشهدين بين يديه، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  سورة التوحيد : الاية 1

[2]  سورة الغاشية : الآية 21-22

[3]  بحار الأنوار : ج11،ص 60

[4]  سورة المؤمنون : الاية 69-70

[5] سورة الأنعام : الآية 91

[6]  سورة محمد : الآية 24

[7] تفسير روح البيان : ج8، ص 433

[8]  الآمالي ( للصدوق ) : ص 660

[9] بحار الأنوار: ج2،ص 100

[10]  سورة هود : الآية 49